هل ينحاز جونسون إلى أميركا أم أوروبا في أزمة إيران؟

مع بدء المحادثات التجارية واشتداد الأزمة الإيرانية تصبح مفاضلة بريطانيا بين أقرب حلفائها أكثر حدة

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ورئيس المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

افتتح بوريس جونسون أواخر الأسبوع الماضي فعلياً مفاوضات بشأن صفقة تجارية مع الاتحاد الأوروبي، إذ التقى أورسولا فون دير لاين للمرة الأولى منذ أن أصبحت رئيسة للمفوضية الأوروبية.

ورغم أن الجانبين يريدان انطلاقةً إيجابية للمفاوضات، فإن التوتر لن يكون بعيداً عن الواجهة. رفضت فون دير لاين اقتراح جونسون بأن يكون 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020 موعداً نهائياً لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وذلك لأن المهلة ستكون "قصيرة للغاية" كما قالت.

في هذه الأثناء، سيتمسّك هو بوعده بعدم تمديد الفترة الانتقالية، التي ستبقى خلالها المملكة المتحدة ضمن السوق الموحدة والاتحاد الجمركي، لذلك أتوقع إتمام صفقة تجارية على المواد الأساسية فقط، خصوصاً السلع، بحلول ديسمبر (كانون الأول) المقبل، ولا شكَّ أن ذلك سيكون في اللحظة الأخيرة، لكنني أعتقدُ أن الطرفين سيجدان طريقة لمواصلة المحادثات بشأن قضايا أخرى، دون تمديد فترة الانتقال رسمياً.

عبّر جونسون مجدداً، الأربعاء الماضي، عن رغبته في الابتعاد عن الاتحاد الأوروبي، بدلاً من العمل على التكيّف مع قواعده. إنه يؤمن حقّاً بالخروج عن صف الاتحاد الأوروبي، لكن خطابه القوي يوشك على الاصطدام بالواقع، والحاجة إلى ضمان تجارة دون عوائق للصناعات التحويلية.

إن مجموعات الأعمال، مثل "اتحاد الصناعة البريطانية" ليست هي التي ستمثل أقوى مجموعات الضغط على الحكومة، بل فرق جديدة من النواب المحافظين المنتخبين في الشمال والوسط. إنهم سيشعرون بتوترٍ شديدٍ في حال تبيّن أن هناك احتمالاً بإلغاء وظائف أو إغلاق مصانع السيارات والطائرات وغيرها من الشركات.

وكما حدث بشأن الحدود الجمركية في البحر الأيرلندي، سيحاول جونسون إخفاء هذا الاحتمال، لكن حاجة حزبه إلى التمسُّك بالناخبين الجدد من الطبقة العاملة ستدفعه نحو توثيق الروابط مع الاتحاد الأوروبي أكثر مما يتصور.

يفكّر جونسون حالياً بصفقة تجارية أخرى، هي تلك التي يسعى إلى إبرامها مع الولايات المتحدة، يحثه الوزراء على التفاوض حول هذه الصفقة بالتوازي مع المفاوضات التي يجريها مع الاتحاد الأوروبي، وذلك للضغط على بروكسل، رغم أن من المستبعد إحراز تقدم حقيقي في المباحثات مع الولايات المتحدة قبل أن ترى واشنطن ما طبيعة اتفاقية المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي.

سيأمل جونسون بشدّة أن تنخفض الحرارة في الشرق الأوسط بعد ضربات إيران الليلية على قاعدتين أميركيتين في العراق رداً على اغتيال قاسم سليماني، ويعلم رئيس الوزراء أن أي صفقة تجارية أميركية قد تكون في مهب الريح ما لم يقف بشكل تام مع دونالد ترمب في الأزمة الإيرانية.

ورغم العلاقة الشخصية التي تربطه بترمب، يدرك جونسون أن الرئيس الأميركي شخصٌ يصعب التنبؤ بأفعاله، ويمكنه تماماً أن يجعل المحادثات التجارية مشروطة بدعم المملكة المتحدة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، أو بقرار بريطانيا بشأن السماح لشركة هواوي، عملاق التكنولوجيا الصينية، ببناء شبكة الهاتف من الجيل الخامس 5G..

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تُذكّرنا الأيام القليلة الماضية بأنه غالباً ما يكون لدى المملكة المتحدة نقاط مشتركة أكثر مع جيرانها على شواطئ بحر المانش مما لديها مع حليفها الأقرب المُفترض على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي.

ويضطر قادة الاتحاد الأوروبي، شأنهم شأن جونسون، إلى تحقيق توازن صعب للغاية في علاقاتهم مع أميركا، وكما قال أحد الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي "إننا نمشي على حبل مشدود، من دون عصا توازن وبوجود حقل ألغام في الأسفل."

من الأهمية بمكان أن البيان المشترك، الذي صاغه بعناية إيمانويل ماكرون وأنغيلا ميركل وجونسون، لم يؤيد الهجوم الأميركي على سليماني. يشتد الموقف تصلباً، خلف الكواليس، في باريس وبرلين ضد ترمب، وهم يستعدون لإدانة واشنطن إذا ردّ ترمب على الرد الإيراني بقوة أكبر.

ولو حدث ذلك لواجه جونسون خطراً جسيماً هو السقوط من على الحصانين اللذيْن يحاول امتطاءهما. قد يسأله ترمب: "هل أنت معنا أم ضدنا؟"، ومن جهة أخرى، ستكون جهود جونسون مع فرنسا وألمانيا للحفاظ على ما تبقى من الصفقة النووية لعام 2015 تحت ضغط شديد.

لطالما روّج الدبلوماسيون والسياسيون البريطانيون صورة عن البلاد، باعتبارها جسراً بين أوروبا وأميركا. هذه الرؤية تحظى بطبيعة الحال بإعجاب أنصار البريكست الذين يحلمون بـ"بريطانيا عالمية" بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي. لكن الأزمة الحالية أضفت برودة على هذا الحلم.

إذن، إلى أي جانب سيقفز جونسون لو أُجبر على الاختيار؟ ستكون جاذبية واشنطن قوية إلى درجة ربما تصعب مقاومتها، لقد كانت قوية بما يكفي حتى على توني بلير، الأوروبي الهوى، وذلك عندما كانت الولايات المتحدة تستعد لغزو العراق في عام 2003، وفي وقت كان يمكن لأوروبا أن تقدم حلاً للخلاف.

إذا حدث ذلك مرة أخرى خلال المحادثات التجارية مع الاتحاد الأوروبي هذا العام، فستدفع المملكة المتحدة ثمناً على إدارة ظهرها لجيرانها. يريد الاتحاد الأوروبي أن تظل المملكة المتحدة في مداره الدبلوماسي، لزيادة نفوذها إلى أقصى حد في عالم تسيطر عليه الولايات المتحدة والصين.

وفي خطابٍ ألقته في كلية لندن للاقتصاد قبل اجتماعها مع جونسون، حثّت فون دير لاين الجيل التالي من البريطانيين على "اختيار التعاون على العزلة"، وكانت على صواب حين جادلت أن المملكة المتحدة ستكون مؤثرة أكثر على الصعيد العالمي إذا سارت في هذا الاتجاه، وأن النفوذ الجيوسياسي يُحقّق بالتأكيد المصلحة الوطنية.

وأضافت أن النموذج الأمثل لبريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي هو التعاون المعقول مع فرنسا وألمانيا بشأن إيران، دون الانجرار إلى السياسة الخارجية أو الدفاعية للاتحاد الأوروبي، أو إلى أوروبا ماكرون "الأكثر سيادية."

هكذا اكتشف جونسون في الأيام الأولى من "حكومته الجديدة" أن رئيساً فرنسياً آخر، وهو شارل ديغول، كان محقّاً في قوله: "ما الحكم إلا المفاضلة ما بين المساوئ".

© The Independent

المزيد من آراء