Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اتفاق "غامض" بين العراق والصين يثير جدلا في الوسط الاقتصادي

شبهات حوله كمشروع إيراني لكسر الحصار وزعماء ميليشات يصرون على وضعه وتنفيذه

حقل نفط مجنون في شمال مدينة البصرة العراقية على بعد حوالي 40 كم من الحدود الشرقية مع إيران (أ.ف.ب)

لم يكن من قبيل الصدفة أن تصدر مواقف متطابقة من زعماء الميليشيات العراقية المدعومة من إيران، تؤيد خطة حكومة رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي لتنفيذ اتفاقية اقتصادية غامضة مع الصين، لاسيما في توقيت يشهد إطباقاً أميركياً يكاد أن يكون محكماً على الاقتصاد الإيراني، على خلفية ملف طهران النووي.

شرط واحد يتكرر

وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، اقترنت مواقف زعماء الميليشيات العراقية الخاضعة لإيران بشأن تصورهم عن رئيس الحكومة الجديدة، بشرط واحد، تكرر على ألسنتهم جميعاً، وهو التزامه تنفيذ الاتفاق الاقتصادي مع الصين، ولكن ما هي ملامح هذا الاتفاق؟

بشكل مفاجئ، شكل رئيس الوزراء العراقي وفداً كبيراً، ضم معظم وزراء حكومته وحوالى 14 من بين 18 محافظاً، في 17 سبتمبر (أيلول) 2019، لزيارة الصين، تحت لافتة كبيرة، عنوانها: إنقاذ الاقتصاد العراقي!

أحيطت هذه الزيارة بالكثير من الجدل، لاسيما بسبب تزامنها مع تصعيد كبير في المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران على الأراضي العراقية، وما يتصل بذلك من إفراغ للسلطة التنفيذية وغيابها.

مؤامرة أميركية كبرى

روج محيطون بعبد المهدي معلومات عن توقيع اتفاقيات كبرى مع الصين تتعلق بإنشاء بنى تحتية جديدة في العراق وإعمار القديمة القائمة، بصيغة "الدفع بالآجل"، التي تقوم على بيع النفط للصين بأسعار تفضيلية لسنوات طويلة مستقبلاً، مقابل دخول شركاتها إلى العراق.

ولم تتوافر الكثير من التفاصيل عن هذه الصفقة، لكن كبير مستشاري عبد المهدي الاقتصاديين، مظهر محمد صالح، أقر بأن ما حدث في الصين هو مجموعة تفاهمات، تزيد قليلاً عن مضمون مذكرة تفاهم، لكنها أقل من أن تكون اتفاقية.

اللافت، أن بغداد سارعت إلى فتح اعتمادات مالية دولية، لتغطية كلفة تنفيذ الاتفاق مع الصين، من دون أن تجيب عن آلاف الأسئلة الداخلية التي تتعلق بتفاصيل هذا الاتفاق وطبيعته ومدة تنفيذه والشروط التي فرضت على العراق بسببه.

وكانت جميع هذه العوامل، حافزاً للجدل الداخلي، ما وضع الحكومة في موقف محرج، وبدلاً من أن تفسر الأمر بشكل علني، راح المقربون منها يربطون بين اتفاقية الصين وبين الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي انطلقت بعد حوالى أسبوعين على توقيعها، وتحديداً مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، مشيعين أن التظاهرات هي جزء من مؤامرة كبرى تديرها الولايات لإحباط الاتفاق الاقتصادي بين بغداد وبكين.

اتفاق سري بين بغداد وبكين!

وحتى الساعة، تحجم بغداد عن كشف أي تفاصيل مكتوبة أو موقعة تتعلق بهذا الاتفاق "الغامض"، لكن مستشاري عبد المهدي يؤكدون أن ما حدث في الصين سينقذ العراق من أزمة الخدمات المزمنة، في العديد من المجالات، لاسيما قطاع الصحة والطرق والجسور، وغيرها.

ولعل أبرز ما أثار انتباه المتابعين، هو حرص زعماء الميليشيات العراقية، خلال الشهر الماضي، على وضع الاتفاق مع الصين وتنفيذه من ضمن الشروط الواجب توافرها في رئيس الوزراء الذي سيأتي خلفاً لعبد المهدي الذي أطاحته الاحتجاجات.

وبدأ الأمر، من زعيم حركة "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، الذي أذاع من مخبأ سري يوم الاثنين 27 يناير (كانون الثاني) ستة شروط، يجب أن تتوافر في رئيس الوزراء الجديد، من بينها التعهد بتنفيذ الاتفاق مع الصين، من دون شرح الأسباب.

شروط زعماء الميليشيات

وقال الخزعلي، إن رئيس الوزراء المقبل يجب أن يكون مستقلاً "ولا ينتمي إلى أية جهة سياسية ولديه تجربة إدارية ناجحة"، وألا تكون "لديه جنسية ثانية، والأفضل أن يكون من عراقيي الداخل"، على أن تكون "لديه القدرة على فرض هيبة الدولة وبسط الأمن والقانون".

واشترط الخزعلي، وهو أحد أبرز المطلوبين للولايات المتحدة بسبب تهم تتعلق بالإرهاب وأخرى بالفساد المالي، على رئيس الوزراء الجديد أن "يتعهد بالالتزام بقرار البرلمان والشعب بإخراج القوات الأجنبية"، وأيضا بـ "تنفيذ الاتفاقية مع الصين".

بعد يوم واحد فقط، أعلنت كتائب "حزب الله"، التي أسسها نائب رئيس هيئة "الحشد الشعبي" أبو مهدي المهندس، قبل مقتله إلى جانب قائد فيلق القدس في "الحرس الثوري الإيراني" على يد الأميركيين في مطار بغداد في الثالث من الحالي، شروطها على رئيس الوزراء الجديد، من ضمنها تنفيذ الاتفاق مع الصين.

وفي الحالة العراقية، عندما تتفق "عصائب أهل الحق" وكتائب "حزب الله" على أمر ما، فإن المراقبين يأخذونه بمنتهى الجدية، نظراً لأن الفصيلين المسلحين يعبّران عن وجهة نظر إيرانية صرفة، بسبب علاقتهما الوثيقة بطهران.

حيلة من أجل نفط إيران

وبحسب مصادر مطلعة على تطورات المفاوضات بشأن اختيار رئيس الوزراء العراقي الجديد، فإن "زعماء الميليشيات طلبوا من رئيس الجمهورية برهم صالح، ألا يكلف أي مرشح بتشكيل الحكومة المقبلة، إلا بعد أن يوقع بخط يده على تعهد يلزمه بتنفيذ الاتفاق الصيني".

وتخضع إيران لعقوبات اقتصادية أميركية شديدة، تقيد حركتها ببيع نفط في السوق الدولية، في حين يمكن لاتفاق العراق مع الصين أن يسهم في حل جزء من هذه الإشكالية.

المصادر توضح لـ "اندبندنت عربية"، أن "هذا الملف إيراني بامتياز، ويتعلق بتصدير نفط طهران إلى الخارج"، مشيرة إلى أن "الاتفاق بين العراق والصين هو مشروع إيراني في الأساس، ويهدف إلى الالتفاف على العقوبات الأميركية على طهران".

كما تشير المصادر، إلى أن "إيران وجّهت زعماء الميليشيات العراقية بالضغط لتنفيذ هذا الاتفاق، لأنه يمثل غطاءً مثالياً لتصدير النفط الإيراني على أنه نفط عراقي"، موضحة أن "التفاهمات بين بغداد وبكين تستند إلى صيغة النفط مقابل الإعمار، لكنه لن يكون نفطاً عراقياً، بل إيرانياً".

وتضيف المصادر "في حال سريان هذا الاتفاق، سيكون جزء من النفط الذي تحصل عليه الصين لقاء عمل شركاتها في العراق هو إيراني المنشأ، على أن تقوم بغداد بتسديد ثمنه لطهران إما نقداً، أو من طريق تجهيز إيران بمواد تلزمها داخلياً".

وتقول المصادر، إن "العلاقة بين النفط الإيراني والاتفاقية الصينية، هي من تدفع زعماء الميليشيات العراقية باتجاه الإصرار على تنفيذها".