"جمال درير"... قصة نجاح كفيف جزائري أبصر بالإرادة

حصل على الدكتوراه وألف كتاباً ويعمل بشركة اتصالات

"الإعاقة في الفكر وليست في الجسد" (اندبندنت عربية)

"جمال درير"، هو واحد من ذوي الاحتياجات الخاصة الذين تحدوا إعاقتهم واستطاع أن يتفوق على أقرانه بعزيمة تملؤها الثقة في النفس والطاقة الإيجابية، فكانت النتيجة أن أبصر بالإرادة.

"الإعاقة في الفكر وليست في الجسد"، المقولة التي ترسخت في ذهن جمال صاحب الـ 32 سنة، فأثبتها في الميدان ليجني ثمارها تباعاً غير مكترث بالصعاب التي واجهته طيلة مساره التعليمي والمهني، وما أكثرها مثلما يقول.

تحدي الدراسة

كانت أول التحديات التي واجهها جمال كيفية الولوج إلى مقاعد الدراسة وهو أمر ليس بالهين على فئة ذوي الاحتياجات الخاصة التي لا تزال تُعاني التهميش ليس في الجزائر فقط وإنما بكل الأوطان العربية، خصوصاً المكفوفين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول لـ "اندبندنت عربية"، "ليس باليسير تلخيص مسيرة الحياة على الرغم من قصرها في أسطر، لكنني مررت بمراحل تتناسب في غالبيتها مع تسلسل المراحل التعليمية"، وفي تلك المراحل تنقل الشاب الجزائري، إلى مناطق عدة من الوطن لإكمال دراسته، فكانت البداية بدخوله الابتدائية بمسقط رأسه ببلدية البرج بولاية معسكر (تبعد 361 كيلومتراً من العاصمة)، قبل أن يتنقل إلى مدرسة شبان المكفوفين بولاية وهران غرب البلاد، ليواصل تكوينه في المرحلتين الابتدائية والتكميلية، ليعود مجدداً إلى مكان إقامته لمواصلة تعليمه الثانوي ويحصل على شهادة البكالوريا فيها.

يعترف درير "أول تحدٍ الدراسة في سنّ مبكرة بعيداً من الأسرة والبيت العائلي، ثم الاندماج في مقاعد الدراسة بالأقسام العادية بالمرحلة الثانوية، والحمد لله تم ذلك بسهولة نوعاً ما من طريق مساندة العائلة أولاً وكذلك الأساتذة والأصدقاء".

الطريق نحو الدكتوراه

تلك العزيمة قادت جمال إلى أن ينطلق في محطة أخرى من الحياة، وهي التكوين الجامعي والأكاديمي، فتنقل إلى مدينة أخرى وهي مستغانم غرب الجزائر، حيث بدأ مسيرته في جامعة عبد الحميد بن باديس (أحد علماء الجزائر)، هناك حصل على شهادة جامعية في علوم الإعلام والاتصال، وبالضبط في تخصص الاتصال والعلاقات العامة. بعدها حط الرحال في جامعة الجزائر، في العاصمة، حيث واصل دراسته وحصل على شهادتي الماستر والدكتوراه في تخصص الاتصال المؤسساتي بصفته فرعاً من فروع علوم الإعلام والاتصال.

وتنفس جمال درير السعداء، وهو يرى نفسه يجتاز المسيرة الجامعية "كان لديّ طموح منذ بداية مسيرتي في الجامعة للتميز في تخصص أحبه منذ الصغر والحمد لله بفضل الله، وبمساعدة مجموعة من الأصدقاء والأساتذة، مرت المرحلة الجامعية على أحسن ما يرام، بكل عراقيلها وصعوباتها، وانتهت بحصولي على درجة الدكتوراه".

العالم الافتراضي

لم يتفوق الشاب الجزائري في التأقلم مع المجتمع الواقعي بكل عراقيله وإنما اقتحم العالم الافتراضي بتعقيداته المتشعبة، ويقضي جمال ساعات طويلة على شاشة الكمبيوتر يتواصل بكل أريحية مع معارفه أو لتطوير مهاراته، حتى أنه سريع التفاعل وهو ما لحظناه في حديثنا معه.

يروي لنا "التطور الذي عرفته أنظمة الإعلام الآلي وإنتاج البرمجيات لم يكن مجرد مفتاح للنجاح بالنسبة إلي، بل هو فضاء للإبداع والتميز والتكيف مع صعوبات الحياة بالنسبة إلى الأشخاص المكفوفين عموماً"، "التكنولوجيا سمحت لي ومن طريق وجود برمجيات قارئات الشاشة التي تحول كل ما هو مكتوب على شاشة الحاسوب إلى كلام منطوق، باستغلال مختلف وظائفه وبرمجياته، بل أن عملي اليوم مرتبط ارتباطاً وثيقاً باستخدام الحاسوب".

وبرزت منذ ثمانينيات القرن الماضي مجموعة من هذه البرمجيات بعضها تطور باستمرار وبعضها اختفى عن الأنظار، وعلى الرغم من وجود برمجيات عدة عالمياً، غير أن البرنامجين الأكثر استخداماً والأكثر توافقاً هما برنامجا jaws وnvda.

جلّ هذه البرمجيات تعمل على تحويل ما هو مكتوب على الشاشة إما إلى صوت منطوق من خلال آلات النطق، وهذا الأكثر استخداماً، وتوفر هذه البرمجيات حلاً آخر، هو تحويل ما هو مكتوب على الشاشة إلى كتابة برايل تعرض من طريق أجهزة عرض برايل التي توصل بالحواسيب، لكن تبقى هذه الأجهزة أقل استخداماً في الوطن العربي.

إطار في شركة اتصالات

شقّ درير طريقه نحو النجاح بخطوات ثابتة، فاقتحم عالم الاتصالات، إذ يشتغل منذ حوالى خمس سنوات كمكلف بالاتصال بمديرية شركة اتصالات الجزائر الحكومية، في مدينته معسكر، حيث يحاول نقل تكوينه الأكاديمي ومكتسباته العلمية إلى خدمة المؤسسة التي يوجد فيها.

الشغل ليس بالأمر اليسير لعامة الناس ويزداد صعوبة لذوي الاحتياجات الخاصة لاعتقاد بعض المسؤولين، خصوصاً على المستوى المحلي، أن هذه الفئة غير قادرة على العمل والنشاط، وحصولي على المنصب في شركة الاتصالات، تم بعد محاولات عدة على المستوى المحلي ومن خلال المشاركة في مسابقات التوظيف والعراقيل الكثيرة التي واجهتها آنذاك، لأقوم بتقديم طلب عمل مرفق بسيرتي الذاتية للمديرية العامة لاتصالات الجزائر وتلقيت مساعدة واهتماماً من المستوى المركزي في المؤسسة، يضيف جمال.

إصدار أول كتاب

"أنا أؤمن إيماناً راسخاً بأن إثباتي للوجود داخل المجتمع لا يتوقف عند المساواة مع الآخرين لأني أرى أنه لا يوجد أي فرق بيني وبين الآخرين، لذلك أسعى دائماً إلى إثبات وجودي من خلال محاولة التميز سواء من خلال عملي داخل المؤسسة، أو من خلال نشاطي واهتمامي بالبحث العلمي"، "في هذا الإطار صدر لي منذ أيام أول كتاب تحت عنوان "الإدارة الإلكترونية: منظومة تقنية وبشرية متكاملة"، وقد صدر الكتاب في طبعته الأولى (2020) عن دار أسامى للنشر والتوزيع، ونبلاء ناشرون وموزعون، في الأردن ليضاف بذلك إلى مجموعة من المقالات العلمية والدراسات التي سبق أن نشرت في كتب جماعية ومجلات علمية".

يعالج الكتاب موضوع الإدارة الإلكترونية بصفتها منظومة تقنية وبشرية متكاملة، ويحاول الإجابة عن بعض التساؤلات، أهمها هل الإدارة الإلكترونية إدارة أم تكنولوجيا، وهل تشكل قطيعة مع ما سبقها من ممارسات إدارية أم هي استمرار لها، وما طبيعة علاقة مفهوم الإدارة الإلكترونية بغيره من المفاهيم كالأعمال الإلكترونية، الحكومة الإلكترونية، التجارة الإلكترونية...، كما يهدف الكتاب إلى إبراز دواعي التحول إلى بيئة الإدارة الإلكترونية مع تبيان أهم الخطوات والمراحل الواجب المرور فيها، والعناصر الأساسية التي ينبغي توافرها.

التهميش

لا توجد إحصائيات رسمية عن عدد الأشخاص ذوي الإعاقة بينما تشير الأرقام المتداولة إلى تعدي النسبة 1.5 مليون شخص، وللأسف، بحسب جمال درير، يبقى ذوو الاحتياجات الخاصة مجبرين على إثبات وجودهم داخل المجتمع وعليهم البحث عن فرص للعمل على الرغم من قلتها.

رسالة إلى الشباب

على الرغم من معاركه في الحياة، يؤكد الشاب جمال درير أن "الإرادة تبقى دائماً هي مفتاح النجاح وأن السعي إلى جزائر متطورة ومزدهرة يبدأ بتغيير قاعدي يبادر به الشباب وأفراد المجتمع عموماً، فالشاب هو أول لبنة للتغيير، متى تغيرت سلوكياتنا وامتلكنا الرغبة والإرادة، لا بد من أن نحصل على نتائج أفضل، ولذلك فإننا مطالبون بالعمل الجاد وامتلاك ثقافة العمل والإبداع الحقيقي مع الحرص على استغلال التكنولوجيات بالكيفية الناجحة والناجعة، فموضوع الإدارة الإلكترونية الذي اشتغلت عليه وتضمنه كتابي الجديد، يستلزم بالدرجة الأولى وجود عقول بشرية مستعدة للتكيف مع التحولات المطلوبة والمبادرة إلى توظيف التكنولوجيات المتقدمة لخدمة المجتمع".