المصريّ وشرطته في عيدها الـ68... علاقة معقدة تجنح إلى الاحتفال

بعد 9 سنوات على أحداث يناير 2011 تحظى بتأييد ودعم شعبي رغم انتقادات شديدة للأداء

مرت العلاقة بين الشرطة المصرية والمواطنين ما قبل وبعد 25 يناير 2011 بتحولات لافتة (حسام علي. اندبندنت عربية)

الجالسون في المدرجات يمين الملعب يعتبرون العلاقة الملتبسة خير دليل على أن شيئاً لم يتغير وأحداً لم يتعلم. والقابعون في اليسار بمدرجات الدرجة الأولى لا يفوّتون فرصة أو يتركون ثغرة إلا وملؤوها بهتاف "الشعب والشرطة يد واحدة". أما الرابضون في الدرجة الثالثة فمنهم من لسعته "شوربة" تسع سنوات من الفوضى والتهديدات، ثم الخطر وجهود الإنقاذ، وما اكتنف ذلك من تجرّع دواءات مُرّة وعلاجات قاسية، ومنهم من تربطه بها علاقة حبّ معقدة، ومنهم من عاد إلى خانة "ابعد عن الحكومة وغني لها".

"الحكومة" والحب الملتبس

"الحكومة" في العرف المصري الشعبي هي "الشرطة". والشرطة في العرف المصري الشعبي خليط متناقض من المحبة والكراهية، والتبجيل والتخويف، والنظر بعين الاعتبار وأخرى بارتعاب تجاه السلطة التنفيذية المختصة بنظام الأمن المدني والنظام العام، صاحبة الضبطية القضائية والسلطة التي أصبحت طاغية في أزمنة تاريخية متعاقبة.

جانب من "طغيان" سلطة "الحكومة" يعود في الموروث الثقافي المصري إلى المصريين أنفسهم الذين ينظرون إلى مرتدي البدلة الشرطية بعيون التمني، تمني الانتساب إليها أو الانتماء لها، وكذلك عيون التخوف من قدرات الهيمنة والسيطرة التي تظهر واضحة جلية، ليس فقط في بقايا يراها المتابع لتفاصيل الشارع، ولكن كذلك المشاهد للأفلام المصرية، القديم منها والحديث.

كائنات "نورانية"

الأفلام المصرية القديمة أمعنت وأسهبت في إظهار رجال الشرطة المصرية باعتبارهم كائنات "نورانية" تسير على قدمين. يحققون العدل، وينشرون الأمن، ويشيعون الأمان، ويضحون بحياتهم من أجل سعادة المواطنين، وينثرون مبادئ "ملائكية" في قسم الشرطة والشارع، وحتى في أماكن حدوث الجرائم.

وبدأت صورة الشرطة تهتز في العرف المصري مع التدهور الفعلي لمكانة رجل الشرطة. سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات شابها تحول الشرطة من خدمة القانون إلى خدمة رجال السياسة، وما يخفيه ذلك من قبول هدايا عينية ومالية، وما تبعه من اهتزاز الصورة وفقدان الهيبة، وأخيراً ما فجّره كل ما سبق من نزول البعض إلى الشوارع قبل تسع سنوات، غضباً من سطوة اعتبروها مفرطة واستعراض عضلات صنفوه جائراً وسوء استخدام سلطة لم يعودوا قادرين على تجرعها.

سنوات الانفلات

تجرّع المصريون الكثير في أعقاب أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، وضمن ما تجرعوه سنوات من الانفلات الأمني، والفوضى غير الخلاقة، وعاماً من الحكم الإخواني حاول خلاله الحكام "أخونة" الوزارات والسلطات بشكل أسفر عن نتيجة إيجابية كبرى، ألا وهي اصطفاف غالبية المواطنين مع الشرطة على طرف معارض واحد.

"لا أحد يمكن أن يعارض شرطة بلده أو يناصبها الكراهية، إلا لو كان خائناً أو عميلاً أو مجنوناً. لكن في مصر ما جرى هو أن الشرطة لحق بها نفس ما لحق المواطن على مدار سنوات حكم الرئيس السابق حسني مبارك من تدهور أخلاقي وسلوكي وتعليمي، ونظراً إلى أن الشرطة تختلف عن المواطن العادي في نوع وشكل السلطة المخولة لها، فقد تحولت من راعية للأمن وخدمة المواطن إلى راعية للأمن بحسب الطلب وخدمة نظام الحكم على حساب المواطن". الرأي الذي يعبّر عنه عمرو حسين، محاسب (35 عاماً)، يشاركه فيه كثيرون في مصر ممن يعتبرون تدهور منظومة الشرطة ولجوءها إلى العنف أحياناً وسوء استخدام سلطتها فيروساً ضرب المجتمع على مدار حكم مبارك.

علاقة متأرجحة

لكن علاقة المواطن المصري بالشرطة ظلت عصيّة على الوقوف على أرض ثابتة، مفضلة التأرجح بين هتافات بالغة القسوة ظل متظاهرون يوجهونها إلى الشرطة طيلة أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 وما تلاها من أشهر، ثم هرولة للاصطفاف معها إبان عام من حكم الإخوان، ثم "شهر عسل" طويل نسبياً بعد إسقاط حكم الجماعة، حيث تظاهر الشعب في حماية الشرطة، ثم امتداد لعلاقة الحب والمودة والامتنان لفترة ما بعد إسقاط الإخوان، ثم سيولة نسبية في تحديد ماهية العلاقة، حيث حب قائم للجهاز وقيمته، واحترام متوارث للبدلة الرسمية وما تمثله، لكن أيضاً معاودة مترددة للبعض لا سيما من صغار السن من عناصر الشرطة للزهو بـ"البدلة" على حساب المسؤولية، وعدم قدرة البعض الآخر من الأكبر سناً التغلب على شريط الذكريات المستحضر لمتظاهرين يهتفون ضد الشرطة مطالبين بإسقاطها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن بين محاولات الإسقاط والسقوط الفعلي خطاً فاصلاً ودرساً قاسياً للطرفين يبقى هو الحاكم في العلاقة بينهما. يظل الشرطيّ متذكراً، سواء عبر تجربته الشخصية، أو مستحضراً من خلال ما يُحكى وتسرده فيديوهات ما زالت على "يوتيوب" وحكايات على مواقع التواصل الاجتماعي، حجم الاحتقان الذي تسببت فيه سنوات من التعسف الشرطي وتمدد السلطة الشرطية خارج إطار القانون، وهو الاحتقان الذي أجّجه "الأدرينالين الثوري" وأشعله الاستقطاب السياسي، ومنه ما هو مخلوط بالدين في خلطة حريفة، ومنه ما هو خال من محسّنات الطعم ومكسبات النكهة، حيث السياسة الصريحة أو الحقوقية المباشرة.

الحقوقيون والنشطاء

السمعة السيئة للحقوقيين والجمعيات والمنظمات التي صُنعت في سنوات ما بعد أحداث يناير أسهمت إلى حد كبير في اصطفاف المواطنين على جبهة الشرطة متغاضين عن ممارسات سلبية هنا، أو تصرفات شخصية رعناء هناك.

تأسيس صورة ذهنية لدى المصريين بأن عبارات مثل "جمعيات حقوق الإنسان" أو "حقوقيون" أو "نشطاء" أصبحت مرتبطة بالعمالة والخيانة وتقاضي الأموال من الخارج من أجل هدم الوطن. وأسهم في ترسيخ هذه الصورة الذهنية جانب من هذه الجمعيات التي تبنت حقوق جماعات دينية بعينها، بالإضافة إلى عمليات التشويه الإعلامي الممنهجة للغالبية المطلقة من هذه الجمعيات والعاملين فيها.

ويشار إلى أن التقارير الحقوقية التي ظلت تتواتر عن خروقات الشرطة المصرية، وضرْبها عرض الحائط بحقوق الإنسان في مصر، قوَّت شوكة الاحتجاجات التي خرجت في 25 يناير وما تلاها من 18 يوماً. حتى شباب المدونين الذين خصصوا مدوناتهم لفضح ما سموه "ممارسات الشرطة القمعية والتعسفية" في أقسام الشرطة، والتي لاقت انتشاراً كبيراً وشعبية طاغية في السنوات القليلة التي سبقت أحداث يناير تحولوا في أعين الغالبية من المواطنين إلى عملاء وخونة ومتآمرين.

تقارب المواطن والشرطة

كل ما سبق أسهم بقدر كبير في التقارب بين المواطنين والشرطة، إن لم يكن مودة ومحبة وتقديراً واحتراماً، فدرءاً لأخطار العمالة وأهوال الخيانة وتهديدات التآمر التي غرقوا فيها.

محاولات التقارب بين الطرفين كانت تجرى على استحياء، أو ربما من باب سدّ الخانات وتلميع الواجهات قبل اندلاع أحداث يناير 2011. وفي عام 2008، صدرت الصحف اليومية تحمل إعلاناً غريباً يناشد المواطنين الاتصال برقم هاتفي لتسجيل مقترحاتهم بهدف تحسين العلاقة بين المواطن والشرطة. وبغض النظر عن الجمعية الغريبة التي اختفت فجأة كما ظهرت فجأة حاملة اسم "الشرطة والشعب لمصر"، فإن تعليقات المواطنين على الخبر قالت الكثير عن هذه العلاقة "لن ينصلح حال الشرطة إلا إذا انصلح النظام كله"، "هيبة المعلم انهارت حين قَبِل سيجارة مهداة له من طالب في الفصل، وكذلك الحال للشرطي الذي لم يقبل سيجارة، بل بادر بمدّ يده مطالباً بسيجارة ومقابل لإلغاء مخالفة وهدية للقيام بـ(خدمة غير قانونية)"، "لمن يسألون عن مقترحات، شاهدوا (هي فوضى) وستعرفون المرض وأيضاً العلاج".

"هي فوضى"

هو اسم الفيلم الذي ظهر في عام 2007  ليؤرخ درامياً لخروقات الشرطة ويحوز رضا الجماهير العريضة التي وجدته شديد الواقعية في حقبة ما قبل يناير 2011، وبالفعل قال الكثير. "حاتم" أمين الشرطة، الذي قام بدوره  باقتدار الفنان الراحل خالد صالح، جسّد القمع والرشوة والمحسوبية وتزوير الانتخابات ويد السلطة الطاغية الغاشمة وغياب كامل لدور "الشرطة في خدمة الشعب"، بل تحولها إلى "الشعب في خدمة الشرطة"، وهو ما ينتهي بثورة جماعية ضد "أمين الشرطة". 

وعُرِض الفيلم الذي كان مخصصاً للكبار فقط، لكن الجميع شاهده وعاشه. كما مرت أسابيع أحداث يناير وشهورها لتحمل مواجهات عنيفة بين الطرفين، وبعدها الانتخابات التي أتت بجماعة الإخوان لحكم مصر ومحاولاتها تفكيك الشرطة وأخونتها ودس عناصرها في هذا الكيان الحيوي. واندلعت تظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 ليرفع المتظاهرون ما تيسر من ضباط وجنود شرطة على الأكتاف هاتفين "الشعب والشرطة إيد واحدة" مطبقين مبدأ "أنا وأخويا المواطن على ابن عمي الشرطة، وأنا وابن عمي الشرطة على الغريب الإخواني".

دراما الشرطة

وبين "هي فوضى" ودراما سنوات ما بعد إسقاط الإخوان هوة سحيقة وفروق شاسعة. وتشهد دراما رمضان في السنوات القليلة الماضية أعمالاً متتالية تبجّل الشرطة وتجلّها وتكرّمها وتبيّض وجهها.

شاشات التلفزيون حيث مسلسلات رمضان التي يعاد بثها طيلة العام عامرة برجال شرطة في أدوار بعضها بطولة، والبعض الآخر يخدم السياق الدرامي. الشرطي الذي يخدم السياق الدرامي لا يستحوذ على الكثير من الاهتمام أو يستدعي جهداً للتحليل والتفنيد. حتى تلك المشاهد التي يبدو فيها المحقق أو الشرطي أو أمين الشرطة وهو يتعامل بفوقية أو غطرسة مع المواطنين، فإنها تمرّ مرور الكرام على اعتبار أنها تمثل واقعاً لا ينكره أحد أو شراً لا بد منه. أما الشرطي الخارق للطبيعة بقوته، المنافس لـ"سوبرمان" في خفته، المتفوق على كل من عداه من حيث الشهامة والجرأة والرحمة والإقدام والمثابرة والذكاء، فباتت سمة من سمات الدراما التلفزيونية.

البعض يرى أن صورة رجل الشرطة في الدراما المصرية أصبحت لا ينقصها سوى جناحين لترتقي إلى مكانة الملائكة. والبعض يرى أن الشرطة بالفعل، لا سيما بعد تجربة الإخوان المريرة، تستحق التبجيل وجهود تحسين الصورة.

شرارة الاشتعال

اليوم وبعد تسع سنوات من أحداث استُخدِمت في اندلاعها شرارة ممارسات الشرطة القمعية، واختير لإشعالها يوم عيد الشرطة المصرية في رمزية عميقة المغزى، تغيرت آراء المواطنين وتبدلت توجهاتهم. فالشرطة التي ما زالت بعيدة عن الشكل الأمثل لما يبتغيه المواطن، تحظى بتأييد ودعم شعبي جارف رغم انتقادات شديدة للأداء الذي ما زال بعيداً عن المأمول.

هذا التناقض في الموقف الشعبي يأتي رداً على استمرار جهود الاستقطاب، فهناك قناعة شعبية بأنه في ضوء ما جرى أثناء وبعد أحداث يناير 2011 من ضرب متعمد للشرطة ومحاولات تقويض قوتها وتفتيتها لأسباب سياسية وأغراض تمكينية لجماعات الإسلام السياسي، فإنه لا يجب أبداً السماح بإعادة الكرة.

قانون الاستقطاب، ولو كان من باب الدراما الرمضانية، يعبر عن نفسه كذلك عنكبوتياً، حيث يسخِّر البعض جهده للتغريد حول ما يصفونه بـ"المبالغة" الدرامية والشعبية في تمجيد دور الشرطة وإظهارها في صورة ناصعة البياض غير قابلة للخطأ أو السهو أو سوء المعاملة، وهو ما يتم الرد عليه عنكبوتياً أيضاً بهاشتاغات دعم الشرطة المصرية والاحتفاء بها في عيدها الـ68.

المظاهر الاحتفالية بـ25 يناير تخلت كلية عن الإشارة إلى أحداث تسع سنوات مضت. المطربون يغنون للشرطة في عيدها. "تحيا مصر عظيمة بلادي" أغنية جديدة تغنيها المطربة سمية وجدي، و"بسم الله" أغنية جديدة أنتجها قطاع العلاقات العامة والإعلام في وزارة الداخلية في هذه المناسبة. وعربات وأكشاك مبادرة "كلنا واحد" التي أطلقتها وزارة الداخلية لتوفير الأغذية بأسعار مخفضة تكثف جهودها في هذه المناسبة. وشاشات القنوات الفضائية تحمل شعار "عيد الشرطة الـ68".

أما المواطنون فهم بين غالبية محبة للشرطة حانقة على ما جرى في مصر قبل تسع سنوات حالمة ببعض من تحسين وكثير من تعديل في أداء هذا الجهاز الحيوي، وأقلية معادية للشرطة لديها نوستالجيا عمرها تسع سنوات وحالمة بمعاودة الكرة.