النيجيري أوكوي إينوزور قيماً على بينالي الشارقة... بعد رحيله

أول أفريقي يفرض رؤيته على الأوساط الفنية العالمية

من احد معارض بينالي الشارقة (موقع البينالي)

أعلنت مؤسسة الشارقة للفنون أخيراً عن اسم الناقد النيجيري الشهير أوكوي إينوزور قيماً على الدورة المقبلة لبينالي الشارقة الدولي، والمقرر انطلاقها العام القادم. مثّل طرح اسم إينوزور مفاجأة لدى البعض، لكونه قد رحل عن عالمنا في مارس  (آذار) الماضي على أثر إصابته بالسرطان. إلا أن هذا الإعلان أيضاً كان له وقع طيب على المتابعين لنشاط هذا الرجل وإسهاماته المتعددة في مجال الفنون حول العالم، ومن بينها بينالي الشارقة، كأحد مستشاريه البارزين. لم يكن طرح اسم إينوزور قيماً على بينالي الشارقة القادم من قبيل التكريم فقط، إذ تستند ثيمة الدورة القادمة على تصوره ورؤيته التي وضعها قبل وفاته بالتنسيق مع رئيس مؤسسة الشارقة حور القاسمي. تحمل هذه الدورة أيضاً عنوان "التاريخ حاضراً" وهو عنوان لافت ويتسق أيضاً مع رؤية الناقد النيجيري الشهير والذي مثل التاريخ جانباً من أبحاثه واهتماماته.

ويعمل القائمون على البينالي على تحقيق رؤى إينوزور، عبر توفير الدعم من رئيس مؤسسة الشارقة حور القاسمي بصفتها قيماً مشاركاً، إلى جانب مجموعة العمل التي تضم نخبة من المساهمين الذين عملوا لفترة طويلة مع إينوزور، من أمثال القيم طارق أبو الفتوح، وأوتي ميتا باور المدير المؤسس لمركز الفن المعاصر في جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، وصلاح حسن مدير معهد إفريقيا في الشارقة وأستاذ تاريخ الفن الإفريقي في جامعة كورنيل، وتشيكا أوكي أجولو مدير الدراسات العليا في قسم الفنون والآثار في جامعة برينستون. وستُشرف حور القاسمي مع مجموعة العمل على تطور مفهوم التقييم لدى إينوزور وسبل تنفيذه، بالتعاون مع اللجنة الاستشارية التي تضم المهندس المعماري السير ديفيد أدجاي، والفنان جون أكومفراه، وكريستين طعمة المدير المؤسس للجمعية اللبنانية للفنون التشكيلية، والذين سيقدمون استشارات إضافية للبينالي.

 

واستعداداً لهذه الدورة المهمة لبينالي الشارقة تقرر طرح ثيمة الدورة (التاريخ حاضراً) كمحور أساسي للفعاليات التي يضمها لقاء مارس السنوي المزمع إقامته في الفترة من 20 وحتى 23 مارس القادم، مستعيداً ثلاثين عاماً على انطلاقة بينالي الشارقة، وجامعاً قيمي البينالي في الدورات السابقة، والمدراء الفنيين والفنانين، بالإضافة إلى مؤرخي الفن والنقاد لمعاينة دور البينالي في المنطقة وفي المشهد الفني العالمي المعاصر.

ولعل طرح اسم إينوزور  بصفته قيماً على النسخة الجديدة من بينالي الشارقة سيكون له أثره على المشاركات والمساهمات الفنية التي سيتم طرحها خلال البينالي، إذ يعد الرجل واحداً من الشخصيات الاستثنائية في عالم الفن المعاصر، كان لوجوده دور فاعل في تغيير خارطة الفن ومفهومه التاريخي حول العالم على نحو مدهش. بعد الإعلان عن وفاته وصفته جريدة "النيويورك تايمز" بـ "المنسق الذي أعاد تشكيل الفن حول العالم" وفي الغارديان البريطانية وصفه الناقد الفني أوليفر باسيانو بالنيجيري الذي واجه تقاليد الفن الأوروبي. لقد دفع إينوزور، من طريق أفكاره الاستثنائية ورؤيته الثاقبة، العالم إلى إعادة قراءة تاريخ الفن من جديد، متجاوزاً النظرة التقليدية لمركزيته الغربية.

ما بعد الإستعمار

ولد إينوزور في نيجيريا عام 1963 وانتقل في شبابه إلى الولايات المتحدة فدرس العلوم السياسية في جامعة نيو جيرسي، وعُرف بأبحاثه حول الحداثة وتجلياتها، ونظريات الفن المعاصر، ومآلات الحداثة ما بعد الاستعمار، ونظم العديد من المعارض الجماعية والأحداث الفنية. وكان قيماً على بينالي فينيسيا عام 2015 كأول كقيم أفريقي لهذا الحدث الدولي منذ تدشينه قبل 120 عاماً. كما كان أول قيم فني من خارج القارة الأوربية يترأس معرض "ديكومنتا" في دورته الحادية عشرة التي أقيمت في ألمانيا عام 2002 . شغل إينوزور منصب نائب مدير معهد سان فرانسيسكو للفنون، واستاذاً في قسم تاريخ الفن في جامعة نيويورك، وعمل أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات الأميركية والأوروبية. ومن بين معارضه الهامة التي نظمها أخيراً معرض "ما بعد الحرب .. الفن بين المحيط الهادىء والأطلسي" في مدينة ميونخ الألمانية.

اتجه اهتمام إينوزور في بداية مساره إلى الشعر والكتابة الأدبية، لكنه التفت فيما بعد إلى عالم الفن في مدينة منهاتن حيث استقر بعد تخرجه، ولفت نظره الغبن الشديد الذي يتعرض له الفنانون الأفارقة، والنظرة غير العادلة للفنون الأفريقية، التي تضع هذه الفنون وغيرها كحركات أو تجليات ثانوية للإبداع الإنساني المتمركز بطبيعة الحال في العالم الغربي، أو كمجرد مثيرات ثقافية هامشية كان لها دورها في مسيرة هذا الإبداع. في سبيله لمجابهة هذه المركزية الغربية في التأريخ للفن أصدر إينوزور مع مجموعة من أصدقائه في عام 1994 مجلة "NKA " كمجلة متخصصة في الفن الأفريقي المعاصر، ودافع بقوة في كتاباته عن الفن الأفريقي في مواجهة التهميش المتعمد الذي يتعرض له. فقد كانت النظرة السائدة بين المتخصصين وقتها أن الفن المعاصر ليس له وجود في أماكن مثل أفريقيا وأسيا وأمريكا الجنوبية أو الشرق الأوسط، وهي نظرة متأثرة بالحقبة الاستعمارية، وتتعامل مع المنجز الفني خارج الإطار الغربي كمجرد تابع. تجسدت هذه النظرة على نحو صارخ في التأريخ الفني، كما انعكست أيضاً على المشاركات والفاعليات ذات الطبيعة الدولية.

كان متحف غوغنهايم نيويورك أول من التفت إلى أفكار الناقد النيجيري الثائر على هذه النظرة النمطية، فدُعي ليكون قيماً مشاركاً لمعرض التصوير الفوتوغرافي الأفريقي المعاصر الذي نظمه المتحف في عام 1996 وضم أعمالاً فوتوغرافية عن أفريقيا. وكان لافتاً وجود أعمال كثيرة لمصورين أفارقة، عرضت إلى جوار الصور النمطية للمصورين الغربيين. طبق إينوزور فيما بعد فلسفته تلك في معارضه التي نظمها على نطاق واسع حول العالم، وأسهم في تأكيدها عبر محاضراته وكتاباته وتواجده الملموس والمؤثر على رأس العديد من الفعاليات وإدارة المؤسسات الفنية، ما ساهم في إعادة النظر في العديد من المفاهيم الفنية المرتبطة بتاريخ الفن على نحو عام، ودفعت أفكاره تلك فنون الهامش إلى احتلال مكان الصدارة في مشهد الفن العالمي.

المزيد من ثقافة