رسامات مصريات يقدمن مشاهد بصرية من الذاكرة والواقع

5 تجارب فنية  تطغى عليها العين الأنثوية... والسينما مادة استلهام

لوحة للرسامة سعاد مردم بك في المعرض (اندبندنت عربية)

تشهد القاهرة هذه الأيام نشاطاً ملحوظاً لقاعات الفن، وهي سمة غالبة في مثل هذا الوقت من العام، الذي يمثل ذروة الموسم الفني في فصل الشتاء. بين هذه العروض القاهرية تبرز خمس تجارب فنية لافتة. يجمع بين هذه التجارب الخمس فرادة الطرح البصري والجرأة في التناول والتجريب في الخامة. أما السمة الأبرز بينها فتتمثل في كونها تجارب تصويرية بعيون أنثوية. التجارب الفنية الخمس تنتمي لفنانات مثابرات ويمتلكن من الطاقة والحيوية، والجرأة أيضاً، ما أهّلهن لتجاوز العديد من الإشكاليات التصويرية للوصول إلى حالة من الاستقرار الفني.  

أولى هذه التجارب هي تجربة الفنانة سحر الأمير التي استضافتها قاعة "أوبونتو" تحت عنوان "مكان أخضر" وهي فنانة استطاعت الحفاظ على نسق خاص لتجربتها التصويرية؛ نسق متحرر من القيود والارتباطات التقليدية لصوغ العمل الفني. المساحة لديها حرة ومفتوحة أمام كافة الإضافات والعناصر التي تجمع بينها في تناغم على سطح العمل. يمكننا أن نلمح في فضاء اللوحة خيوطاً ملونة، وأقمشة، وقصاصات ورق في تجاور مع ضربات الفرشاة. تمتلىء لوحات سحر الأمير بعناصر مُنفلتة وخطوط شاردة عن مسارها، وعلامات ملونة ورموز، ومساحات متقاطعة من اللون. كل هذه العناصر تُشكل أجواء اللوحة وتكسبها القدرة على إثارة خيال المتلقي وقريحته. الأشكال المعتادة التي لم تخل منها أعمال الأمير السابقة تكاد هنا أن تتوارى تماماً، أو بالأحرى تختفي عن المساحة، فالبطولة داخل اللوحة للعناصر المجردة: خطوط، وعلامات، وتكوينات لونية.

في أعمالها تحافظ سحر الأمير على مساحة لا بأس بها من المغامرة والتجريب في الخامات المختلفة، واختلاق علاقات جديدة فيما بينها، وهي فنانة تمتلك من الطاقة ما يؤهلها للسيطرة  مثلاً على المساحات الكبيرة، بل ربما تتسع المساحة بين يديها، ولا يثنيها عن التمدد والاتساع سوى حدود فضاء العرض. في هذه المساحات الممتدة نلمح عالماً يتشكل، كأنه مشهد لمدينة قديمة أو ساحة لمعركة حامية وقودها اللون والخامة.

من وحي السينما

التجربة الثانية للفنانة نهى ناجي وتستضيفها قاعة النيل تحت عنوان "إكسترافجنزا" تعتمد الفنانة في أعمالها المعروضة على استلهامها لمشاهد من أفلام سينمائية مختلفة. بألوان دافئة ترسم نهى ناجي بحس تصويري متميز مقاطع من هذه المشاهد السينمائية، مع اهتمام ملحوظ بتفاصيل الحركة وحالة الآداء الراقص للشخصيات، فالآداء الراقص هو السمة الغالبة على هذه المشاهد التي وقع الاختيار عليها. لا تتطرق ناجي إلى ملامح الأشخاص بقدر ما تحاول التعبير عن حالة النشوة والابهار في الحركة. "إكسترافجنزا" تعني بالعربية "عرضاً فنياً رائعاً أو مذهلاً"، ربما يعكس هذا العنوان حالة التأثر بالسينما، فهي مكون ذو تأثير كبير في تشكيل وعينا وخبراتنا، وتمثل الصور البصرية المُستلهمة منها جزءاً من ذاكرتنا الجماعية. بين المشاهد التي انتقتها نهى ناجي، ثمة مشاهد لا تنسى لعروض راقصة من أفلام شهيرة. الاستعراضات الراقصة التي كانت تصاحب المغنين والمطربين في هذه الأفلام، صارت تحمل طابعاً خاصاً وحميمياً، وهو الإحساس الذي يداخلك حين تطالع صورة المشهد، ستكتشف وأنت تتأمل اللوحات أن جانباً من شعورك الحميمي تجاهها ينبع من الأثر المحفور في داخلك تجاه المشهد نفسه في الفيلم أو الاستعراض. لا يقتصر الأمر على السينما المصرية والعربية فقط، بل يتعداه إلى السينما الغربية أيضاً. تلتقط عين الفنانة هذه التفاصيل المدهشة في أعمالها كما تستكشف هذه الطاقة الأنثوية المُنسابة عبر الأطراف ونعومة الحركة واصطفاف العناصر.

إستلهام الأسطورة

التجربة الثالثة والتي تستضيفها قاعة الزمالك للفنون هي للفنانة السورية سعاد مردم بك، والتي تتسم أعمالها بالاستخدام المكثف للرمز. تجمع أعمال مردم بك بين خفة المعالجة اللونية للأسطح، ورصانة التكوين المستند على دراسة متأنية للعناصر والأشكال المرسومة. سطح اللوحة في أعمال مردم بك منفتح على كافة الإضافات، من لون وأقمشة وأوراق، وهو أشبه بخربشات على الجدار. لون محايد تتشكل عليه العناصر من طريق الخطوط والإضافات والتأكيد على التفاصيل وصوغها وفق حبكة تصويرية مُحكمة. في أعمالها السابقة طالما استدعت مردم بك موضوعات شتى لها علاقة بتجربتها الحياتية ورؤيتها للعالم من حولها، كما تمتلىء أعمالها بالرموز والإسقاطات الكثيرة التي تبذل جهداً واضحاً في دراستها وتأملها. في أعمال مردم بك تمثل الرموز التاريخية والأسطورية أحد تجليات بحثها البصري الدؤوب عن الشكل والهوية الفنية التي تميزها كفنانة تعيش في حاضر ملىء بكافة المؤثرات، حاضر تمتلك فيه ظلال الماضي تأثيراً كبيراً. بين الأعمال نلمح مثلاً معالجة بصرية للثور المُجنح كأحد التجليات الرمزية لحضارات الرافدين، وفي لمحة ساخرة تكسر الفنانة هذه الحدة والقوة التي يتمتع بها التكوين وتضيف إليه تفصيلة ساخرة تاركة بصمتها الخاصة على صورته المطبوعة في الأذهان، فالثور المجنح هنا بدا وقد انتعل حذاءاً عصرياً. هذه الأعمال التي تقدمها سعاد مردم بك جاءت مصحوبة بفقرة من نص ساخر وُضع في صدارة القاعة للكاتب الأمريكي ديفيد فوستر والاس تحت عنوان "هذا ماء".

إلى جانب تجربة سعاد مردم بك تستضيف قاعة الزمالك أيضاً معرضاً آخر للفنانة ياسمين الحاذق، وهي فنانة تتسم معالجاتها بالمبالغة في صوغ الشخصيات والعناصر المرسومة على نحو قريب الشبه بالمعالجات الكاريكاتورية. الأعمال المعروضة تجمع بين التصوير والنحت، كما تتسم بحس رومانسي يحتفي بالمشاعر الإنسانية. طريقة المعالجة هنا تفرض أجواءً ساخرة على الأعمال المعروضة. الشخصيات المرسومة في اللوحات حولتها الفنانة إلى مجسمات نحتية عُرضت إلى جوار الأعمال التصويرية، وهي منحوتات برونزية مطلية باللون، وهو أمر لا يلجأ إليه المثالون عادة، لكنه بدا منسجماً مع طبيعة أعمال الحاذق ومعالجاتها للأشكال الطبيعية والشخصيات. نرى في أعمال ياسمين الحاذق زهوراً وفراشات محلقة ومفردات أخرى تصاحب الشخصيات المرسومة في ثنائيات تجمع بين رجل وامرأة في أغلب الأحيان، وعلى خلفية حيادية قليلة التفاصيل. أسلوب ياسمين الحاذق يبدو مختلفاً، وهي تحافظ على هذه الروح الساخرة في معظم أعمالها.

التجربة الأخيرة للفنانة دينا الغريب وتعرضها في قاعة المجدوب تحت عنوان "القاهرة" تقدم الأعمال حالة استثنائية محملة بالذكريات والحنين للحياة في مدينة القاهرة. عرفت دينا الغريب باستخدامها المكثف للكولاج (القص واللصق) إلى جانب اللون والإضافات الأخرى المصاحبة كالكتابات والأحرف. سطح اللوحة عند دينا الغريب يمثل حالة مكثفة من التأمل، هو مساحة للتعبير الحر وفيض من المشاعر المتدفقة. هي هنا تقدم لمحة من ذكرياتها وحياتها الشخصية التي تتقاطع مع حياة وذكريات كثير من المصريين، هذه الذكريات التي تستدعيها الغريب تتجسد عبر مفردات وعناصر مختلفة، من شخصيات ومفردات وعلامات تجارية كانت شائعة ومؤثرة. ربما تتسق حالة المزج والتوليف المكثف بين الخامات والمفردات على سطح اللوحة مع تجربة الفنانة في شكل عام ونشاطها الذي جمعت فيه بين عدة اهتمامات مختلفة، من انخراطها كلاعبة في منتخب مصر لكرة اليد، إلى احترافها للموسيقى، كأول امرأة تعمل في مجال الـ "دي جي" في مصر، إلى جانب تجربتها الفنية المميزة والجريئة أيضاً في التصوير والرسم.

المزيد من ثقافة