Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحركة الإسلامية السودانية... العنف السياسي وقرابين السلطة

كثيرٌ من ظواهر التعصب هي من جراء القهر السياسي والقمع الذي مارسته حكومة الإنقاذ

أفضى الكبت السياسي والاعتقال والاغتيالات في السودان إلى عنفٍ وتعصّبٍ مكتوم انفجر في ثورة 2018 (رويترز)

أيقظت مطالبات أسر 28 ضابطاً سودانياً أعدمتهم حكومة الإنقاذ في 24 أبريل (نيسان) 1990 بعد عامٍ واحد من انقلاب الرئيس السابق عمر البشير على حكومة الديمقراطية الثالثة في السودان، مطالباتٍ أخرى كان الخوف من بطش النظام هو الحائل دونها.

واحتوت المذكرة التي قدمها ذوو الضحايا إلى المجلس السيادي الانتقالي الحاكم في السودان العام الماضي 2019 على مطالباتٍ قانونيةٍ تتعلَّق بردّ الاعتبار لهؤلاء الضباط والكشف عن قبورهم ومعرفة وصاياهم ومقتنياتهم. ولم تكن تلك هي الحادثة الوحيدة خلال العشرية الأولى لنظام الإنقاذ، فقد نفَّذت الحركة الإسلامية الإعدام في بعض أبنائها أيضاً، نتيجة اختلاط العنف الأيديولوجي للحركة الإسلامية بعقيدة العسكر، ما غذَّى عهد الإنقاذ طيلة ثلاثة عقود. وظهرت ثلاثة حوادث ضمن حوادث كثيرة صبغت الفترة التي كانت فيها الحركة الإسلامية حاكمةً من خلال واجهة نظام الإنقاذ، خصوصاً في سنين حكمها الأولى.

مجزرة الضباط

حدثت مذبحة 28 رمضان أبريل (نيسان) 1990 التي أُعدم فيها ثمانية وعشرون ضابطاً، حينما اعتقل النظام عدداً من الضباط العاملين وبعض المتقاعدين من القوات المسلحة، ووُجهت إليهم تهمة التآمر لتدبير انقلابٍ عسكري للإطاحة به. ويُروى أنَّه بعد اعتقالهم نُقلوا إلى السجن العسكري في مدينة أمدرمان، وسط تكتُّمٍ على هوياتهم ومكان احتجازهم وطبيعة التهم الموجهة إليهم، وأُخضعوا لتحقيقٍ من جانب ضباط في القوات المسلحة، وقُدموا إلى محاكمةٍ عسكريةٍ ميدانية عاجلة لم تُتَح لهم فيها فرصة الدفاع عن أنفسهم أو توكيل محامين للقيام بذلك، وتسرَّبت أنباء عن تعرضهم للتعذيب لانتزاع اعترافاتهم وأنَّ ما قاموا به هو ثورة تصحيحية استهدفت إسقاط نظام الحركة الإسلامية الحاكم في السودان. فوجئ الجمهور بخبر عبر أجهزة الإعلام خلص في جملة واحدة إلى أنَّ الضباط المعنيين قد اُتهموا بتدبير محاولةٍ لقلب نظام الحكم، وقُدّموا إلى محاكمة عسكرية دانتهم، وحكمت على ثمانية وعشرين منهم بالإعدام، وأنَّ السلطة قد صدَّقت على الأحكام، وأنَّ الحكم قد نُفِّذ بحقهم رمياً بالرصاص، ولا يُعلَم إلى الآن مكان قبورهم.

كانت أهداف حركة الضباط هي إعادة الحياة الديمقراطية إلى السودان، وقومية القوات المسلحة والشرطة والقوات النظامية الأخرى ونزع سلاح الميليشيات، وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين وإعادة المفصولين تعسّفاً بعد 30 يونيو (حزيران) 1989 إلى مواقع عملهم.

أورد كتاب "الجيش السوداني والسياسة 2002" للعميد عصام الدين ميرغني، أنَّ قائمة الاتهام شملت قادة رفيعين من القوات المسلحة كان إشرافهم على المذبحة صوريّاً، وأنَّ ما سُميَّ بالمحاكمة العسكرية تم خارج نطاق القوات المسلحة، ومن دون إجراءٍ قضائي وقانوني من فرع القضاء العسكري ومن دون توقيع تلك القرارات من القائد الأعلى للقوات المسلحة أي رأس الدولة وإنَّما نفّذتها ميليشيات أمن الحركة الإسلامية.

خذلان بولاد

أما الحادثة الثانية، فهي إعدام داوود يحيى بولاد في يناير (كانون الثاني) 1991، وهو أحد القادة الأوائل للحركة الإسلامية ومن المشاركين الأساسيين في انقلاب 1989 (الجبهة الإسلامية- الإنقاذ الوطني). وعندما نجح الانقلاب كان مقرّراً أن يتقلَّد منصب حاكم دارفور، ولكن تم تهميشه ومحاولة إبعاده. قرَّر بولاد الانضمام إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق الذي وجدها فرصةً ذهبيةً بانخراط أقاليم مهمَّشة أخرى غير جنوب السودان إلى حركته. ومن هناك، قاد بولاد تمرُّد دارفور وفقاً لرؤية الحركة الشعبية.

يُذكر أنَّ حسن الترابي، زعيم الجبهة الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي أوفده إلى الجزائر لمساعدة عباس مدني في بناء حركته، باعتبار أنَّ الحركة الإسلامية عابرة للأمم. ولكن، سرعان ما اكتشف بولاد أنَّها لم تغطِّ قومية السودان دعك من بقية العالم، بل إنَّها لا تخلو من عنصرية. وعندما سأله جون قرنق عن سبب تركه الحركة الإسلامية، أجاب بولاد "لأنَّني اكتشفت أنَّ رابطة الدم أثقل عند الإسلاميين من رابطة الدين".

وفي كتابه "الحركة الإسلامية... دائرة الضوء وخيوط الظلام 2010"، كتب المحبوب عبد السلام، المنتمي إلى التنظيم، "شَهِدَت الإنقاذ الأولى الموسومة بعقيدة العُنف حادثةً هي الأولى من نوعها في تاريخ الحركة الإسلاميَّة، أن تنفذ الحركة حُكمَ الإعدام في أحد أبنائِها، فقد اتَّسمت السيرةُ السياسيَّة مع الحركة للمهندس داوود يحيى بولاد باضطرابٍ شديد، إذ أنه أحد القلائل الذين عادوا إلى إقليم دارفور فور إكمال دراسته الجامعية، رغم أنه كان قائداً طلاَّبياً مُهماً، نال أرفع المناصب التي يمكن أن يُرقَّى إليها طالب، رئاسة الاتحاد وأمانة الجامعة مما يُؤهِّله تلقائياً للترقِّي نحو مناصب الحركة العُليا، ولكنه اختار العودة للجذور والتجافي عن مناخ النخبة الخُرطوميَّة للحركة الإسلاميَّة، ولكن سِوى تبايناتٍ قد لا تعني شذوذاً أو خروجاً فاحشاً، بل اختلافاً في الإدارة والسياسة داخل الحركة الإسلاميَّة".

كانت تدور داخل أروقة الحركة الإسلامية صراعات جهوية وإثنية عدّة، سعت مدجّجةً بالسلطة إلى الهيمنةِ على مفاصل الدولة ولو على حساب الآخرين، ومنها  نبع الشعور بالغُبن مثلما حدث في قصة داوود بولاد، الذي قاد التمرد إلى مدينة نيالا في دارفور وحثّ الناس على الخروج والعمل ضد نظام الإنقاذ. ورُوي أنَّه احتمى في منزل أحدهم من قبيلته (الفور)، وكانت الحكومة قد عرضت أموالاً لمن يدلي بمعلوماتٍ عنه، فوُشيَ به وألُقي القبض عليه وقيل إنَّه عُذِّب على يد رفقاء الأمس وقادة التنظيم، ثم أُعدم دهساً بدبابة.

خليل و"الذراع الطويلة"

كان خليل إبراهيم من قادة الحركة الإسلامية الذين أوصلوها إلى السلطة، ثم برز اسمه كقائدٍ عسكري وطبيب ميداني في حرب جنوب السودان التي كانت الحركة الإسلامية تعدّها جهاداً دينياً. وفي مايو (أيار) 2000، أصدرت مجموعة من أبناء دارفور داخل الحركة الإسلامية ما عُرف بـ"الكتاب الأسود" الذي احتوى على مطالبات بتوزيع الوظائف القيادية في الدولة على العرقيات والمناطق المختلفة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد ذلك، أعلن إبراهيم التمرد على الحكومة السودانية عام 2003 لشعوره بنوعٍ من التهميش، شأنه شأن عدد كبير من أبناء دارفور داخل الحركة الإسلامية وكوَّن حركة العدل والمساواة التي بدأت بعملية ضد النظام استهدفت مطار الفاشر في دارفور. وساءت علاقة إبراهيم بالحكومة، ولكنه ظلَّ وثيق الصلة بالترابي الذي استُبعد من السلطة بعد المفاصلة الشهيرة عام 1999 ثم كوَّن حزب المؤتمر الشعبي. ويُقال إنَّ حركة العدل والمساواة هي الذراع العسكرية التي ظلَّ الترابي يستخدمها ضد تلاميذه في السلطة. ونفّذ إبراهيم غزوة أمدرمان في العاشر من مايو (أيار) 2008 بدعم تشادي ليبي. وهنا، يتبدّى صراع المركز والهامش بتوجس أهل الشمال النيلي في الحكومة من أهل غرب السودان، ويرون أنّه لا بد من قطع الطريق عليهم واسترضائهم بمناصب وزارية حتى يكونوا تحت عين السلطة. فعقدت الحكومة  مفاوضات عدّة معهم وبعدما قامت حركة العدل والمساواة بتجميدها بحجة مخالفة الحكومة الاتفاقية، أمرت الحكومة بالقبض على إبراهيم الذي رحل إلى مصر بتهمة تورطه في غزو أمدرمان في مايو 2008. ولكن التحركات الدبلوماسية أثّرت في وجوده في مصر، فغادرها إلى تشاد ليتركها هي الأخرى بعد تطبيع العلاقات بين السودان وتشاد. وعاد بعدها إبراهيم إلى ليبيا التي رحّبت به كردِّ فعل على ما اعتبره القذافي سحباً لملف دارفور من الرعاية الليبية. أعلنت القوات المسلحة السودانية مقتل خليل إبراهيم في غارة جوية شمال كردفان في 25 ديسمبر (كانون الأول) 2011، بينما نفت حركة العدل والمساواة أن يكون مقتل قائدها قد وقع خلال اشتباكاتٍ، بل جراء هجومٍ صاروخي قالت إنَّه جزءٌ من مؤامرة شاركت فيها دول "من المحيط الإقليمي".

فاشية دينية

استطاعت الحركة الإسلامية في السودان أن تكوِّن ذراعاً عسكرية شرسة، فمنذ بداياتها تبنَّت مشاريع ومضامين اجتماعية كان قوامها من غمار الناس، قبل أن تلتفت إلى النخب لتكوين قياداتها. ومن هؤلاء المهمّشين اجتماعياً وثقافياً، تكوّن الأمن الشعبي المعروف اختصاراً بـ "أ. ش" وهو الجهاز السري للحركة الإسلامية، وكان يعمل من دون واجهاتٍ علنية ويتبع للحركة منذ سبعينيات القرن الماضي. نشط الجهاز خلال الثمانينيات في عملٍ استخباراتي بنشر أعضائه داخل الأحزاب المنافسة للحركة في العمل السياسي والنشاطات الاجتماعية والثقافية كغواصات داخل التنظيمات الطلابية والمؤسسات، بل حتى داخل القوى السياسية.

وبتوفير الأمن الشعبي كمّاً هائلاً من المعلومات الدقيقة، تمكَّنت الحركة الإسلامية من التفوق على الأحزاب السياسية الأخرى. وقد ذكر الترابي في لقاءات لقنوات فضائية أنّ جهاز الأمن السري التابع له تمكَّن من اختراق جهاز أمن الدولة في عهد نظام جعفر النميري، وتمكّن من تفكيك أوصاله، ممّا مهّد لهزيمة النميري عبر العناصر التي نفذت عملية الاختراق. لم تتوقف مسيرة الأمن الشعبي عند حدود تفكيك مايو (أيار)، فقويت شوكته بعد وصول الإنقاذ إلى السلطة وظلّ الترابي يشرف عليه بنفسه.

وينطبق على الأمن الشعبي ما شاع عن الخدمة العسكرية في السودان التي يتجه إليها الطلاب الأقلّ حظاً أكاديمياً واجتماعياً. تنبع وحشية العنف الموجّه من الأمن الشعبي إلى أفراد الشعب وهياجه العبثي في العشرية الأولى للإنقاذ في ما سُميّ بـ"بيوت الأشباح"، كما في الثورة الشعبية الأخيرة نتيجة للفاشية الدينية. بل إنّ الأمن الشعبي لا يستطيع العيش- بل لا مكان له- خارج منظومة الإنقاذ التي ربّته وزوّدته بعقيدة العنف. وهو هنا ليس سلوكاً مكتسباً وإنّما سلوك مشحون بالتعصّب والقهر ضد الغريم المراد إزالته أيّاً كان.

زوّدت الإنقاذ، الأمن الشعبي بالآليات وعقيدة الدفاع عن النظام في الجامعات والدور الحكومية والمؤسسات الخاصة بعناصر قيادية في كل مؤسسات الدولة أثناء ثورة ديسمبر 2018. وجاءت تهديدات القياديين في الحزب الحاكم وأبرزهم علي عثمان، نائب الرئيس الأسبق، بإنزال كتائب الظلّ إلى الشارع لحماية النظام، من دون أن يرفّ له جفن، بمثابة إعلان عن عمل الجهاز خارج إطار الدولة والقانون. ولم يتوانَ هؤلاء عن استخدام الرصاص الحي المصوّب مباشرة إلى مواضع قاتلة، وبالقنص المباشر من سيارات بلا لوحات ومن أعلى البنايات.

ويمكن تفسير نزعة الاستقواء والتشفّي لجهاز الأمن الشعبي ضد المواطنين العُزّل، بأنّ هؤلاء هم الجيل الثاني وحصيلة الرعيل الأول ممّن تربوا في كنف السلطة التي وفّرها لهم نظام النميري عقب المصالحة عام 1977 وحتى انتفاضة 1985، فتمكّنوا من داخل الحركة الإسلامية مادياً من إنشاء  عددٍ كبيرٍ من المؤسسات المالية، وانتشروا داخل الجامعات ومنظمات المجتمع. وحصلت الحركة الإسلامية على ذلك على الرغم من أنّها لم تكن مشاركة في حكم النميري بشكلٍ مباشر ولكنها استفادت من وجودها في الظلّ لتستجمع كل ذلك العنف وتحكم به ثلاثين عاماً.

كثيرٌ من ظواهر التعصب والعنف التي توفّرت خلال الثلاثين عاماً الماضية هي من جراء القهر السياسي والقمع الذي مارسته حكومة الإنقاذ ضد معارضيها، كما مارسته على بعض أبنائها ممن شكوا من التهميش. أفضى الكبت السياسي والاعتقال والاغتيالات إلى عنفٍ وتعصّبٍ مكتوم انفجر في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018.

المزيد من تحلیل