Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد إحباط تهريب أسلحة إلى إثيوبيا... تركيا توسع نفوذها في القرن الأفريقي

باحثون: أنقرة تزاحم أديس أبابا في السيطرة على ميناء جيبوتي... وتعتبر الصومال بوابة هيمنة منطقة "البحر الأحمر"

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان  (أ.ف.ب)

أثار إعلان المخابرات الإثيوبية عن إحباط العملية "الأخطر والأكبر من نوعها" لتهريب شحنات من الأسلحة التركية إلى البلاد، تساؤلات عدد من المراقبين حول أسباب استهداف الأسلحة التركية لإثيوبيا، تحديداً في ضوء ضبط عدة عمليات تهريب سابقة، دفعت أديس أبابا إلى مطالبة تركيا بوقف عمليات تهريب الأسلحة إليها، لتمتد التساؤلات إلى طبيعة دور أنقرة في القارة الأفريقية، خاصة في منطقة القرن الأفريقي التي تعيش حالياً خطوات مصالحة تاريخية بين بلدانها المتصارعة، وفي الوقت نفسه تشهد القارة ما يمكن اعتباره "تمدداً" تركياً، سياسياً وعسكرياً، خاصة بعد إنشاء القاعدة العسكرية التركية في الصومال، الذي ظل منذ عقود غريماً تقليدياً لإثيوبيا الجارة.

تركيا متهمة بتهريب السلاح لإثيوبيا

وأعلن جهاز المخابرات والأمن الوطني الإثيوبي، عن إحباط أخطر محاولة لتهريب آلاف من قطع السلاح التركية التي خططت لها شبكات تهريب دولية "لإثارة الاضطرابات في البلاد"، موضحاً، أن الأسلحة النارية غير القانونية تم شحنها على حاويتين من ميناء مرسين في تركيا إلى ميناء جيبوتي، ليتم إحباطهما بعد دخولها البلاد عقب أن تم إخفاؤها بالميناء الجيبوتي لمدة خمسة أشهر للتمويه، بحسب بيان للجهاز نشرته وسائل إعلام محلية يوم الأربعاء.

ولم تتهم إثيوبيا الحكومة التركية صراحة بالوقوف وراء عملية التهريب على الرغم من مطالبتها في أوقات سابقة لأنقرة "بوقف تهريب الأسلحة تركية الصنع إليها"، لكن الجهاز أعلن وجود اتصالات مع نظيره التركي حول القضية والمشتبه في تورطهم بعد تحديد هوية عدد منهم، بالإضافة إلى التعاون بين وكالات الاستخبارات في جيبوتي والسودان وليبيا والولايات المتحدة "من أجل تكثيف ملاحقتها لأعضاء تلك الشبكة العالمية لتهريب الأسلحة الذين لا يزالون طلقاء".

وبدوره، قال المتخصص في الشأن السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم لـ"اندبندنت عربية"، إن تهريب الأسلحة التركية إلى إثيوبيا لم يكن جديداً، فمنذ عام 2018 بدأت عمليات التهريب تدخل البلاد من مختلف المواقع الحدودية، بينها مرات كثيرة كان عبر الحدود (السودانية – الإثيوبية)، ومرات أخرى من خلال جنوب السودان، ثم عبر الحدود الشرقية من الصومال، وتم ضبط شحنات عديدة من الأسلحة المصنعة في تركيا.

وأوضح أنه على الرغم من أنه لم يثبت أن هناك أيادي تركية أو تحريض من أنقرة خلف عمليات التهريب، فإن شحنة الأسلحة الأخيرة التي تم اعتراضها في حاويات، ومخبأة وسط أجهزة إلكترونية، تم نقلها مباشرة من الموانئ التركية إلى جيبوتي، "لكن اللافت أن جهاز الأمن ذكر أنه تابع تنقل الحاويات من تركيا إلى جيبوتي حيث مكثت هناك لمدة 5 أشهر، وحتى الآن لم يصدر بيان بأن هناك أيادي للحكومة التركية للتورط في الأحداث بإثيوبيا، ولكن قد يكون خلف هذه العمليات جهاتٌ أو شركاتٌ أو مهربون دوليون، أو قد تكون هناك صفقات تتعلق ببعض السياسيين في البلاد، أو ببعض الجماعات والعناصر المسلحة، لأنه لم يصدر بيان بعد يتهم تركيا كدولة وحكومة أو أي دولة أخرى، ولكن هذه ليست المرة الأولى التي تصل فيها الأسلحة التركية إلى إثيوبيا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجرى خلال محاولة التهريب الأخيرة مصادرة نحو 501 صندوق أسلحة، وبلغ عدد الأسلحة المهربة التي تم ضبطها داخل حاويتين أكثر من 18 ألف قطعة مسدس تركي الصنع، كانت مخبأة داخل 229 صندوق للأجهزة الإلكترونية حتى لا يتم اكتشافها، وتقدر قيمتها بنحو نصف مليار بر إثيوبي (نحو 31 مليون دولار أميركي).

وسبق أن أعلنت المخابرات الإثيوبية، العام الماضي عن اتصالات تجريها مع تركيا، للمطالبة بوقف تهريب أسلحتها إلى داخل البلاد، نتيجة تزايد عمليات تهريب الأسلحة التركية في الفترة الأخيرة، حيث شهد عام 2018 وحده اعتراض 3 شحنات ضخمة لأسلحة وذخائر تركية، بالإضافة إلى عدة محاولات تهريب لكميات أخرى محدودة على مدار العامين الماضيين.

وأجاز مجلس الوزراء الإثيوبي مشروع قانون، في أبريل (نيسان) الماضي، يفرض عقوبة صارمة على المتورطين في تجارة الأسلحة غير المشروعة، وخاصة التركية، وذكرت السلطات الإثيوبية حينها أن "آلاف الأسلحة المهربة تركية الصنع تم اعتراضها خلال عمليات تهريب كبيرة تتم عبر الحدود"، وينص القانون على عقوبات رادعة لكل من يثبت تورطه في شراء وبيع وتجارة وتخزين الأسلحة بصورة غير مشروعة.

لماذا إثيوبيا؟

وذكر بيان المخابرات الإثيوبية اعتقال 24 من المشتبه فيهم كانوا بصدد "تسلم هذه الأسلحة وتوزيعها في مختلف أقاليم البلاد بهدف تأجيج الصراعات في أنحاء مختلفة". وأوضح أنور إبراهيم، إن الحكومة الإثيوبية أوضحت أكثر من مرة المخططات وراء عمليات تهريب الأسلحة التركية، حيث يسعى المهربون لإدخال الأسلحة لزعزعة أمن البلاد، و"لكن من خلف هذه العمليات؟ لم تذكر تفصيلاً ولم تذكر جهات بعينها، ولكنها ترتبط بتنظيمات وشبكات تهريب وخلال الأيام المقبلة ينتظر الكشف عمّن يقف خلفها من تنظيمات أو دول وحكومات وبعض الجماعات الأخرى"، حيث أعلنت السلطات الإثيوبية التعاون في التحقيقات مع عدة دول، بينها تركيا والولايات المتحدة.

ولفت إبراهيم إلى أن بلاده تعرضت خلال الفترة الأخيرة للعديد من الصراعات، بعضها قبلية وأخرى بين مختلف الطوائف السياسية والحكومة وبعض الأحزاب، "وقد يكون هذا الاستهداف يتمثل في أن بعض الأحزاب تحاول أن تؤمِّن مواقفها، خاصة الجماعات المسلحة بالأطراف، وكان قد عثر على كميات من الأسلحة خلال عمليات التفتيش والمداهمة في فترات سابقة وكمية كبيرة من الأسلحة المهربة عن طريق الحدود السودانية والصومالية والإريترية وحدود جنوب السودان، وكان أغلبها تركية الصنع حسبما تعلن الحكومة، لكنها لم تحدد من خلفها، وكان يُقال أن وراءها شبكات مهربين، لكن تزايدت هذه العمليات. والعملية الأخيرة كانت كبيرة جداً في مجملها، ومن المتوقع الإفصاح عن بعض التفاصيل الإضافية فيما يخص هذه العملية التي تمت متابعتها من الموانئ التركية وصولاً إلى جيبوتي والأراضي الإثيوبية".

وتعرضت إثيوبيا خلال الشهور الماضية إلى احتجاجات عنيفة وأعمال عنف ذات صبغة عرقية، كان أشدها احتجاجات قومية الأورومو في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، التي قتل خلالها 78 شخصاً، فيما تعرض مسؤول أمني في إقليم أوروميا لعملية اغتيال الشهر الماضي. وتأتي هذه العملية الأمنية قبل أشهر قليلة من الانتخابات الإثيوبية الأولى التي تجرى في ظل حكومة رئيس الوزراء الحاصل على جائزة نوبل للسلام آبي أحمد، الذي تعرض خلال عامين في المنصب لثلاث محاولات انقلابية فاشلة كانت الأخيرة في يونيو (حزيران) الماضي، وذلك بعد عام من تعرضه لمحاولة اغتيال عقب شهور قليلة من توليه السلطة في مارس (آذار) 2018.

 

 

من جانبه، اعتبر محمد عز الدين، رئيس مؤسسة النيل للدراسات الأفريقية والاستراتيجية، أن استهداف تركيا لإثيوبيا ليس أمراً مستغرباً على الرغم من عدم ظهور توتر علني بين الجانبين، مشيراً إلى أن الدافع الرئيس وراء ذلك هو الهيمنة التركية على الصومال، الذي ظل لعقود بمثابة الحديقة الخلفية لإثيوبيا وبوابتها إلى الأسواق الدولية لكونه دولة غير ساحلية (حبيسة)، حيث تصطدم الطموحات الإثيوبية في الصومال بالوجود التركي المهيمن، خاصة بعد إنشاء القاعدة العسكرية التركية في الصومال عام 2017، ودخول تركيا في "حرب الموانئ" في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، حيث تدعم إثيوبيا حكومة إقليم أرض الصومال للحصول على تسهيلات في الموانئ، في حين أن تركيا معروفة بتحالفها مع الحكومة المركزية الصومالية في صراعها مع أرض الصومال (صوماليلاند) الإقليم المنفصل من جانب واحد دون اعتراف دولي منذ 1991.

وقال عز الدين، في تصريح خاص، إن التشابك القبلي والصراع السياسي والحدودي والعرقي بين إثيوبيا والصومال يدفع نظام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى استغلال هذه التناقضات لتعزيز "تمدده" في تلك المنطقة الاستراتيجية، مشيراً إلى أن التحرك التركي يعتمد على عدة أدوات أبرزها دعم القومية الصومالية في إثيوبيا، أو إقليم الصومال الإثيوبي أو إقليم "أوغادين" ذي الأغلبية الصومالية، الذي احتلته إثيوبيا ثم أعلنت سيادتها عليه فور استقلال الصومال عام 1960، قبل أن تجتاح الحدود وتسيطر على مناطق أخرى خلال الحرب في الصومال بين عامي 2006 و2009.

وقال جهاز المخابرات الإثيوبي إنه تم التعرف على سبعة أجانب حتى الآن، لكن اثنين فقط من المشتبه فيهم سودانيان ومحتجزان لدى الشرطة بعد التعاون مع المخابرات السودانية، مؤكداً أن السعي وراء باقي المشتبه فيهم لا يزال مستمراً بعد بدء خطوات التعاون مع أجهزة المخابرات في عدة بلدان. وأكد البيان إلى أنه يرصد جميع التحركات لشبكات تهريب الأسلحة الدولية من خلال التعاون مع نظرائه من وكالات الأمن والمخابرات في جيبوتي والسودان وليبيا والولايات المتحدة.

وعلى الرغم من عدم تعليق السودان على الاشتباه في تورط مواطنيه بعملية التهريب، فقد تزامن الكشف عن العملية مع زيارة وفد عسكري إثيوبي إلى السودان بقيادة الجنرال برهانو جولان نائب رئيس الأركان الإثيوبي، الذي أكد خلال لقائه الفريق أول ركن جمال الدين عمر وزير الدفاع السوداني يوم الخميس، أنه "لا بد من العمل المشترك لسد الثغرات الأمنية ضد أعداء الاستقرار بالمنطقة ومنع تسللهم"، فيما دعا عمر، إلى "تأمين الحدود بالقوات المشتركة ضد الجرائم العابرة وإرساء الأمن والاستقرار بتبادل المعلومات الأمنية"، مؤكداً أهمية علاقات وتنسيق مشترك على كافة المستويات في مجال التعاون العسكري لضمان الاستقرار والأمن ولمكافحة الإرهاب والوقوف ضد المهددات الماثلة، حسبما ذكرت وزارة الدفاع السودانية.

 

 

تركيا تزاحم إثيوبيا في القرن الأفريقي

وتسعى إثيوبيا إلى الحصول على حصة في ميناء جيبوتي، ثاني أكبر موانئ القرن الأفريقي، خاصة بعد زيارة آبي أحمد إلى جيبوتي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وهو الميناء الذي تصل من خلاله معظم تجارة إثيوبيا مع العالم، وهو نفسه ما تسعى تركيا إلى السيطرة عليه واحتكار إدارته، من خلال إحدى الشركات المقربة من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، حيث كشف تقرير لموقع "نورديك مونيتور" الاستقصائي السويدي قبل أيام، عن سعي "مجموعة البيرق" التركية - المعروفة بعلاقات وثيقة مع حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم، التي تدير ميناء مقديشو في الصومال - إلى تولي إدارة ميناء جيبوتي الاستراتيجي في مدخل البحر الأحمر بعد توقيع اتفاق التعاون البحري بين تركيا والصومال، الذي صادق عليه البرلمان التركي الشهر الماضي، وهو ما يتيح تحويل استغلاله إلى قاعدة بحرية عسكرية، توفر لأنقرة موطئ قدم جديدة على البحر الأحمر".

وقال خالد محمد أيجيح، المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، إن أردوغان يعتبر سيطرته على الصومال بوابة للهيمنة الكاملة على القرن الأفريقي برمته ومنطقة البحر الأحمر، مؤكداً أن الهدف وراء ذلك تعزيز التوغل التركي في أفريقيا والوجود العسكري لممارسة "أطماع توسعية"، كشف عنها الرئيس التركي بالفعل وحددها وهي السيطرة على الموانئ والموارد النفطية ونشر الوجود العسكري التركي بإقامة قواعد عسكرية وبحرية في هذه المنطقة، فضلاً عن اللعب على التناقضات في منطقة القرن الأفريقي عبر دعم جماعات بعينها سواء من خلال السلاح أو عبر عمليات استخباراتية بغطاء المساعدات الإنسانية والإغاثية.

وأضاف، "هذه الأطماع لم يعد يخفيها الرئيس التركي، ووصلت إلى حد زعم أن الصومال منحه ترخيصاً بالتنقيب عن الغاز والبترول في السواحل الصومالية، وهي نفس سياسته في شرق المتوسط"، مؤكداً "أن السياسة التركية في ظل نظام العدالة والتنمية تستهدف ليس فقط الهيمنة على القرن الأفريقي، ولكن أيضاً مواصلة سياستها في استهداف ومحاولة تطويق الأمن القومي العربي من خاصرته الجنوبية".

ويرى رئيس مؤسسة النيل للدراسات الأفريقية والاستراتيجية محمد عز الدين، إن السياسة التركية تقوم على "عسكرة التفاعلات" في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، منذ إنشاء القاعدة العسكرية في الصومال حيث لم تتجاوز حجم العلاقات التجارية بين تركيا والصومال بضعة ملايين من الدولارات، ومع ذلك أنشأت أكبر قاعدة عسكرية لها في الخارج في مقديشو، وسعت لإنشاء قاعدة عسكرية على البحر الأحمر في السودان خلال السنوات الأخيرة لحكم الرئيس السوداني المعزول عمر البشير الذي حاولت في عهده السيطرة على جزيرة سواكن.

المزيد من دوليات