Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"مافيا الحليب" تطارد بسطاء الجزائر

سبب الأزمة من يقف وراء سرقة قوت المواطنين

جزائريون يصطفون في طابور طويل للحصول على "كيس الحليب" (اندبندنت عربية)

يستحضر مشهد المصطفين في طابور طويل للحصول على "كيس الحليب" في الجزائر، أزمة "العيش" في عدد من الدول الفقيرة، إذ يضـطر كثير من الجزائريين هذه الأيام للاستيقاظ فجراً لإتمام مهمة شاقة، كما يصفها الخمسيني كمال عبد الكريم لـ "اندبندنت عربية"، "أضطر للاستيقاظ يومياً في الساعة السادسة صباحاً للظفر بمكان في طابور يُتيح لي فرصة الحصول على كيسي حليب بسعر (ربع دولار)، وإلا سأكون مجبراً على شراء الحليب المعلب الذي يُعتبر سعره غالياً جداً، ويساوي الليتر الواحد حوالى نصف دولار".

وبحسب عبد الكريم، تستهلك عائلته ليترين من الحليب كل يوم، ما يتطلب تخصيص ميزانية (30 دولاراً شهرياً)، مع العلم أن متوسط الدخل الشهري للجزائري، لا يتجاوز 200 دولار، وهو مبلغ ضئيل لا تزال الطبقات العمالية تُنادي برفعه لضمان عيش كريم.

تقليد

وشرب الحليب بالنسبة للعائلات الجزائرية شيء مقدس، وقليلون ممن يخالفون هذا التقليد الصباحي الراسخ منذ قرون، يربطه البعض، وفق روايات غير مؤكدة، بفترة وجود الاحتلال الفرنسي بالجزائر (1830- 1962) الذي كرس بعض العادات الغذائية والأطباق، بينما يرى فيه البعض الآخر مصدراً للكالسيوم.

"لا أتخيل طاولتي من دون كأس الحليب"... بهذه العبارة تلخص إحدى السيدات عشقها لهذه المادة التي تُعد أكثر استهلاكاً في الجزائر بمعدل 150 ليتراً للفرد الواحد سنوياً، إذ تقول "كأس قهوة بالحليب مع حبة كرواسون كافية بتعديل مزاجي ومنحي القوة للقيام بأشغالي اليومية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مليار دولار

وترصد الحكومة الجزائرية غلافاً مالياً بقيمة مليار دولار، لاستيراد مسحوق الحليب، بحسب مصطفى زبدي رئيس المنظمة الجزائرية لحماية المستهلك، في وقت تضمنت الموازنة السنوية لعام 2020 مستويات مرتفعة من الدعم على الرغم من الأزمة المالية، قُدّرت بـ 17 مليار دولار. ويقول مصطفى زبدي إن الجزائر بلد له طابع اجتماعي، وسياسة الدعم مترسخة في منتجات عدة يأتي في مقدمها مادة الحليب.

ويعتقد عبد الكريم أن الغلاف المالي الموجة لاستيراد مسحوق الحليب (مليار دولار سنوياً) يجعل الكثير من الجهات تسعى للاستفادة منه في شتى مراحل التحويل والتوزيع، كمادة تستخدم في صناعة الألبان والأجبان وغيرها، وعلى هذا الأساس تُخلق أزمات الحليب في الجزائر من فترة إلى أخرى، يكون ضحيتها المواطن البسيط.

"المافيا"

وفي خضم النقاش الدائر حول "كيس الحليب"، صنعت تصريحات وزير التجارة الجزائري كمال رزيق جدلاً واسعاً في البلاد، بعدما توعد من سماهم "مافيا الحليب"، من دون تحديدها، وتأكيده بأن هذه الجهات الموجودة على ثلاثة مستويات (في القمة والوسط والأدنى)، هي سبب الأزمة ومن تقف وراء سرقة قوت الجزائريين.

وتوعد رزيق أمام وسائل الإعلام المحلية بالضرب بيد من حديد من يبيعون مادة الحليب بأسعار تفوق أسعارها المقننة باعتبارها مادة مدعّمة من جانب الدولة، وأمر بالغلق الفوري لأي ملبنة تُجبر التجار على شراء حليب البقر أو اللبن أو أي مادة أخرى، غير الحليب المدعم. كما أقر الوزير الجزائري بعدم وجود معلومات ومعطيات دقيقة حول مكان ذهاب الحليب، بينما تنتج بلاده 4.7 مليون ليتر حليب يومياً، وهو ما يكفي لتغطية كل مناطق الوطن، من دون الحاجة لرفع كمية الإنتاج.

"أزمة الحليب"

وخلفت تصريحات وزير التجارة الجزائري حول "أزمة الحليب"، ردود أفعال، إذ نفذ موزعو مادة الحليب إضراباً، وقال رئيس اللجنة الوطنية لموزعي الحليب أمين بلور، إن تصريحات وزير التجارة، حول "المافيا" غامضة وهي بحاجة إلى توضيحات، إذ لا يمكن وضع الجميع في سلة واحدة، منبهاً إلى أن اتهام كل الموزعين بسرقة المواطنين فيه جانب من الإجحاف، من دون أن يُنكر وجود موزعين يتحايلون في توزيع مادة الحليب.

ودعا بلور في تصريحات لـ "اندبندنت عربية"، الحكومة لإعادة النظر في هامش الربح وهو المطلب المرفوع منذ سنوات، بغية الحفاظ على مصالح الموزعين أيضاً، خصوصاً أن الكثير منهم اضطر لترك هذه المهنة بسبب قلة المردودية، كما طالب بفتح ملبنات جديدة، واستحداث هيئة رقابية لمعرفة مسار الحليب من مكان استيراده إلى غاية توزيعه.

أمام هذا المشهد الكاريكاتوري، لم يجد نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي غير التعبير عن هذا الواقع المرير بشكل هزلي، يُصور معاناة البسطاء مع كيس الحليب. ويحمّل هؤلاء الحكومة المسؤولية الكاملة باعتبار أنها غير قادرة على حماية هذه المادة الأكثر استهلاكاً من جشع من تسميهم بـ "المافيا".

ما الجدوى من استهلاكه؟

في الجانب الآخر، يعتبر من يقاطعون شراء كيس الحليب، أن شربه غير مفيد، إذ تؤكد السيدة سليمة وهي طبيبة بيطرية أن نوعية الحليب التي تباع في الأكياس البلاستيكية غير جيدة، بل عبارة عن ماء ملون بطعم الحليب، وفق وصفها.

وتقول "شخصياً لا أشتري لأطفالي حليب الأكياس وأفضل المُعلب على الرغم من أنه يُكبدني مبلغاً معتبراً من دخلي الشهري"، وفي السياق نفسه، يقول مصطفى زبدي رئيس المنظمة الجزائرية للمستهلك "صحيح مصالحنا تتلقى شكاوى حول الجودة، لكن هناك مقاييس تحدد نسبة المسحوق في كيس الحليب، إضافة إلى مخابر لفحص المواد المستهلكة، وعلى من يشكك في الجودة التقرب منها لردع المتحايلين من دون التعميم بأن كل ما يستهلك عبارة عن ماء بذوق الحليب".

عادة سيئة؟

في المقابل، يستغرب مصطفى خياطي رئيس اللجنة الوطنية لتطوير الصحة والبحث، غياب دور وزارة الصحة عن النقاش المثار حول استهلاك مادة الحليب، منبهاً إلى أن القانون الصادر عام 2008 يخول لها استعمال القنوات التلفزيونية الخاصة للتحسيس بضرورة الاستهلاك العقلاني لهذه المادة. وقال خياطي لـ "اندبندنت عربية"، إن "استهلاك الحليب عادة سيئة، لها أضرار أكثر من الفوائد، وعلينا إعادة النظر في نمط التغذية الصحية، لأن كل الأمراض المزمنة على غرار السمنة والداء السكري وضغط الدم ناجمة عن استهلاك مثل هذه المواد".