Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إيران والسير على حد الكورونا

الأزمة ستفتح الطريق لاعتراضات شعبية ليست على خلفية اقتصادية بل سياسية تهدف لمحاسبة النظام

قال المرشد إن إيران في معركة مفتوحة مع كورونا (أ.ف.ب)

هي لعبة تسجيل النقاط بين الخصمَين، فمن غير المتوقع أن تعمد الإدارة الأميركية إلى ترجمة العرض الذي قدّمته لمساعدة الحكومة الإيرانية في معركة المواجهة مع وباء كورونا، فالعرض الأميركي ترافق مع فرض مزيدٍ من العقوبات على شخصيات ومؤسسات إيرانية، بالتزامن مع تهديد بعض الدول الأوروبية من عواقب السماح لشاحنات إيرانية تحمل أدوية ومعدات طبية بالعبور في أراضيها باتجاه إيران.

إلا أنّ المسؤولين الأميركيين، وتحديداً وزير الخارجية مايك بومبيو، أعاد الحديث عن رغبة بلاده في تقديم هذه المساعدة، من دون أن يبذل عناء تمويه الهدف من وراء هذا العرض الذي يسعى لإظهار تعنت النظام الإيراني في رفض اليد الأميركية الممدودة للمساعدة، وإظهار قيادته غير آبهين بمصير الشعب الإيراني، خدمةً لمصالحهم واستمرار سيطرتهم على السلطة، وإن أدّى ذلك إلى حصد الوباء مزيداً من الضحايا، وتأكيد نظرية أن ما تتعرض له إيران جراء "جائحة" كورونا ليس سوى "تدبير خبيث" من العدو الأميركي، يستهدف إسقاط النظام من الداخل، وبالتالي تعزيز الرؤية التي قدّمها المرشد الأعلى حول "مؤامرة العدو" التي تضع إيران في مواجهة "الجن والإنس" على حد سواء.

الردُّ الإيراني على العرض الأميركي لم يتأخّر، ولعله كان أكثر وضوحاً وأقرب إلى تفسير الأبعاد التي تكمن وراءه، كشفه جاء على لسان قائد قوات حرس الثورة الجنرال حسين سلامي، الذي قدم عرضاً مقابلاً لمساعدة الشعب الأميركي لمواجهة وباء كورونا في ظل العجز الذي أظهرته المؤسسات الأميركية في التعامل مع هذه الجائحة حسب تعبيره، الأمر الذي يخرج حديث المرشد الأعلى من دائرة البحث والتركيز على "الاستهداف والمؤامرة" إلى دائرة محاولة "تسجيل نقطة مقابل النقطة" التي حاولت واشنطن تسجيلها في مرمى طهران ونظامها.

المرشد وفي خطابه الأخير، تحدّث بإسهاب عن المعركة المفتوحة مع "العدو" كورونا، معتبراً أن العرض الأميركي مجرد لعب في منطقة الفراغ، ومحاولة للتهرب من الاستحقاق الإنساني وتفاقم الأزمة الصحية في إيران جراء استمرار واشنطن في فرض العقوبات، ومنعها من الحصول على ما تحتاج إليه من مستلزمات طبية تساعدها في هذه المعركة التي "تقف وراءها من خلال استهداف الجينات الإيرانية، والسعي للحصول على معلومات دقيقة عن الداخل الإيراني في حال جرت الموافقة على دخول فرق مساعدة أميركية إلى إيران للمشاركة في هذه المعركة".

وبالتالي، فإنّ الرفض الإيراني يمكن فهمه في إطار مساعي إيران لإحراج الإدارة الأميركية وإظهارها بأنها تنقض أبسط قواعد حقوق الإنسان من أجل الوصول إلى أهدافها السياسية والتوسعية، فضلاً عن حشد موقف دولي ضد استمرار الإدارة الأميركية في إجراءاتها العقابية ضد إيران من خلال استنفار الرأي العام العالمي والشعبي بالاعتماد على البعد الإنساني في هذه الأزمة.

وبالتالي، فتح الطريق أمام إجبار واشنطن على تخفيف حدة العقوبات أو تعليقها بذريعة إنسانية، ما يعني تحقيق انتصار سياسي وإنساني من دون أن تتخلى أو تتراجع عن أي من مواقفها في الملفات العالقة وموضوع النزاع مع واشنطن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من الحملة الدبلوماسية التي يخوضها وزير الخارجية محمد جواد ظريف لحشد دعم دولي وتشكيل لوبي للضغط على الإدارة الأميركية لرفع العقوبات عن إيران أو على الأقل جزئياً، بما يساعدها في الحصول على جزء من أموالها لمواجهة تداعيات أزمة كورونا، فضلاً عن الحملة الشعبية والمدنية لمثقفين ومفكرين من مختلف أنحاء العالم تطالب برفع العقوبات، فإنه ربما تدفع هذه الآلية في التعامل مع هذه الأزمة والتصلب والتصعيد في المواقف مع واشنطن إلى "تعزيز المخاوف بخطورة التداعيات" التي قد تؤدي إلى تفاقم النقمة الداخلية ضد النظام، بما يساعد على تحويل مساعي اتهام واشنطن وإدانتها بالمسؤولية عن تصاعد الأزمة.

ولن يكون معها كل المسوغات التي قدمت حول تعليق التعاون مع جمعية "أطباء بلا حدود" الفرنسية، وأن الفريق الذي وصل إلى مدينة أصفهان يفتقر إلى الخبرة في التعامل الوباء، ولا يجلب معه المعدات التي تحتاج إليها طهران في هذه المعركة، وأنهم عادوا من إيران تاركين معدات التجسس خلفهم، سوى مزيد من صب الزيت على الأزمة الداخلية.

فضلاً عن أن هذه النقمة ربما تُسهم في التأسيس لحالة من العصيان الشعبي، بغض النظر عن توقيت انفجارها، إن كان قبل انتهاء أزمة انتشار الوباء، واشتداد وتيرة ارتفاع أعداد المصابين وعجز النظام عن استيعاب هذه الأعداد وتقديم العلاج لهم، أو بعد الخروج من هذه الأزمة، وتكشف الحقائق المرة إن كان على مستوى التعامل مع الأزمة أو على مستوى التداعيات والآثار المتعددة لها التي ستضاف إلى عوامل تراكمت جراء الأزمات الاقتصادية والمالية وطرق التعامل مع العقوبات.

ما يعني أن النظام في الحالتين يلعب في المنطقة الخطرة بين التأليب على العدو الأميركي والتأسيس لتحرك داخلي وخلق المسوغات له سيكون أكثر تعقيداً وخطورة من المرات السابقة، خصوصاً أن الخروج من هذه الأزمة لن يكون سهلاً، بل سيترك كثيراً من الجراح العميقة على الأقل في البعد الاجتماعي، ما يسمح بانسحاب تأثيراتها على المستوى السياسي والموقف من النظام، ويفتح الطريق ليس للعودة إلى حركة اعتراضية على خلفية اقتصادية، بل ستكون سياسية بوضوح تهدف لمحاسبة النظام وعجزه عن اجتراح "المعجزات" التي وعد بها في الحرب مع عدوين شرسين الأميركي وكورونا، خصوصاً أن النظام وكغيره من الأنظمة في العالم، لن يكون أكثر صلابة في العبور من الأزمات والتحديات الجدية التي سيواجهها العالم في مرحلة ما بعد هذا الوباء المستجد والتغييرات التي سيحدثها في المنظومات الاقتصادية والمالية والسياسية والاجتماعية.

المزيد من متابعات