"جيم" رواية شخصيتن في رحلة انفصام داخل قطار

الجزائرية سارة النمس تقرأ الماضي في مرآة الواقع

الروائية الجزائرية سارة النمس (دار الآداب)

 

رواية "جيم" هي العمل السردي الرابع للكاتبة الجزائرية سارة النمس (دار الآداب) بعد روايتين اثنتين هما "الحب بنكهة جزائرية" و"ماء وملح"، ومجموعة قصصية واحدة هي "الدخلاء". وفيها تروي حكاية المتعبين الذين دفعتهم ظروفهم لارتكاب الذنوب، وسعيهم إلى التخفّف منها بالكلام عنها، فيفلح بعضهم، ويعود الآخر من الغنيمة بالإياب.

في العنوان، نشير إلى أن "جيم"، في اللغة، حرف هجاء، لكنّه، في الرواية، اسم البطلة وإحدى الشخصيتين المحوريتين اللتين تتجاذبان الأحداث، وقد أطلقه عليها والداها "جهاد" و"جنّات" اللذان يبدأ اسماهما بالحرف نفسه لتكون نقطة تقاطعٍ إضافية بينهما.

في المتن، تدور أحداث الرواية، بمعظمها، في الجزائر، وتتمظهر على المستوى الوقائعي في رحلة بالحافلة بين مدينتي وهران وتمنراست الجزائريتين، وفي علاقة زوجية قصيرة آلت إلى الانفصال بين شريكي الرحلة التي استغرقت عشرين ساعة. وتنفتح، على مستوى الذكريات، على العقد الأخير من القرن العشرين، والعقد الأوّل ونصف الثاني من القرن الحادي والعشرين، وتخوض في مسائل خاصّة وأخرى عامّة، تتجادل فيما بينها في إطار الفضاء الروائي.

في بداية الرواية، تجمع الصدفة الروائية بين الشخصيتين المحوريتين اللتين تختلفان، وتتقاطعان في نقاطٍ كثيرة. أمّا الاختلاف فيكمن، للوهلة الأولى، في الشكل والطبع والمضمون، ويتمظهر في فقر الأمين، بطل الرواية، ودمامة منظره، وانسحاقه، من جهة، وفي جمال جيم الوحشي، ودلالها، وتكبّرها، من جهة ثانية. وأمّا التقاطع فيكمن في أنّ كليهما غريبٌ، مذنبٌ، متألّمٌ، هاربٌ من ماضيه إلى زمن آخر يرتاح فيها من ثقل الذنوب، في حالة البطلة، أو هاربٌ من مكانه إلى مكانٍ آخر لا ناس فيه ليعاقب نفسه، كما في حالة البطل.  

يشكّل سقوط محفظة جيم في طريقها إلى الحافلة وعثور الأمين عليها بداية وقائعية للعلاقة الصعبة بينهما، حتى إذا ما جلس إلى جانبها في الحافلة تذيب هذه الواقعة بعض جليدها، ويأتي اعترافه بقتل والدته ليثير فضولها ويذيب البعض الآخر فتقرر الاستماع إلى حكايته حتى يتعبه الحكي ويتعبها الإصغاء، فيقرران تبادل الأدوار لتحكي هي ويصغي هو. وهكذا، تنمو العلاقة بينهما من الجليد إلى الدفء، خلال الرحلة، وتمر في محطّات من المشاركة والتعاطف والتفهّم، ما يتمظهر، ذات لحظة، في تأبّطها ذراعه ووضع رأسها على كتفه.

نحن إذاً إزاء حكايتين اثنتين، متشابهتين ومختلفتين في آن، تتمخّض كلٌّ منهما عن شخصية غريبة، مذنبة، متألّمة، يتيمة، هاربة من واقعها، تحتاج إلى اذُن تُصْغي لها، وذراع تتأبّطها، وكتف تلقي رأسها عليه، الأمر الذي يجده كلٌّ من البطلين في الآخر، على اختلاف درجة هذه الحالات بينهما. فيبدوان كمريضين نفسيّين يفضي كلٌّ منهما باعترافاته الخطيرة إلى الآخر لعلّه يتخفّف من ثقل الإحساس بالذنب. هذه العملية تتم في الرواية بالتعاقب بين الحكايتين بحيث يحكي هو في البداية وتعقبه هي بعد الانتهاء من حكايته، أو بالتقاطع بحيث تتسرّب شذرات من حكاية كلٍّ منهما إلى حكاية الآخر خلال قيامه بعملية الحكي. والمفارق، هنا، أن الأمين الذي كان يرزح تحت وطأة ما يعتبره ذنوباً ارتكبها ومعاناة عاشها يكتشف أن ما ارتكبه وعاشه لا يُعَدُّ شيئاً بالمقارنة مع حكاية "جيم" وذنوبها ومعاناتها.  

وقائع سردية

في حكايته هو، تطالعنا الوقائع الآتية: ولادتُهُ في يوم شاقٍّ على والدته في الأوّل من يوليو (تموز)، ذبحُ أبيه في العشرية الجزائرية، فقرُهُ الذي يتمظهر في بيع العلكة عقدة الموز ونبش القمامة والتسوّل، دمامةُ منظره، تعرّضُهُ للاغتصاب صغيرًا، تسبّبُهُ في موت رفيقيه في حادث سير، تلاعبُهُ بشابّة بريئة ما ادّى إلى انتحارها. ويكون ذنبه الأكبر حين يسرق مال أمّه الذي ادّخرته لإجراء عملية جراحية كي ينفقه على فتاة لعوب حتى إذا ما استعاد المال وعاد إلى أمّه يجد أنّ الموت قد سبقه إليها فيلازمه شعور مقيمٌ بالذنب.

 في حكايتها هي، تطالعنا الوقائع الآتية: ولادتُها في مدينة بجّاية في الأوّل من شهر مايو، رحلتُها في السادسة من العمر مع والديها إلى فرنسا، جمالُها الوحشي، تكبّرُها، تألّمها، غناها، يتمُها من جهة الأم في التاسعة، حماقاتُها الصغيرة المتراوحة بين التلصّص والتقبيل المدفوع الأجر والسرقة وتعاطي المخدّرات، تَبَلّدُ مشاعرها، تعرّضُها للتحرّش الجنسي من الأب الذي يرفض فكرة رحيل الأم ويرى في الإبنة بدلاً عنها، إفسادُه عقلها بإلحاده وتمرّده على المواضعات والإلهيات، ترجّحُها بين الإيمان والإلحاد، اصطحابُه إياها إلى جزيرة إسبانية ومشاهدتُهما علاقات شاذّة، وقوعُها في غرامه وغَيْرتُها عليه، اكتشافُها أنّ الأب يتردّد على طبيب نفسي، قيامُه باغتصابها بعنف، قيامُها بقتله والفرار من العاصمة الفرنسية بجواز سفر مزوّر إلى العاصمة الجزائرية ومنها إلى وهران حيث تلتقي بالأمين ويقومان برحلتهما المشتركة إلى تمنراست الصحراوية.

إلى هذه الوقائع والذكريات التي تشكّل الرحلة فضاءً روائيًّا لحدوثها واستعادتها، ثمّة وقائع أخرى تحدث لاحقًا، وتشكّل امتدادًا للأولى وتتمّة لها، دون أن تكون العلاقة بين الأولى والثانية سببية بالضرورة، بل هي خاضعة لمقتضيات الفن الرواي التي تتعدّى العلاقات المنطقية والسببية. وفي هذه الوقائع: زواجهما القصير بعد ممانعة منها بداعي أنّها لا تصلح للزواج. غير أنّ صمتها الدائم، وبرودها الجنسي، وفوقيّتها، وموقفها السلبي من الرجال، وانشغالها بصورة الأب، وحزنه على عدم فهمها، وغضبها على إلحاحه على الفهم، ذلك كلّه يؤدي بزواجهما إلى الانفصال، فتتزوّج ثانية من مديرها التركي، وتنتقل للإقامة معه في اسطنبول، حتى إذا ما أصيبت بمرض السرطان وشُفيت منه، يقوم الأمين بزيارتها، وهناك يقع على مفكّرة الأب التي تقدّم رواية أخرى مختلفة للحكاية. فالأب الذي دمّرها في حياته، وأفسد عقلها، وأصرّ على تدميرها بعد موته، من خلال ملازمة صورته لها، ويبدو جلاّدًا في حكايتها، هو ضحيةٌ في الحكاية التي كتبها في المفكّرة على شكل يوميات ورسائل يوجّهها إلى زوجته الراحلة. وفيها أنّها هي التي كانت تغويه وليس هو الذي كان يتحرّش بها، وأنّها لم تقتله بل هو الذي تركها وسافر بعيدًا عنها، ما يعني أنّنا إزاء شخصيتين منفصمتين عن الواقع، لكلٍّ منهما روايتها المختلفة عن الأخرى. فأيُّ الروايتين هي الصحيحة؟ ذلك ما لا تجيب عنه الرواية!

في الخطاب الروائي، تضع سارة النمس روايتها في ثلاثة أقسام تُسمّيها أسفاراً، وتضع لكلٍّ منها عنواناً فرعيّاً يشي بمضمون المادّة السردية التي يحتوي عليها؛ وانطلاقاً من هذه العناوين، تطغى على السِّفر الأوّل الاعترافات الخطيرة، ويعبّر السِّفر الثاني عن  خيبة الأمل، فيما ينطوي السِّفر الثالث على حكاية أخرى للوقائع من منظور مختلف عن منظور السِّفرين الأوّلين. ويتّخذ حجم الأسفار الثلاثة مسارًا تناقصيًّا، فيشغل الأوّل مائة وسبعاً وأربعين صفحة أي ما نسبته 69.5%، ويشغل الثاني خمساً وثلاثين صفحة أي ما نسبته 16.5%، ويشغل الثالث والأخير تسعاً وعشرين صفحة أي ما نسبته 14% من الرواية.

يتعدّد الرواة في "جيم" ويتداخلون، ويتوزّعون النص فيما بينهم؛ فيستأثر الأمين بروي السِّفر الأوّل، ويتناوب مع جيم على رواية السِّفر الثاني مع أرجحيَّة للثانية، ويقوم الأب برواية معظم السِّفر الثالث. وفي كلِّ سفر يحتوي الراوي الرئيسي راوياً آخر يطلّ برأسه بشكلٍ أو بآخر متدخّلاً في عملية الروي، الأمر الذي يضفي عليها بعض التنوّع. وإذا كان الروي في السِّفرين الأوّلين يتمّ بالصيغة الكلاسيكية المباشرة للأحداث، وهو ما تذهب إليه الرواية العربية بشكل عام، فإنّ السفر الثالث يتمّ بصيغة اليوميات المكتوبة في إطار رسائلي، ذلك أنّ هذا الأخير يشتمل على خمسٍ وعشرين يومية خلال سبع سنوات، أي بمعدّل ثلاث يوميات ونصف اليومية في السنة الواحدة، وفي هذه الحالة، أليس الأجدى أن نُطلِق عليها تسمية الحوليّات بدلاً من اليوميات؟ وبمعزل عن التسمية، يتراوح طول اليومية الواحدة بين سطرين اثنين، في الحدّ الأدنى، كما في اليومية ما قبل الأخيرة، وواحدٍ وتسعين سطرًا، في الحدّ الأقصى، كما في اليومية الأخيرة.  

وسواءٌ أكان السرد بالصيغة الكلاسيكية أو بصيغة اليوميات، فإنّه يتم بلغة روائية رشيقة، تغلب عليها الجمل المتوسّطة ما يمنحه السلاسة والطلاوة، ويأتي تأريخ بعض الوقائع ليوهم بتاريخية جزئية تضفي على النصّ الصدقية، وتحيل الأمثال الشعبية القليلة المستخدمة فيه إلى عالم مرجعي شعبي في جانب منه. بهذا الخطاب، وتلك الحكاية، تقدّم لنا سارة النمس رواية جميلة، رشيقة، سلسة، تستحقّ الوقت الذي يبذل في قراءتها.  

المزيد من ثقافة