"اعترافات" ليلى العثمان... سيرة ذاتية موازية لحركة المجتمع

"أنفض عنّي الغبار" بين السرد والتوثيق الشخصي والتفاصيل الحياتية

الروائية الكويتية ليلى العثمان (موقع الكاتبة)

تبدأ ليلى العثمان سيرتها الذاتيّة "أنفض عنّي الغبار" (دار العين) مستعيرة عبارة رائد الرواية الجزائريّة العربيّة عبد الحميد بن هدّوقة: "إنّ قصّة حياتي أعزّ من حياتي. إنّها عزيزة عليّ لدرجة أنّني أودّ أن أضعها في يد كلّ عابر". وأنا أيضاً أودّ أن أضع سيرة  ليلى العثمان في يد كلّ عابر، لأنّها قريبة من النفس، وعالية المصداقيّة، وتمتّع، وتعلّم، وتحرّر.

لا تتخلّى الكاتبة عن مركزيّتها وهي تكتب سرديّتها المؤثّرة، إذ تبدو وقد امتلكت أدوات فنّ السيرة الذاتيّة ذي المركب الصعب، لاسيّما في الثقافة العربيّة التي لا يزال عالم النساء يشكّل خاصرتها الرخوة، ولا يزال التلصّص على حياة الكاتبات تحديداً شغفاً عند القرّاء بمستوياتهم الثقافيّة بعامّة. ولعلّ أهمّ هذه الأدوات هي الفرديّة، إذ استطاعت الكاتبة أن تنتزع تاريخها الفرديّ من التاريخ العامّ الذي عاشت فيه، بشجاعة وصدق منعاها من السقوط في العاديّ، أو في المبالغة الممجوجة، فتأتّت الفرادة من القدرة على الموازنة بين حضور الذات في راهنها وبين التاريخ، وكذلك بين الوقائع والتصوّرات، وبين "الإيغو" التي يمتلكها الكاتب وانكسارات الإنسان. روت السيرة برؤيتها الخاصّة، أي من غرفتها بتعبير فيرجينيا وولف لكنّها ظلّت في نطاق بنيتها الثقافيّة الاجتماعيّة، متّصلة بأحداثها العامّة، ومشتبكة معها، وبذلك تحدّثنا عن بيتهم ذي الأسوار العالية، والذي يمتلئ بما لذّ وطاب من الطعام، وبما غلا ثمنه من متاع وذهب، وعن خير أبيها الذي يفيض على المحتاجين في العالمين العربيّ والإسلاميّ، لكنّها وأخواتها تعانين الجوع والشحّ والإهمال الذي تسبب بالإصابة بالقمل، وبالنهم فيما بعد، وذلك نتيجة العزلة العائليّة، وظلم زوجة الأب، وغياب الأب عن معاناة بناته! إنّها تحفر بتلك الاعترافات والمفارقات في أسّ النظام الاجتماعيّ الأبويّ الجائر، ثمّ تتبّع حركته أفقيّاً.

الشخصي والعام

تبدو مثل هذه التفاصيل الشخصيّة أوضح وأكثر إقناعاً بربطها بصورة المجتمع الكويتيّ الكليّة، حيث تتطوّر الشخصيّة بالاتساق مع حركة المجتمع وتطوّره ضمن سياق التاريخ العام: "حين أرسم وجه شيطان، فإنّه بالتأكيد سيكون لزوجة أبي أو زوجة أخي. وحين أرسم عصفوراً، أتمنّى لو أكونه، وأطير خارج أسوار ذلك البيت. وبقدر الفرح الذي يشعرني به الرسم، كان العقاب شديداً من أخي، فلم يكتف بضرب يديّ بالعصا الغليظة حتّى تورّمتا، بل بإثارة الفزع في قلبي الصغير حين هدّدني: الرسم حرام. ويوم القيامة سيأمرك الله أن تنفخي فيها الروح، ولن تقدري طبعاً، وسيصير مصيرك نار جهنّم...لقد سكنني الخوف من كلّ شيء أخافوني منه، وورث أولادي مع الأسف بعض خوفي من أصغر الحشرات، ولم أتخلّص من الخوف إلاّ عام 1990 حين غزانا صدّام حسين". ص42.

تركّز سيرة  ليلى العثمان على رحلة التعليم في الكويت من خلال سيرورة تعليمها الشخصيّة، والتي تبدو مثالاً على الاتساق بين التاريخين الفرديّ والعامّ: "كان حظّنا كبيراً نحن جيل الخمسينيّات إذ تعلّمنا على يد المدرّسات الفلسطينيّات، وهذا شيء يشهد له نساء ورجال الكويت...كانت في المدرسة مكتبة عامرة، ندخلها مرّة في الأسبوع لنختار كتاباً نقرأه، وكانت المدرّسة تعيننا وتنصحنا بأسماء الكتب التي علينا قراءتها لكبار الكتّاب..." ص83. تعدّ الوثائقيّة الأداة الأخرى للسيرة الناجحة، فربط الأحداث الفرديّة بالشخصيّات الحقيقيّة يمنح السيرة أهميّة ومصداقيّة : "دخلت المعلّمة فايزة كنفاني وانهالت عليّ بالضرب بكلّ قوّتها...كرهت تلك المعلّمة، ولم أكن أعلم أنّها شقيقة الكاتب العظيم غسّان كنفاني، وكم حزنت يوم استشهد هو وابنتها زاهية.". ص83 من ذلك أيضاً حضور رموز ثقافيّة وسياسيّة يرتبط من خلالها الشخصيّ بالتاريخيّ : "استدعاني وزير الداخليّة الشيخ أحمد الحمود، وأبلغني أنّه أصدر أمره بإبعاد وليد عن البلاد. لم تشفع لي دموعي، وذكرت له مواقف وليد أثناء الغزو، وتعرّضه لمحاولة اغتيال، وأنّه كان منضمّاً إلى المقاومة التي كان يقودها الشيخ أحمد الفهد، وأخوه الشيخ عذبي، وإسماعيل فهد إسماعيل، لكنّه رفض توسّلي.". ص119

تحتاج السيرة فضلاً على الصدق إلى عناصر الحيويّة، والانسياب في القصّ، والبعد عن الاستطراد، وهذا ما تتمتّع به سيرة ليلى العثمان من رواية الأحداث المثيرة، وربطها بالـ "تابو"، والاعتماد على الشكل الحكائيّ، والاقتصاد اللغويّ، ومن الملامح المهمّة التي يشير إليها الدكتور إحسان عبّاس في "فنّ السيرة"، من مثل أنّ حياة الفرد تسرد على طبيعتها، بلا ادّعاء للمثاليّة، وأن يصوّر الإنسان في حدود إنسانيّته، يعزّز ذلك النظرة الساخرة التي يكتسبها المرء بمعاركة الحياة، والتعرّف إلى جوهرها، وتقديم الحقائق المرّة المغلّفة بالجماليّات، وبما يثير الفضول من حكايات الثراء، والحبّ، وطبقات المجتمع، وسندبادات البحر. يحكي النقّاد عن سيرة الشاعر الرومانسيّ الإنجليزيّ شيللي التي كتبها موروا: "لقد لقيت هذه السيرة من الرواج والثناء ما دلّ على أنّ الناس يحبّون الحقائق مغلّفة بالطلاوة، كما تغلّف الأدوية بالحلوى". وهكذا تتوالى الحكايات تترى وهي تظهر مسارات الحياة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والطرز المعماريّة، والملامح الأنثروبولوجيّة للكويت والكويتيين بسلاسة قد لا تمتلك تأثيرها كتب التاريخ والوثائقيّات: "لا يخلو البيت الكويتيّ من بركة الماء التي تتوسّط الحوش، وكانت تجمع بها مياه الأمطار، أو المياه التي تأتي من شطّ العرب لتستخدم للشرب...كذلك لا يخلو بيت من وجود القليب (البئر)، الذي اعتمد الناس على مائه المالح في غسل الملابس والمواعين، ورشّ أرض البيت، وأحياناً للاستحمام مستخدمين أوراق شجر السدر قبل مجيء الصابون من البلاد المجاورة... من أهمّ الغرف في حوش المطبخ غرفة "الكيل" التي تضمّ كلّ مؤونة البيت. وكانت تحظى بالحرص الشديد من أهل البيت، فتغلقه الأمّ أو الجدّة بالمفتاح الذي يعلّقونه برقابهنّ" ص57"، و"غالباً ما يحفر القليب في حوش المطبخ أو حوش البقر والغنم الذي توضع به أقفاص الطيور والدجاج والطواويس التي يؤتى بها من الهند وإيران." ص56 ونورد مثالاً آخر من السيرة على التحوّلات الاقتصاديّة الاجتماعيّة، والتي شكّلت الوجه الأنثروبولوجيّ للثقافة في الكويت، والذي نلمحه اليوم بيسر: "كما يضمّ البيت الضرائر، كويتيّات وغير كويتيّات، بعضهنّ جئن من الهند نتيجة سفر الرجال للتجارة، أو من إيران والبصرة وبغداد، لأنّ العراق هو البلد الأقرب، ثمّ ومع أسفار الرجال إلى بلاد العرب، دخلت الزوجات المصريّات والسوريّات واللبنانيّات..." ص59

يشير صاحب "فنّ السيرة" إلى أنّ كلّ سيرة تهتمّ بوجه من وجوه الحياة أكثر من غيره، وهنا تشكّل صورة الأب، بوصفها رمزاً كنائيّاً  للذكورة، وصورة المرأة، وصورة الكتابة، الأثافيّ الثلاث التي تقوم عليها هذه السيرة الفنيّة، لكن وراء ذلك حركة المدينة نحو الحداثة، وتحوّلات العالم العربي، والبحر بوصفه جحراً ثقافيّاً، بتعبير شتراوس، أمام حداثة النفط. نتعرّف من خلال العلاقات التي تصنعها تلك الصور إلى الكويت، بتاريخها، وعلاقاتها الاجتماعيّة السياسيّة، ومحيطها الحيويّ وتحوّلاتها ومنعطفاتها، بلا استعراض إكزوتيكيّ أو عقد نفطيّة أو متلازمات سياسيّة مرضيّة. إنّنا نتلمّس  التاريخ وأحداثه وسيرورته من خلال حياة الفرد، لا العكس كما هي الحال في السير التاريخيّة للجماعات أو الدول، أو التاريخ السياسيّ الأكاديميّ، أو التاريخ الروائيّ الذي يبقى في إطار الخيال، إذ إنّ السيرة الذاتيّة الفنيّة مهما اكتنفها من خيانات الذاكرة،  فهي تبرم عقداً مع متلقّيها أساسه الصدق، ومحايثة الواقع.

صورة الأب

تقول الكاتبة وهي تننفض الغبار عن صورة أبيها التي تتوسط صدر صالونها الواسع، ممثّلة لإحدى الصور المركزيّة الثلاث التي اعتمدت عليها: "سأعترف بشيء رغم أنّه يؤلمني: لم تنشأ علاقة حبّ بيني وبين أبي طوال السنوات التي عشتها معه...لقد نجوت بموته من سلطته، وكنت أتساءل: لماذا يتقصّد الآباء والأمّهات أن نكره وجودهم؟!" ص103

تنبني السيرة على العلاقة بالحرفة، والتي تشكّل الصورة المركزيّة الأخرى، وهي صورة الكاتبة، فتفرد فصلاً لسيرورة إنتاج أعمالها من خلال العلاقة بين النصّ والميتاقصّ: " لقد كانت الحياة الاجتماعيّة في ذلك الزمن تعجّ بالخرافات والمعتقدات. وقد حفظت تاريخ هذه المعتقدات في قصص كثيرة مثل "لعبة في الليل"، فقد كانت زوجة الأب في الليلة التي يغيب فيها الزوج للحراسة تخيف ابنة زوجها بالساحرة (أمّ السعف والليف)..." ص61. تتحدّث أيضاً عن طريقتها في النمذجة الفنيّة: " لم يكن صعباً عليّ أن أصطاد شخوص الرواية، فهي نماذج واقعيّة عرفها مجتمعنا الكويتيّ القديم، الذي جبل على الطيبة والتواضع...كان هناك اعتراض على الرواية من بعض المتعصّبين، فقد رأوا أنّني أسأت للقيم حين سمحت بلقاء وسميّة وعبد الله منفردين على البحر، وأنّ هذا لا يحدث في مجتمع محافظ. وأرى أنّ هذا عدم اعتراف بالواقع وسعيّ لتلميعه، فهو مجتمع لا يختلف عن المجتمعات العربيّة بكلّ تناقضاتها، فهناك الحبّ الحلال والحرام.". ص149

يمكن أن نضيف "أنفض عنّي الغبار" السيرة الذاتيّة للكاتبة الكويتيّة ليلى العثمان، إلى سير ذاتيّة بديعة عرفتها الثقافة العربيّة، وإن كانت ما تزال قليلة بشكل ملحوظ، بأشكال متعدّدة لعبت فيها اللغة دوراً فارقاً عبر التعامل مع الضمائر، والتي يكون أكثرها بلاغة هو ضمير الأنا. لقد كتب طه حسين "الأيّام" بضمير الغائب، وكتب لويس عوض "مذكّرات طالب بعثة" بالعاميّة، وكتبت فدوى طوقان "رحلة جبليّة، رحلة صعبة" و"الرحلة الأصعب" بشفافيّة مدهشة، وكتب محمّد شكري "الخبز الحافي" سيرة روائيّة، وكتبت ليلى العثمان بضمير الأنا، وبلغة عربية مبينة، ومن جغرافيا صعبة، من الخليج العربيّ، وإن كانت الكويت من طلائع الدول العربيّة التي اندفعت نحو حركة التحرّر في ستينيّات القرن العشرين، لكنّ الانكسارات توالت عليها، وذاقت طعم الخذلان العربيّ، وخاضت معارك طويلة ضدّ التشدّد، لمع فيها اسم ليلى العثمان شخصيّاً أكثر من مرّة، وتعرّض لكثير من التضييق والمرار. لا يضيق الكاتب الأصيل بالأذى االذي يواجهه عبر تاريخه، لأنّه يعرف أنّه سيتحوّل يوماً ما إلى ورقة رابحة بين يديه، ورقة الكتابة طبعاً، لذلك يدير ظهره للمتجنّين والظلمة وأصحاب المواهب النصف، وبهذه الروح فتحت ليلى ملفّات أكلها الغبار بوعي، وشجاعة، وإحساس عال بالذات وباللحظة التي تستحقّ الكتابة، ممتلكة الحسّ التاريخيّ الضروريّ لكتابة السيرة، فروت بسيرتها تاريخ النساء، والجراح العائليّة، وتاريخ البلاد بمحبّة، لولاها لكان الجنون هو البديل المستحقّ، مستعيرة في المتن  قول البابا جون بول الثاني: "إنّ الشيطان يستطيع أن يتمدّد في القلوب التي تفرغ من الحبّ".

المزيد من ثقافة