Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليبيا... فك الاشتباك!

فازت في الحرب العالمية الثانية بالاستقلال... فبماذا تفوز في الربيع العربي؟    

1-

كنتُ أتابعُ برنامجاً سياسياً على قناة دولية عريقة تبث بالعربية. حلقة البرنامج تدور حول المسألة الليبية، خاصة بلقاء موسكو الأخير بين المتحاربين الليبيين. المشارك الروسي في الحلقة استخدم مصطلح "فك الارتباط" أو "فك الاشتباك" ما شاع أثناء الحرب العربية مع الدولة الصهيونية عام 1973، المصطلح جاء عقب ما عرف بـ"ثغرة الدفرسوار"، عند تمكّن الجيش الصهيوني من خلق ثغرة في الجيش المصري، ثم احتلال أرض بمنطقة الدفرسوار في شرق مصر.

المُحلل الروسي نظر إلى القضية المطروحة للنقاش كمسألة عسكرية محضة، من ذا جاء استخدامه المصطلح. فالخصومة القائمة عند هذا المحلل تداخل جيوش، وهذا في الحقيقة ما تريد أطراف دولية وإقليمية وبالتبعية محلية أن تحيل إليه المسألة الليبية في وضعها الراهن، حتى إن الطرف الخاسر في المعركة العسكرية يطالب بالعودة إلى ما قبل 4 أبريل (نيسان) 2019، حين هاجم "الجيش الوطني" طرابلس العاصمة، وحاصرها وسيطر على أطرافها خصوصاً جنوبها، بفضل أنه جاء داعماً طرفاً ليبياً (في غرب البلاد)، "سكان ترهونة وورشفانة والزنتان وبني وليد"، من خاضوا الحرب منذ 2014 حتى 2018، ضد ما عُرف بتحالف "فجر ليبيا" بقيادة من مدينة مصراتة، هذا التحالف استولى على طرابلس بالقوة، وقد نجح في الشرعنة الدولية، لتموقعه على الأرض بـ"اتفاق الصخيرات"، ما رُفض من الأطراف الليبية الخصم، فجعل ذلكم طرابلس (العاصمة)، دار حرب منذ 2014 وحتى الساعة.

فك الاشتباك يَصحُ في المسألة الليبية عسكرياً بالضرورة، لكن يصح سياسياً أيضاً حيث الخصومة في الظاهر واضحة وجلية، لكن في العمق مشتبكة ومداراة، لأن الحرب في الحقيقة الدائمة التي تخص ليبيا وغيرها، نتيجة وليست سبباً، ومعالجة النتيجة مطلوب وملح، لكن على أساس قاعدة معالجة المُسببات، ما إن استبعدت بـ"الحل اللا حلّ" ما هو ساري المفعول في المسألة الليبية منذ أمد، وعلى أيدي الأمم المتحدة، وما يعني فك الاشتباك الحربي، أي إسكات المدافع لحين، كما حصل وقتئذ ما بين 2014 - 2018، وفي كل ذلك لم تكن المعركة الليبية حرباً جهوية بين غرب وشرق أو جنوب وشمال، كما في الحرب النيجرية بإقليم بيافرا في الستينيات، وكذا ليست حرباً أيديولوجية كما يسوق البعض، ولا تقاتل أهلي محض.

2-

ما زلت كما كنت، أؤكد على الوضع الدولي للمسألة الليبية، فمنذ الأيام الأولى لثورة فبراير (شباط) 2011، كتبتُ عن هذا الوضع بجريدتي "ميادين"، وأدليتُ به شفهياً من خلال مشاركات إذاعية تلفزيونية، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2011 من على منبر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، كمشارك في منتدى إعلامي حول الربيع.

إذا ليبيا مسألة دولية منذ مارس (آذار) 2011، فقرار مجلس الأمن (1973)، وما على السطح نتائج هذا التدويل، قد تكون على الأرض في ليبيا، ممكنات لمناوشات بين أطراف، لكن هذه الممكنات لم ينجح حتى معمر القذافي وهو المحنك ومالك سبل توظيفها في إشعالها، حيث مع هزائمه المُضطردة في فبراير (شباط) - أكتوبر (تشرين الأول) 2011، رضخ وطرح التقسيم، لكن مدينتي مصراتة والزنتان كانتا له بالمرصاد، فخاب ظنه، الآن يُعاد، الظن الخائب، عند أطراف كانت قد جعلت منه خائباً، وإن كان في صيغة التهديد والعويل.

إذاً، المسألة الليبية مسألة دولية، وأريد أن أُشرك القارئ، بمعطيات تاريخية، كخلفية لفهم وجه من أوجه التدويل هذا، فعند اقتسام إمبراطورية -الرجل المريض- العثمانية، تركت ليبيا حتى عام 1911، فكانت من نصيب إيطاليا الدولة المؤسسة في حينه 1830، ما من مسبباته فك الاشتباك بين الإمبرياليتين الكُبريين فرنسا في تونس والجزائر، وبريطانيا في مصر، لتندلع الحرب الكبرى الأولى 1914، فيعود الأتراك كحلفاء للألمان في تلك الحرب إلى ليبيا، وعبر مدينة مصراتة، أي في غضون سنوات كانت ليبيا مسألة دولية، عند بدء القرن المنصرم.

القرن العشرون، ما عند منتصفه عادت ليبيا مسألة دولية، حيث هذه المرة كانت ألمانيا حليفاً لإيطاليا، فاتخذتها جيوش المحور في الحرب الكبرى الثانية قاعدة، ضد جيوش الحلفاء بريطانيا وفرنسا في تونس والجزائر ومصر.

عند انتهاء الحرب الكبرى الثانية، باتت ليبيا معضلة دولية، روسيا كحليف للمنتصرين طالبت بالانتداب على ليبيا، كي تصل المياه الدافئة كالبحر المتوسط، أو كما قيل، وأيضاً إيطاليا المهزومة طالبت بالعودة إليها، لكن الدول المحتلة الأنجلو أميركية أرادت منحها الاستقلال، على الرغم من احتجاجات من فرنسا، المنهكة بحكم خروجها من حالة احتلال النازي لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فكانت ليبيا دولة الأمم المتحدة، التي منحتها الاستقلال بقرار أممي عام 1949، أول دولة مستقلة بقرار أممي، فأول مملكة حديثة في الشمال الأفريقي، قادها الملك إدريس السنوسي، من قاد أحد أتباع الحركة السنوسية، شيخ الشهداء عمر المختار، الحرب ضد المحتل الإيطالي، حتى الرمق الأخير، الشنق في 16 سبتمبر (أيلول) 1931.

هذا المعطى التاريخي، يكشف مُعطى مسكوتاً عنه، الجغرافيا ما هي المعضلة الليبية، مشتركها وتباينها مع جيرانها، في القارة وعلى البحر المتوسط، الجغرافيا الثروة، ما سمّاها الجغرافي المصري جمال حمدان "عبقرية المكان" قاصداً مصر، والثروة ما سمّاها صحافي ليبي نكبة ليبيا قاصداً بترولها. فالجغرافيا الليبية، الجامعة لليبيين منذ العصور القديمة، مقسمة لهم، والجغرافيا الصحراء النابذة للإعمار، جعلها المتوسط جاذبة للآخرين، فالغزاة منهم، منذ دولة الإغريق في "بنتا بولس" المدن الخمس في شرق ليبيا، والفينيق في "ثريبولس" المدن الثلاث في غربها، في القرن الرابع قبل الميلاد، فالخصومة الحدودية بينهما، ما أنتج أسطورة قوس "الأخوين فليني".

3-

المسألة تاريخية من حيث إنها ناتج الجغرافيا، ولكن في مرحلتها الحالية تخطت ذلك، وتخطت حتى أول مسبباتها، ثورة فبراير (شباط)، واندحار نظام فاشي، بدعم من "التحالف الدولي".

فهذه الأيام يعود البحر الأبيض مرة أخرى، البحر المتوسط الاستراتيجي، هذا مع تفاقم الوضع المحلي الليبي عقب ثورة فبراير (شباط)، في صراع على السلطة لم يتبين خيطه الأسود من الأبيض بعد.

عقب ثورة فبراير (شباط) انبثق المتوسط الثروة. فتداخلت الآن وهنا، المسألتان الليبية والمتوسطية في حروب بالوكالة، حروب مستشرية في المنطقة، قرناها الأبرز سوريا وليبيا، لذا فهما مسألة مشتبكة رغما عن التباينات، في الساعة روسيا وتركيا فيهما، يتناطحان ويتجاوران ويختصمان ويتفاهمان. والتبيان بين المحلي الساطع بين ليبيا وسوريا يخفي مشتركهما، فليبيا كما سوريا مسألة دولية، في سوريا مضاف، إلى "أردوتين/ أردوغان وبوتين"، الدولتان الدينيتان: إسرائيل وإيران، وفي ليبيا الدولتان اللاتينيتان: إيطاليا وفرنسا.

المتوسط في حرب ضروس، بعد تبين الكنز المرصود به، ثروة تُسيل اللعاب عند كل مقتدر، ولغير المقتدر الطمع في الفتات، هذا التطور في المسألة الليبية جعلها مسألة متوسطية، هي التي بالأساس مسألة دولية.

لقد نشأت ليبيا، دولة الأمم المتحدة، كناتج للحرب الكبرى الثانية، والساعة ليبيا، أزمتها المحلية ناتج الربيع العربي، تتفاقم كناتج لحرب متوسطية، لكن في المرة الأولى فازت بالاستقلال، فبماذا تفوز في الثانية؟

المزيد من آراء