غسان مسعود يلجأ الى تشيخوف ليفضح وحشية البرجوازيات المزيفة

 البيت السوري حقيبة سفر في مسرحية "هوى غربي"

مشهد من مسرحية "هوى غربي" السورية (اندبندنت عربية)

برّر غسان مسعود غيابه عن التتويج في الدورة الحادية والعشرين لمهرجان أيام قرطاج المسرحية، بمواظبته منذ أربعة أشهر على بروفات عرضه الجديد "هوى غربي" عن نص ابنته لوتس مسعود. غياب المخرج والممثل السوري عن هذا التكريم بدا في انشغاله المزمن لتقديم عرض يسترد فيه نكهة مختلفة في استلهام ما كتبه الأديب الروسي أنطون تشيخوف في مسرحيته "بستان الكرز" قبل رحيله في يناير(كانون الثاني) 1904، فعبر رؤيا محلية لهذا النص يفتح "مسعود" الباب موارباً مع الحال السورية، منجذباً إلى تسويغ شكلانية مشهدية باذخة، سوف تتلاقى وتتنافر مع واقع السوريين في بلوغهم السنة العاشرة حرباً.

الأسرة التي تجد نفسها على مفارق طرق بعد عودة نسائها من باريس، وعلى رأسهنّ "هالة" (نظلي الرواس) تواجه العديد من الصدامات القاسية في بيع تركتها من الأراضي الزراعية، بحيث تتراكم ديون العائلة المنتمية بقوة إلى برجوازية ملفّقة، لا تلبث أن تعجز عن سداد مستحقاتها للبنوك، جراء تمسكها بنمط من المظاهر الكذابة. ففي مونولوغ جوهري لفضح زيف الانتماء للطبقة المخملية تسرد "مريم" (روبين عيسى) مرافعتها الساحرة بأداء استثنائي لهذه الممثلة، معريّةً الطبقة "الأوريجنال المضروبة"- كما تصفها.

من هنا نطل على ما طرأ من تناحر بين طبقات تنقرض، وأخرى أوجدها اقتصاد الحرب وأثرياؤها الجدد، لتتمثل في العرض بشخصية "شكرالله" التي لعبها بمهارة وخفة ظل الممثل الشاب لجين إسماعيل، إذ يصل هذا الأخير في النهاية إلى ما يشبه مقايضة للزواج من "مريم" ابنة العائلة التي رفضته قبيل الحرب، قبل أن تُذعن وتزوّجه منها، لتحل بهذا الزواج مشاكلها المالية المستعصية! كيف لا والصهر الجديد هو ربيب مافيات الحرب، وابنها المدلل، وسادن صفقاتها المشبوهة؟

بهذا المعنى يعيد عرض "هوى غربي" الصراع الطبقي إلى واجهة النقاش العام، بُعيد الأحداث التي انفجرت منذ مارس (آذار) 2011. القضية التي لا يرغب أحد في إثارتها أو المساس بها، فقلائل هم من يرون أن الصراع في البلاد بين فقراء وفقراء، يموّله أغنياء، وقلائل هم من يذكرون -ولو شذراً- انعدام وجود برجوازية وطنية في سورية. البرجوازية التي كان من الممكن أن تقوم بدور ضامن للمساواة والعدالة الاجتماعية هي ذاتها بقايا الإقطاعيات العثمانية التي جمعت أموالها من سرقة أثمان محاصيل القمح والقطن قبيل الاستقلال 1946، وهي ذاتها البرجوازية التي هرّبت هذه الرساميل إلى بنوك الخارج مع وصول الفلاحين إلى السلطة، وتسلم حزب البعث مقاليد السلطة في سورية عام 1963.

متتالية تاريخية سوف يشرّحها مسعود بهدوء في نمو برجوازيات متوحشة أثرت من نهب أموال القطاع العام، ولاذت هي الأُخرى بالفرار مع أموالها فور اندلاع أحداث العشرية الثانية من الألفية الثالثة. العرض الذي أنتجته "مديرية المسارح والموسيقى" يفتح الباب عريضاً على مساءلة صعبة ومؤلمة لا تلبث أن تفجّرها شخصية "العم رستم" (جمال قبش) بأداء خاص لهذا الممثل بعد ثلاثين عاماً من الغياب عن خشبة المسرح، فتطرح هذه الشخصية موديلاً مستعاراً عن أرستقراطيي الأرياف الروسية وملاكي الأراضي، في مقاربة بدت مشروعة على الرغم من اختلاف جوهري في تعاقب الأنماط الاجتماعية بين روسيا ما قبل ثورة 1905 والتي تم إجهاض تطلعاتها الاشتراكية، ومن ثم نجاح فلاحيها عام 1917 مع انتفاضة البلاشفة، وبين سورية التي فقدت مع سيطرة اقتصاد السوق الاجتماعي مطلع الألفية الحالية جزءاً كبيراً من مكاسب الاشتراكية البعثية، لتأتي الحرب وتُجهز على ما تبقى من حطام الطبقة الوسطى التي انحسرت في البلاد مع تحرير الأسواق، ورفع الدعم تباعاً عن الطبقات الفقيرة، وسيطرة العائلية المتنفذة على مُقدّرات الشعب.

من هنا ترفع مسرحية "هوى غربي" في مناخاتها التشيخوفية النقاب عن الخليط الاجتماعي المتشكّل في سنوات الكارثة، موازنةً بين القالب التراجيدي والكوميدي الساخر لشخصياتها التي تبدو ساكتة أكثر منها خرساء في نمو الصراع الصامت والعميق في ما بينها، وليتبدى التفكك الواضح في قلب العائلة، فيظهر الأخوة شرخاً كبيراً يضع الجميع على طرفي نقيض، كلاً من موقعه، حيث لا عزاء في الحب ولا في تنامي البغضاء التي راكمتها سنوات الاغتراب والجفاء والعزلة.

لحظة تاريخية

مخرج العرض حاول التقاط لحظة تاريخية معقّدة، معتمداً على سينوغرافيا اتخذت من البيت حقيبة سفر عملاقة. على الأقل هذا ما ظهر في الملصق الإعلاني للعرض. كأن نشاهد شخصيات المسرحية في أزيائها الرسمية السوداء وهي تجر خلفها حقيبة ضخمة بحجم منزل. هذه العتبة البصرية اتخذها مسعود في معالجة فضاء اللعب الذي تميز ببذخ الواجهات الفخمة للبيت الأقرب إلى قصر ريفي (صمم الديكور هاني جبور)، واستخدام كراسي البيت كحقائب سر. صيغة دعمتها إضاءة جلال شموط التي لعبت هي الأخرى دوراً جوهرياً في تهذيب الفضاء، وجعله منسجماً مع سطوع لونية هادئة ومتناوبة تبعاً لتطور الحدث وتفاقمه على الخشبة، ولتلعب الإضاءة دوراً هي الأُخرى في ما يشبه مونتاجاً للمناظر واللوحات وفق رتابة إعتامات متكررة توافقت مع موسيقى (نزيه أسعد) متكئةً هي الأخرى على أغنيات الفرنسية إيديث بياف كثيمة لها لنقلات رشيقة بين لوحات "هوى غربي"، إذ حافظ كل من مخرج العرض وكاتبته على مسافة من الحدث باتباع هذا التقطيع، وتكرار الإعتام بين مشهد وآخر، مع التعكيز على جيستات- (وقفات) مستعارة من سينما الأبيض والأسود.

لغة بصرية واظب عليها غسان مسعود منذ تقديم عرضه "كسور" 2000 عن نص "الشقيقات الثلاث" لتشيخوف، وفيه تبدو الحديقة الخلفية بأشجارها عبر نوافذ البيت التي تسيطر غالباً على عمق المسرح، وتتحرك الشخصيات في فضاء معقّم من رائحة البارود والدماء، مع الإبقاء على لمحات لطبقة مخملية تعيش عزلتها الباردة البعيدة من ضجيج المدن وتلوثها. هذه النزعة الجمالية في أعمال المخرج السوري حافظت على خطاب متوازن حمل هموماً تنويرية، ورغبة في إنكار القبح العام، والانزواء بين أشجار الديكور ونظافته المتناقضة في "هوى غربي" مع قسوة ما يحدث وبشاعته، لتنتهي المسرحية بإشارة قوية إلى تناحر أنظمة اجتماعية واقتصادية تنمو سرطانياً مع الهواء الفاسد، في لقاء قسري بين الدخان والثلج في خاتمة العرض؛ بين أغاني الموبايل الشعبوية وأناشيد النصر الفرنسية، بين كمان "روميو( مصطفى المصطفى) وكلاشنيكوف عبد الرحمن قويدر، حتى تبدو محاكمة الأخ "سيف سبيعي" بمثابة توبيخ لا بد منه، وفستان شقيقته الصغرى مي مرهج يشير إلى ما تبقى من عذوبة الحب المهدور في الأغاني الرومانسية. مرآة لصراع كرّس زمن السادة المندحرين، والعبيد (غسان عزب) الذين ينهون العرض بفتح شبابيك المنزل والسيطرة على الفضاء العمومي بين داخل ملتهب ومتعفن، وخارج بات يرسم الخرائط لإعادة الإعمار بدماء الضحايا والمقهورين. فهنا تبدو الحرب بمثابة "القابلة القانونية التي تولّد المجتمعات الحديثة من رحم المجتمعات القديمة" على رأي ماركس، لكن مع سيطرة جديدة للأجنحة العسكرية لعائلات المافيوز، والتحالف الضروري بين أرستقراطيي الأمس ولصوص اليوم، حيث تُشاد الفنادق والمنتجعات السياحية لتبييض الأموال وغسيلها من دماء لا تجف إلا بموت الماضي وكنسه من الذاكرة الجماعية.

المزيد من ثقافة