Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كورونا" يستعيد تاريخ الهزات الاقتصادية في العالم

شهد العالم خلال 90 سنة الماضية أزمات اقتصادية كبرى غيّرت خريطة المستقبل

خلال 90 عاماً ماضية، شهد العالم سبعاً من الأزمات الاقتصادية ومراحل من الكساد والانكماش الاقتصادي، منها ثلاث غيّرت العالم وأطاحت دولاً وبدّلت موازين القوى العالمية، وخلقت كيانات سياسية واقتصادية جديدة.

ومع كل أزمة عاشها العالم كانت هناك بوادر وتداعيات، وأيضاً مسببات تختلف عن الأخرى، ولكن اليوم يعيش العالم بوادر أزمة اقتصادية كبيرة، لها تداعيات عدة وفي اتجاهات متعددة، منها ما يتشابه مع مسببات أزمات اقتصادية عالمية سابقة، ومنها ما هو مستجد "فيروس كورونا"، لذا يمكن القول إن ما تمر به الدول اليوم من تحديات اقتصادية يعد جديداً وعميقاً في الوقت ذاته، لا سيما أن انتشار فيروس كورونا يكبّد العالم خسائر بالمليارات تتزايد يوماً بعد آخر وفي قطاعات اقتصادية متعددة، كما أن أزمة "أوبك +" تعد عاملاً لتفاقم الأزمة الاقتصادية المتوقعة خلال الشهور المقبلة، لأن الحديث اليوم عن وجود أزمة سابق لأوانه لعدم وضوح الرؤية للمستقبل، فالضبابية هي السائدة، فلا أحد يعلم متى سينتهي كابوس كورونا في ظل غياب العلاجات وعدم التوصل بعد إلى مصل مضاد، ولا أحد يعلم هل أزمة "أوبك +" ستقف عند هذا الحد من انهيار أسعار النفط أم أنها ستهوي بالسعر كما حدث في ثمانينيات القرن العشرين.

 

أغسطس موعد التقييم

من الصعب حالياً تحديد تبعات وتداعيات تفشي فيروس كورونا على اقتصاديات العالم، وبحسب المحللين فإن الأزمة لا تزال في بداياتها، خصوصاً أن تسجيل حالات إصابة جديدة بالمرض يتزايد يوماً بعد يوم.

ويقول المحلل الاقتصادي، جمال بنون، لـ"اندبندنت عربية"، إن "الأزمة الاقتصادية الحالية عميقة ولا أحد يعرف متى ستستقر، بالتالي لا أحد يستطيع توقع ماذا سيحدث مستقبلاً، لا سيّما في الجانب الاقتصادي، إذ إن الأمر مرهون بالتوصّل للقاح يوقف انتشار الفيروس في العالم".

وأوضح بنون أن ما تشهده اقتصاديات العالم من تدهور، لا سيما في البورصات العالمية، والتي تدهورت بشكل مستمر على الرغم من دعم الحكومات لها، يعود إلى ضبابية المستقبل، وهذا يذكّرنا بأزمة الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي، والتي تعدّ من أكبر الهزّات الاقتصادية العالمية في التاريخ الحديث، والتي ظهرت تبعاتها في السنوات اللاحقة لانهيار بورصة وول ستريت في عام 1929".

في حين يرى المحلل الاقتصادي، محمد الصبان، أن "تبعات أزمة كورونا لن تظهر في القريب"، متوقعاً أن تكون أشد من أزمة 2008 وشبيهة بأزمة 1931، مضيفاً "يمكن القول إن الفرق بين أزمة الكساد العظيم في القرن الماضي والأزمة الحالية هو استعداد الحكومات، والتي تقدّم الدعم المالي من خلال بنوكها المركزية وتوفّر السيولة وتعالج أوجه الخلل في أنظمتها المالية بهدف احتوائها وعدم تفاقهما، كما حدث في الأزمات الماضية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أزمة مركبّة

يؤكد الصبان أن الأزمة الحالية مختلفة في جميع معطياتها، واصفاً إياها بالأزمة المركبّة، ويضيف "نشهد اليوم أزمتين اقتصاديتين، إحداهما تتعلق بانتشار فيروس كورونا وتداعياته على الاقتصاد العالمي، والأخرى تتعلق بأزمة أسعار النفط بين دول الأوبك وروسيا".

ويلفت إلى أن فشل التوصل لاتفاق في اجتماعات فينيا لمنظمة "أوبك+" مطلع الشهر الحالي، وما تلاه من إغراق للسوق النفطي يشير إلى أننا في بداية أزمة اقتصادية كبيرة لا نعلم مداها، خصوصاً أن مدى انخفاض أسعار النفط غير محدد لليوم".

وفي ظل غياب المعلومة يصعب التكهن بطبيعة الأضرار على الاقتصاد العالمي في ظل ارتفاع مؤشرات الخسائر والانكماش الاقتصادي، والذي يقود العالم إلى مرحلة ركود أو كساد.

ويتوقع الصبان أن تؤدي الآثار والمؤشرات السلبية الحالية إلى المزيد من المعاناة الاقتصادية في الوقت الراهن، ولكن يمكن أن تكون الصورة أكثر وضوحاً في أغسطس (آب) المقبل، بحسب تصريحات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، منوهاً بأن صندوق النقد الدولي سيلعب دوراً مهماً في التصدى للأزمة الحالية، لا سيّما بعد إعلانه اعتماد تريليون دولار لمواجهة تداعيات "فيروس كورونا" على الاقتصاد العالمي.

 

الكساد العظيم

وبالعودة للوراء، شهد العالم الحديث أقوى الهزات الاقتصادية خلال عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، أو ما يعرف بـ"الكساد العظيم"، والذي سيطر على العالم في عام 1929، عندما انهارت بورصة "وول ستريت" بنيويورك، على خلفية دخول الآلات في قطاعات هامة في الاقتصاد الأميركي، إضافة إلى عودة دول أوروبا للعمل الصناعي والإنتاج بعد توقفها خلال فترة الحرب العالمية الأولى واعتمادها كلياً على الاستيراد من أميركا، وأصبح الإنتاج أكبر من الاحتياج،  فأصبح العرض أكثر من الطلب في الكثير من المنتجات، فاضطرت الشركات والتجار إلى طرح تخفيضات وعروض "اشترِ واحدة واحصل على الأخرى مجاناً". ولم يتخلّص العالم من تلك الأزمة إلا بعد مرور 10 سنوات، وتحديداً في عام 1939، في حين يرى بعض المراقبين والمؤرخين أن الأزمة تلاشت في أربعينيات القرن العشرين.

 

 

اختفاء الاتحاد السوفياتي

وعلى الرغم من قسوة أزمة "الكساد العظيم"، فإن العالم شهد أزمات اقتصادية أخرى مع ظهور النازية في ألمانيا وما تبعها من نشوب الحرب العالمية الثانية وتبعاتها على الاقتصاد العالمي، ولكن في ثمانينيات القرن الماضي حدثت أزمة اقتصادية من نوع آخر، وهي أزمة النفط عام 1986، والتي كانت سبباً رئيساً في انهيار ثاني أكبر القوى العظمي في العالم، وهي "الاتحاد السوفياتي"، وبدأت مع بداية الثورة الإيرانية عام 1979، عندما أعلن الخميني إيقاف تصدير النفط وارتفعت أسعار البترول عالمياً خلال مطلع ثمانينيات القرن العشرين، ولكن التبعات الاقتصادية للأزمة كانت مختلفة، فبعد أن حققت الدول المنتجة للنفط مكاسب جرّاء ارتفاع الأسعار، بدأت المطالبات العالمية برفع معدلات الإنتاج ودخلت دول الأوبك مع الاتحاد السوفياتي في سباق لرفع معدلاته، مما أدى إلى إغراق الأسواق العالمية بالنفط وتدهور أسعاره من 37 دولاراً للبرميل إلى 10 دولارات، وكان الاتحاد السوفياتي الأكثر تضرراً، ويمكن القول إن التخمة النفطية في الأسواق العالمية أدخلت الاتحاد السوفياتي في أزمة اقتصادية حادة، والتي أصبحت كارثة تهدّد كيانه السياسي في بداية الستعينيات، ولم يستطع الصمود طويلاً أمامها، ففي ديسمبر (كانون الأول) عام 1991 أعلن آخر رؤساء الاتحاد السوفياتي "غورباتشوف" عبر التلفاز حل الاتحاد واختفاء ثاني قوة عظمى في العالم.

آخر الأزمة شراسة

وفي القرن الحادي والعشرين، شهد العالم أزمة اقتصادية عالمية، ولكنها أقل خسائر من سابقاتها، وذلك عندما انهارت بورصة "وول ستريت" عام 2008، مما تسبب في أزمة اقتصادية عالمية، ولكن هذه المرة كانت ناتجة من الرهن العقاري ورفض الكونغرس مشروع قانون إنقاذ البنوك الأميركية.

ويقول المحلل الاقتصادي جمال بنون إنه "من الصعب ربط وقائع هبوط سوق وول ستريت الخميس الماضي وبين الاثنين الأسود الذي حدث في 2008، فالظروف تختلف عما كانت عليه في السابق وما تمرّ به حالياً".

وأضاف "الذي يحدث الآن أن نحو 500 شركة كبرى في البورصة تعرضت لهزة عنيفة جرّاء الآثار المترتبة من فيروس كورونا، وخسرت سوق الأسهم 20 في المئة من قيمتها".

واستطرد بالقول "كما لا يمكن الربط بين ما يحدث حالياً بأزمة الكساد العظيم في عشرينيات القرن الماضي، لا سيما أن هناك اختلافاً في الظروف الاقتصادية، ففي ذلك الوقت كان العرض أكثر من الطلب، فضلاً عن تحوّل الكثير من المستثمرين إلى ضخّ أموال في السوق من أجل رفع قيمة السهم، ووصلت قيمها إلى أسعار خياليّة، ما أدى إلى انهيار السوق".

 

"كورونا" حالة استثنائية

وأكد بنون أن حالة كورونا استثنائية، فهي حدث عالمي يمر به كل الدول من دون استثناء، وجميعها وضعت حلولاً لمعالجة الأزمة وضبط الانهيار، وقال "حينما تغلق سوق وول ستريت، فهي تريد أن تضبط السوق من خسائر قد تضرّ بالمتعاملين، بخاصة أن المرحلة المقبلة تقريباً، نحو 6 أشهر، هي فترة ركود تامّ في جميع الأسواق، ومثلما رأت أسواق الإمارات والكويت إغلاق سوق الأسهم، فإن خطوة وول ستريت تعني استراحة لالتقاط الأنفاس لترتيب أوضاعها ومعرفة اتجاه السوق، ومن النتائج المطمئنة أن لقاح كورونا دخل مرحلة التجارب، وفي أول أبريل (نيسان) المقبل في حال نجاحه سيدخل العلاج الفعلي ما يبعث بالطمأنية واستعادة سلامة السوق".

بقي القول إن الأزمة التي حدثت في عشرينيات القرن الماضي غير حاضرة في أزمة كورونا، بالتأكيد أثرت قطاعات السياحة والسفر والفندقة وبقية الخدمات كثيراً على نشاط سوق الأسهم، لكن إدارتها، وبخاصة في أسواق المال، تحتاج إلى طمأنة وليس بث الخوف والهلع.