Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النفط... حرب أسعار أم أنظمة؟

أفعال الساسة الأميركيين تناقض ما ينادون به

متعاملون في بورصة نيويورك للأوراق المالية (أ.ف.ب)

الخلاف ليس بين قيادات السعودية وروسيا والولايات المتحدة، وليس في موضوع النفط فقط، كما زعمت بعض وسائل الإعلام. الخلاف سببه ظلم بعض الأنظمة! أنظمة نتج عنها خسارة أكثر المنتجين للطاقة كفاءة وأقلها تكلفة، وجني المنتجين الأقل كفاءة والأعلى تكلفة أموالاً طائلة من المستثمرين والإعانات الحكومية، فنتج عن ذلك كل أنواع الهدر للموارد، كما نتج عنه توسّع الهوّة بين المنتجين ذوي الكفاءة العالية والتكاليف المنخفضة، وهذه الأنظمة، فنتج عن ذلك ما نراه اليوم في أسواق النفط.

قد يحتجّ البعض ويقول إنه لا بدّ من فرض الضرائب على المنتجات النفطية ومساعدة مصادر الطاقة المتجددة لأن أسعار السوق لا تحتسب الدمار البيئي الذي يسببه النفط، وبالتالي فإن المساعدات الحكومية تضعهم على قدم المساواة.

ويرد على ذلك بأن المساعدات الحكومية زادت بشكل أدى إلى تنافس الطاقة المتجددة مع نفسها، وأصبحت طاقة الرياح تنافس الطاقة الشمسية، وأصبحت مشاريع الطاقة الشمسية الجديدة تنافس القديمة منها. هذا يعني أن هناك مشكلة كبيرة في هذه الأنظمة لأنها في النتيجة لم تضعهم على قدم المساواة كما يدعون. 

الوضع الحالي المؤلم في أسواق الطاقة بشكل عام، وأسواق النفط بشكل خاص، يمكن أن ينتهي إذا أدرك الساسة الأميركيون وغيرهم في أوروبا وبعض الدول الآسيوية أن الاعتماد المتبادل والترابط في مجال الطاقة يعني بالضرورة تحسن أمن الطاقة للجميع. إن زيادة مصادر الطاقة فوق حد معين وعدم التوزان بين مصادر الطاقة بناء على الفرق بين تكاليفها ومنافعها يجعلها لعبة، محصلتها الصفر، بمعنى أن من يربح يربح على حساب خسارة الآخرين. المطلوب هو أنظمة تضمن أن يربح الجميع، إلا أن التفكير بعقلية الحرب الباردة مع وجود فائض مستمر في مجال الطاقة بسبب الإعانات، يعني معارك مستمرة بين مصادر الطاقة، قد تنتهي بحروب في الأسواق في محاولة للبقاء. ونظراً لارتباط العالم ببعضه، فإن حرباً في أسواق الطاقة ستؤدي إلى انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وزيادة البطالة، وانخفاض الدخول.

بينما يتدافع السياسيون الأميركيون لإنقاذ النفط الصخري في محاولة للحفاظ على مكتسبات ثورة النفط والغاز الصخريين، فعليهم أن يدركوا أن مصالح النفط الصخري والنفط الخليجي واحدة، إذا نظرنا إلى الأخطار التي تهدّد نمو الطلب على النفط، رغم أن تكاليف الصخري أضعاف تكاليف النفط الخليجي. كما أن مصلحة الدول النفطية والولايات الأميركية المنتجة للنفط واحدة: فالكل يريد ضمان نمو الطلب على النفط في المستقبل وتحقيق أسعار وإيرادات تضمن الاستمرار في الاستثمار في الصناعة، وبالتالي فإن ما يهددهم واحد، سواء كان ذلك السيارات الكهربائية، أو ضريبة الكربون، أو أي سياسات تهدف إلى ضرب صناعة النفط من خلال سياسات التغير المناخي. ولكن إذا أصرّ الساسة الأميركيون على النظر للأمور بمنظور الحرب الباردة، فإن الحرب في أسواق الطاقة ستكون عنيفة، وستنتهي بالبقاء للأصلح.

تخبط السياسات الأميركية

بغض النظر عن صحة أو خطأ السياسة النفطية السعودية الحالية، وعما إذا كان هناك ضبابية بين أهداف المدى القصير أو الطويل، وعما إذا كان قرار تخفيض الأسعار الرسمي للنفط السعودي سياسياً أو اقتصادياً، وعما إذا كانت السياسة الحالية استراتيجية جديدة طويلة المدى أم أنها قصيرة المدى لإجبار الروس وغيرهم على تخفيض الإنتاج،  فإن هناك حقيقة تزيد الطين بلة، وتجعل الأمور تتجه نحو الأسوأ: تخبط السياسة الأميركية وعدم قدرة بعض أعضاء مجلس الشيوخ على القيام بمسؤولياتهم كما يجب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فمن وجهة نظر أميركية بحتة، أثبت بعض أعضاء مجلس الشيوخ عدم كفاءتهم عندما أرسلوا رسالة إلى ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، يستجدونه تغيير السياسة النفطية الحالية، وتخفيض الإنتاج.

من وجهة نظر أميركية، هذه الرسالة جعلت أوراق السعودية أكثر أهمية، وإذا كانت كذلك، فلماذا تتخلى السعودية بكل بساطة عن هذه الأوراق التي أصبحت أكثر قيمة من ذي قبل؟ بعبارة أخرى، موقف هؤلاء يجعل السعودية تقتنع بصحة سياستها من جهة، ويجعلها تطلب المزيد من التنازلات من الأطراف الأخرى من جهة أخرى.  

وبعد يومين، أرسل أعضاء مجلس الشيوخ أنفسهم رسالة إلى وزير التجارة الأميركي، ويلبر روس، يطالبونه بالتحقيق في "إغراق" السعودية وروسيا لأسواق النفط الأميركية.

هذا التخبط الكبير في السياسات يفقد هؤلاء الأعضاء مصداقيتهم. كيف تردّ السعودية على هؤلاء بعد أن مدحوها وذموها خلال يومين؟ كيف تتعامل معهم وهم من يريدون التعاون معها وعقابها في الوقت نفسه؟ المشكلة الأكبر أنهم يطالبون وزير التجارة التحقيق في شيء لم يحصل. فانخفاضات الأسعار حصلت ولم يصل بعد أي شحنة إضافية إلى الموانئ الأميركية، لا من السعودية، ولا من روسيا.  فكيف تطبّق قوانين محاربة الإغراق التي تعرف الإغراق بأنه البيع في الولايات المتحدة بسعر أقل من التكلفة في السعودية، أو أقل من السعر في السعودية، أو أقل من السعر العادل، ولم يتم بيع أي شحنات إضافية؟

ولعل أكبر دليل على تخبّط السياسة الأميركية هو التناقض فيها: إذا قامت السعودية بزيادة الإنتاج فإنهم يريدون معاقبتها بتهمة تهديد الأمن القومي، وإذا قامت بتخفيض الإنتاج فلا يعجبهم ويريدون تطبيق قوانين محاربة الاحتكار عليها.

ومن المعروف أن ثورة النفط الصخري غيّرت كل الاتجاهات في مجال الطاقة محلياً وعالمياً، وكان لها آثار اقتصادية ومالية جيدة على الولايات المتحدة، إلا أنها أنتجت مشكلة جديدة وهي تراخي صناع القرار في تبني سياسات وقوانين تضمن تحسن أمن الطاقة الأميركي والعالمي. فبدلا عن التركيز على موضوع زيادة الإمدادات وتنويعها وتخفيض الذبذبة في الأسعار، وتبني سياسات تضمن استمرارية الإمدادات بأقل تكاليف ممكنة وأنسب للبيئة، قاموا بالتفاخر بالهيمنة الأميركية في مجال الطاقة، ونادوا بـ"استقلال الطاقة". بعبارة أخرى، بدؤوا بتحدي المنتجين كافة، من دون وجود أي أرضية قوية! فماذا كانت نتيجة هذا التحدي؟ قرار واحد من دولة عربية واحدة بتخفيض أسعار نفطها، عصف، في يوم واحد، بكل سياساتهم التي تبنوها في السنوات العشر الماضية، وكشف المبالغات في النفط الصخري، والطاقة المتجددة، والسيارات الكهربائية.  

ومن الواضح أن أفعال وأقوال الساسة الأميركيين تناقض ما ينادون به، وكل ما يريدون بقية العالم أن يقوموا به. فهم يطالبون بحرية الأسواق ويبشّرون بها، ويطالبون الدول الأخرى بتطبيقها، ولكن عندما يتعلق الأمر بمصالحهم، فإنهم يرمون بـ"حرية الأسواق" عرض الحائط، ويقومون بتقديم الإعانات والإعفاءات الضريبية بما يتناسب مع أهوائهم من مصادر الطاقة المحلية، بغض النظر عن جدواها وكفاءتها ومستقبلها. كما يقومون بمنع تصدير أو استيراد مواد معينة، أو يفرضون حظراً وعقوبات اقتصادية هنا وهناك، وكل هذا يتناقض مع ادّعائهم "حرية الأسواق".

خلاصة الأمر، ما نراه في أسواق النفط أعمق من خلاف سعودي- روسي، وأكبر من أن يحلّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب أو أي سيناتور أميركي. الأمر مرتبط بأنظمة متجذّرة تعتبر الإعانات لمنتجي الطاقة الأقل كفاءة والأعلى تكلفة حقاً سيادياً، رغم كل الهدر في الأموال والموارد الطبيعية.

المزيد من آراء