Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كورونا في فلسفة "الخوف"

في كل مفصل تاريخي مأسوي كانت الكتابة ترافق ذلك بإعادة النظر في شكلها وفي أسئلتها

في كل منعطف تاريخي يلبس "الخوف" الإنساني لبوساً جديداً (بيكسباي)

الأسئلة الكبرى والجديدة في الفلسفة والآداب والفنون والطب، تطرح بعد المحن الكبرى التي يعبرها الإنسان، محن الخراب والموت والدمار والخوف والألم.  

وفي جوهر تلك الأسئلة الكبرى كانت فكرتا "الموت" و"الخوف" من الأسئلة الكبرى التي صاحبت الإنسان في رحلته التاريخية، رحلة قائمة بين البناء والهدم وإعادة البناء.

وفي كل منعطف حاد كبير تتأسس مقولات جديدة، تتأسس جماليات وسرديات جديدة، وتتأسس بلدان، وتُمحى بلدان وجغرافيات وتختفي لغات وتنكمش ديانات وتتوسع أخرى.

في كل محنة تاريخية كبرى، يتوجه الإنسان بخطابه العاقل أو الروحاني إلى أمرين أساسيين:

الأمر الأول هو السماء (الدين والقوى الغيبية)، حيث على الرغم من كل الممتلكات العلمية والعقلية التي اكتسبها الإنسان إلا أن السماء تظل حاضرة في وعيه لاوعيه على حد سواء، وهو ما يسمى ب "الدعاء"،

والأمر الثاني هو: العلم (البحوث والمخابر)، وهو ما نسميه بمعركة العقل في اكتشاف الغموض الذي يحيط بحياتنا، ومن هذين الأمرين تتولد القوة، أو الطاقة التي تعيد إنتاج الحياة، بعد كل محنة كبرى، وعبر هذين الأمرين، ومن خلالهما، يريد الإنسان، وهو في لحظة صراع ضد وحشية نفسه (وحشية الإنسان المتوحش) أو ضد الطبيعة (توحش الطبيعة)، التغلب على فكرة "الخوف" ومواجهتها.

منذ الأزل، كل تفكير الإنسان هو لردع فكرة "الخوف"، الخوف الذي يسكنه حيال حالات "اللافهم" و"العجز" المادي أو المعنوي للعالم الغامض، وفكرة "ردع الخوف" هي عملية بحث عن "الاطمئنان"، أي الاستمتاع بـ "شهوة الحياة" من دون التفكير في "خطر الموت"!  

في كل منعطف تاريخي يلبس "الخوف" الإنساني لبوساً جديداً بحسب المحيط الاجتماعي والسياسي والطبي والاقتصادي والطبيعي، لذا تظل مقاومة "الخوف" هي هاجس الإنسان، كلما أراد مطاردته، عاد إليه في هيئة أخرى. فالإنسان كثيراً ما يصنع الخوف ثم يحاربه، كلما اعتقد الإنسان أن سقف بيته أصبح يحميه، اكتشف بأن شيئاً آخر يهدد الأرضية التي يقوم عليها البيت برمته ومن أساساته، كلما اعتقد بأن سلاحاً جديداً يحميه اكتشف أن هناك سلاحاً أشرس منه في يد خصمه. كلما اعتقد أن دواء أوقف هذا المرض نهائياً، ظهر وباء آخر يهدد انتصاره وفرحته. كلما اعتقد بأنه اكتشف شيئاً فاجأته الطبيعة بشيء أفدح، فالحرب مفتوحة من كل الجهات وعلى كل الجبهات، والموت في كل ركن، لذا فالخوف قائم، والبحث عن مقاومة الخوف قائمة، وصناعة "الخوف" قائمة أيضاً.

وتختلف فكرة "الخوف" من الموت ومن الفناء بحسب مصدرها:   

فكرة الخوف من الحروب: الحروب قتلت ولا تزال تقتل، أثارت الخوف والهلع ولا تزال تزرعها شرقاً وغرباً جنوباً وشمالاً، الحروب الكلاسيكية، حروب الفروسية بالسيف، وحروب البارود وحروب الرصاص والحروب التكنولوجية الجراحية كما يقال!

كل هذه الحروب زرعت الخوف، خوف الكبار والصغار والنساء والرجال، خوف الحروب عرفه وجربه الإنسان في كل القارات، وكانت عِبر التاريخ هي الأكثر شراسة في الفتك بالإنسانية وبالإنسان.

خوف المجاعات: هي حرب أخرى قتلت الملايين، وروّعت الملايين، من مجاعات خلدتها نصوص دينية أو أدبية أو تاريخية قديمة، إلى أخرى كابدها الإنسان في القرن التاسع عشر والعشرين، حرب دفعت بالإنسان إلى أكل كل أنواع الحيوانات والحشرات والدود وجذور النباتات، وأكل جثث بعضهم البعض، حدث هذا في كل مكان في إفريقيا وفي آسيا وفي أوروبا وفي أميركا، لكن هذا الخوف كان في غالب الأحيان موسمياً وعابراً.

الخوف من الكوارث الطبيعية الشرسة، وتذكرنا الكتب المقدسة من التوراة مروراً بالإنجيل والقرآن بكوارث طبيعية مهولة كما هي في قصة نوح، وقصة لوط. وقبلها تذكرنا ملحمة جلجامش بالطوفان، واليوم لا تزال صور التسونامي المرعبة حاضرة في أذهاننا، ولا تزال الطبيعة تفاجئنا بغضبها في كل لحظة، وأعتقد أن "الخلل الإيكولوجي" وارتفاع حرارة الأرض وما ينتج عنه من ذوبان الجليد في القطبين، سيكون كارثة أخرى وبخوف آخر.

الخوف من التكنولوجيا المتوحشة، وتضم ما يسمى بالحرب البكتيرية القادرة على مسح "الحياة" من على وجه الأرض. فالإنسان المعاصر أصبح يخترع أشياء تصبح في لحظات معينة أكثر منه ذكاء، فلا يستطيع التحكم فيها، ولذا يدعو فلاسفة الأخلاق إلى "أخلاق للتكنولوجيا" التي هي الطريق الوحيد لتخليصها من "التوحش" الذي ستكون نهاية الحياة على يديه.

اليوم، والإنسان أمام "هلع" وباء فيروس-كورونا، كوفيد 19، يشعر بـ"خوف" جديد، يختلف عن "خوف" الحروب و"خوف" المجاعات و"خوف" الكوارث الطبيعية، إنه خوف من "توحش" الإنسان نفسه، خوف من "عقل" الإنسان المتوحش، إنها "الوحشية" المعاصرة.

في كل مفصل تاريخي مأسوي كانت الكتابة ترافق ذلك بإعادة النظر في شكلها وفي أسئلتها. في مواجهة "فلسفة الخوف"، طرح الأدب والفلسفة والسينما والعلم أسئلة جديدة عقب الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وطرحت أسئلة أخرى بعد وصول الإنسان إلى سطح القمر، وأخرى بعد زرع أول قلب صناعي للإنسان. واليوم وأمام فيروس كورونا، كوفيد 19، وفي ظل هذا الحجْر الذي يدخله الإنسان وهو في ذلك يشبه "الفأر" المروع في جُحره المظلم، فإن الإنسان سيطرح أسئلة جديدة في الفلسفة والطب والآداب والشعر. ستدخل الكتابة، كما السينما والطب، منطقة جديدة لمساءلة الطبيعة والعالم والحياة؟

أمام وباء فيروس كورونا، كوفيد 19، يأخذ الخوف شكلاً آخر، لأن الصور المجسدة له تتجلى في الشوارع والساحات الفارغة المخيفة في كبريات المدن، والتي كانت بالأمس ضجيجاً وهرجاً وصخباً، تتجلى في صور أماكن العبادة التي لطالما كانت "بيوتاً" للآلهة، إليها يلتجئ المؤمن هرباً من "الخوف"، فإذا هي مغلقة، خالية، مهجورة، وقد كانت بالأمس دعاءً وصلوات وطوافاً وبخوراً وأنواراً، وهذه الصور لا تتوقف عن شاشاتنا، وتصلنا على "المباشر"، إنه "الخوف" على "المباشر"، فيلم "رعب" حيث الواقع أكبر من الخيال.   

أمام كورونا التي تعد منعطفاً خطيراً على وجود "الحياة" على كوكب الأرض، فمؤكد أن أسئلة جديدة ستطرح غداً أمام الفيلسوف والأديب والفنان، وأنها ستكون ظلاً على الإبداع في العشر سنوات القادمة، تفتح "الأمل" وتسائل "الخوف" مرة أخرى، بحثاً دائماً عن "طمأنينة" مفقودة، وسعياً الى خلود محلوم أو موهوم.

المزيد من آراء