Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الزوجان اللذان أدارا ظهريهما لملكتهما

بدا ظاهريا أنهما في حياة منعمة وحب مثالي، لكن هاري وميغان أرهقا بتوقعات مستحيلة

وصل هاري وميغان إلى صورة جماهيرية مرغوبة لكنها مثقلة بتوقعات حداثة فائقة (شيت شيت.كوم)

لقد ساد افتراض بأن تلك العلاقة ستعلن بداية تحديث النظام الملكي. بدلاً من ذلك، تحولّت قصة مليئة بالمشاكل عن الهوس بالمشاهير ووسائل التواصل الاجتماعي والاضطرابات العائلية. في 8 يناير (كانون ثاني) 2020، أعلن ميغان ماركل والأمير هاري أنهما سيتنحيان عن مكانتيهما كعضوين بارزين في العائلة المالكة، في خطوة صدمت العالم لكنها في الوقت نفسه لم تكن غير متوقعة على الإطلاق.

كتب الزوجان في بيان على صفحتهما الخاصة على موقع "إنستاغرام"، أنه "بعد أشهر عدّة من التفكير والمناقشات الداخلية، اخترنا أن ننتقل في السنة الجديدة إلى أداء دور تقدمي داخل هذه المؤسسة [العائلة الملكية]. نعتزم التنحي عن دورنا كعضوين "بارزين" في العائلة المالكة والعمل كي نصبح مستقلين مادياً، مع استمرارنا في تقديم دعمنا الكامل للمكلة صاحبة الجلالة".

لكن الأمور تعقدت بعد البيان بوقت قصير، عندما أصدر قصر باكنغهام تحذيراً علنياً لدوق ودوقة ساسكس [اللقبين الملكيين للأمير هاري وزوجته ميغان] يفيد "إننا نتفهم رغبتهما في اتباع نهج مختلف، لكن هذه القضايا معقدة وسيستغرق حلها وقتاً طويلاً". وعلمت "الإندبندنت" أن "خيبة الأمل" سيطرت على المزاج العام في القصر، بعدما ذكرت تقارير أن الملكة أو الأمير تشارلز لم يبلغا مسبقاً بهذا الإعلان الصاعق.

في الواقع، تعرضت تصرفات دوق ودوقة ساسكس إلى قدر كبير من التمحيص منذ البداية، من قِبَل معجبين ذوي نوايا حسنة وكذلك بعض المصادر التي لم تكن نواياها حسنة بالمقدار نفسه أحياناً وتتدخل بهدف نشر قراءات عن أسلوب حياتهما. لقد انتُقدا على كل شيء، بدءً من اختيارهما المحافظة على سريّة اسم الأب الروحي لابنهما آرشي هاريسون، إلى الطيران على متن الطائرة الخاصة بإلتون جون، إضافة إلى التشهير بـميغان علناً في إحدى المرات بسبب تناولها حبة أفوكادو. وبعدما هرب الزوجان إلى الجانب الآخر من العالم لقضاء عطلة عيد الميلاد مع والدة ميغان، عثرت وكالات التصوير على الزوجين المنعزلين ونشرت لها صوراً ملتقطة من الجو أظهرت مكان وجودهما، في حادثة قيل إن أفراد العائلة المالكة انزعجوا منها بشكل خاص.

مَنْ كان يستطيع التكهن بأن موعداً غرامياً من دون معرفة سابقة دبّره صديق مشترك في يوليو (تموز) عام 2016 سيؤدي إلى واحدة من أكثر العلاقات شهرة على مر العصور؟ بعد ثلاث سنوات من لقائهما الأول، ذكرت ميغان في لحظة مصارحة خاصة خلال مقابلة مع توم برادبي على قناة "آي تي في" في 2019، إن أصدقاءها البريطانيين حذروها من أن الصحافة الشعبية البريطانية "ستدمر حياتها" إذا اختارت ملاحقة هاري. كان من الواضح في ذلك الوقت أن الافتتان والعداء اللذين فرضهما العالم وصلا حداً لا يطاق، بفضل تأثير وسائل التواصل الاجتماعي والتغطية الإخبارية التي لا تكل على مدار الساعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ربما توجّب على الثنائي أخذ فكرة عما سيواجههما لاحقاً عندما أجبرا على الإعلان عن علاقتهما في 2016 عبر بيان يتعلق بتهم بالتحرش وسوء المعاملة وُجّهتْ إلى ماركل التي كانت صديقة الأمير هاري آنذاك. وذكر البيان الصادر عن قصر كنسينغتون أنه جرى "تجاوز للحدود"، في إشارة إلى العنصرية والتمييز الجنسي، وكذلك المتصيدين عبر الإنترنت. وكان ختام البيان مؤثراً، إذ أورد أن "هذه ليست لعبة... إنها حياتها وحياته".

على الرغم من استمرار تدفق مزيد من الصحافة الصفراء بشكل خفي في الأشهر التالية، إلا أن خطبة الثنائي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 وزفافهما الذي تلا ذلك في مايو (أيار) 2018، منح نوعاً من التفاؤل بأن البلاد قد تتبنى طريقة جديدة في فعل الأمور. شاهدت الجماهير الأسقف الأميركي مايكل كاري يلقي كلمة مستوحاة من كلمات [القس الأميركي المناهض للعنصرية] مارتن لوثر كينغ، وبينما كانت الملكة والأمير فيليب يستمعان إلى جوقة كنسية من لندن تغني "ستاند باي مي" للمغني الأميركي بن إي كينغ بين جنبات مذبح كنيسة "سانت جورج". وأظهرت صور حفل الزفاف والدة ميغان، دوريا راغلاند، أثناء احتلالها موقع الصدارة في الغرف المذهّبة في قصر باكنغهام.

لكن الأمر لم يستمر على هذا النحو. وفي الأسابيع التي أعقبت حفل الزفاف، بدأت تتنشر من جديد قصص عن والد ميغان المُبعد توماس ماركل، وقد تتناولها الصحافة أسابيع عدّة. وأبقت القصص شهية الجمهور المفتوحة على الدراما العائلية، الجدال مستمراً لمدة أطول بكثير من المتوقع. وحدثت متابعة عالمية من قِبَل أشخاص شعروا بأنهم "يعرفون" الزوجين لأن ميغان كانت مألوفة بالنسبة لهم عِبْرَ ظهورها على الشاشة أثناء عملها ممثلة في السابق، وكذلك هاري لكونه ابن أميرة القلوب [ديانا]، وشعر الجميع بأن لديهم ما يضيفونه.

وبحسب كلوديا جوزيف، كاتبة ومعلقة متخصصة في الشؤون الملكية، "أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي تتحمل الملامة... إذا قرأت التعليقات حول ميغان على "تويتر"، يمكنك معرفة سبب رغبتها في الهروب".

في مايو 2019 ، أقالت "هيئة الإذاعة البريطانية" المقدم الإذاعي داني بيكر بعدما نشر تغريدة، بالتزامن مع وضع ميغان مولودها الأول، تتضمن صورة الزوجين ممسكين بشمبانزي يرتدي بزّة. وجاء في التعليق المصاحب للصورة، "الطفل الملكي يغادر المستشفى". وقدّم المذيع اعتذاراً مؤكّداً أنه لم تكن لديه نوايا عنصرية في التغريدة.

 

حتى في التغطية الإعلامية الإيجابية لأخبار الزوجين، استُخدِمَتْ لغة تحمل معان مشفرة ملفتة. لقد وُصفا في كثير من الأحيان بأنهما "حديثان" بطريقة جعلت كثيرين يشعرون أنها تلميح إلى الخلفية العرقية لميغان. وكذلك تعرضت دوقة سيسكس إلى الدرجة القاسية نفسها من التمييز الجنسي الذي لاحق قبلها كيت ميدلتون، دوقة كامبريدج، في بداية علاقتها مع الأمير ويليام.

إذ جرت الإشارة إلى ميدلتون على نطاق واسع بوصفها من "عامة الناس"، وخلال الأيام الأولى من مواعدتها الإبن الأكبر للأمير تشارلز، التُقطت لها صورة لها تظهر فيها وقد ارتدت ثوباً شفافاً في عرض أزياء خيري للطلاب، وقد ملأت الصورة الصفحات الأولى للصحف آنذاك. في مقلب آخر، بدت ميغان موصومة بصفة المُطَلّقة كدليل على أنها "لا تستطيع الالتزام"، كما أن عمرها جعل خصوبتها موضع استفهام بشكل علني. وكذلك جرت الإشارة إلى أن جنسيتها الأميركية كأنها تعني تعرضها بشكل دائم لمقارنات مع الأميركية واليس سيمبسون، زوجة إدوارد الثامن التي كانت سبباً في تنازله عن العرش.

ومن الأمور التي لا تنسى، تمثّلت الطريقة التي عمد بها أحد العروض الكوميدية على القناة الثانية لـ"​​بي بي سي"، تحت عنوان "ميغان ماركل... الألق الملكي"، إلى  تجسيد الممثلة على أنها بذيئة وعنيفة. إذ جعلها تصرخ في مرحلة ما من العرض، "ابقي بعيدة عن ذيل ثوب زفافي اللعين يا كيت أو سأقطعك إرباً".  أشار العمل إلى أشاعات تتحدث عن كون ميغان "صعبة المراس" و"وضيعة" لأنها كانت تتساءل عن بعض حيثيات البروتوكول الملكي كما قيل. وكذلك جرى لفت الانتباه إلى سخافة الادعاءات بأن الممثلة السابقة جعلت دوقة كامبريدج تبكي. لا يتوقع من الناس، خصوصاً النساء، أن يعترضوا على الطريقة الملكية في إنجاز بالأمور. وسرعان ما تحولّت الهمسات المتحدثة عن تمرّد ميغان، أصواتاً محافظة مزمجرة.

صحيح أن ميغان وهاري لم يتبعا البروتوكول الملكي بنفس صرامة كيت وويليام. ومع ذلك، كانا ملتزمان به إلى حد كبير. ومثلاً، عمدت ميغان إلى التخلي عن عملها وحذفت حساباتها على وسائط التواصل الاجتماعي بعد إعلان ارتباطها بالأمير. وظن كثيرون أن عليها العيش في قفص ذهبي كي تصبح من الأسرة الملكية. ويبدو أن ميغان أدركت ذلك مبكراً، وعبّرت عن استيائها حياله علناً.

 وعلى نحو مشابه، دابت الملكة مع كونها شخصية محبوبة حتى من قبل أعتى الجمهوريين، على الحديث دوماً عن "الواجب" وأهمية التمكّن من الوظيفة التي يُمنحها المرء. وبدا أن ويليام وكيت كانا ثنائياً يشارك الملكة العقلية نفسها.

في الحالات كلها، لم يندمج هاري وميغان، بوصفهما الأمير الذي كان دائماً يثير الجدال وشريكته الهوليودية، بالسهولة نفسها [التي كان عليها ويليام وكيت] في هذه التركيبة. إذ تحدّى بيانهما الذي صدر أخيراً حول السعي إلى "الاستقلال المالي"، كل النظام الذي عاشت فيه العائلة المالكة قروناً. وكذلك أوردا [هاري وميغان] إنهما سيظلان عضوين في العائلة المالكة. وفي المقابل، إذا كانا سيعيشان في بلد آخر ويتقاضيان أجراً لا يأتي مباشرة من دافعي الضرائب البريطانيين، وذلك ما يبدو أن الأمر سيكون كذلك بحسب إشارتهما، فسيكون من الصعب تخيّل كيف سيبقيان ضمن العائلة المالكة.

 

لا يمكن للمرء أن يلوم الزوجين على رغبتهما في الاستقلال المالي. إذ تكمن الحقيقة في أن دافعي الضرائب يمولون الحياة المترفة لأفراد العائلة المالكة، ما يعني شعور الجمهور دائماً بأن من حقه انتقاد خياراتهم. لقد اندلع غضب كبير حول أموال دافعي الضرائب التي أُنفقت على تجديد عزبة "فروغمور كوتيج" لمصلحة ميغان وهاري في بداية زواجهما، على الرغم من أرقام أظهرت أيضاً أن تكلفة تجديد ممتلكات ملكية أخرى لمصلحة ويليام وكيت، بلغت أكثر من ضعفي تلك الأموال. وكذلك راجت إشاعات حول وجود خلاف بين الأخوين، وادعاءات بأن كيت وميغان لم تنسجما سوية. ولم تصب تلك الإشاعات في مصلحة الثنائي ميغان وهاري.

في سياق مماثل، يمكن اعتبار أن بعض الانتقادات التي وُجّهت إلى الزوجين كانت في محلها. ويشمل ذلك مثلاً أنهما دافعا عن استخدام وسائل صديقة للبيئة في السفر  قبل أن يسافرا في رحلات عدّة على متن طائرات خاصة (إحداها تلك التي ذهبا فيها على متن طائرة خاصة يمتلكها المغني الشهير إلتون جون الذي دفع تعويضات عما أنتجته الرحلة من كربون، لكن الضرر الذي لحق بالعلاقات العامة للزوجين كان قد حدث بالفعل). وفي سياق مشابه، نشر الزوجان صورة جديدة لإبنهما على وسائل التواصل الاجتماعي في اليوم نفسه الذي أطلق فيه الأمير وليام مبادرة جديدة لمكافحة التغير المناخي. وزاد الطين بلة أن كثيرين فسروا إشارة هاري إلى أنه وميغان اختارا عدم إنجاب أكثر من طفلين انحيازاً منهما إلى مصلحة البيئة، على أنه غمز من قناة أخيه.

في محاولة منهما إعادة التواصل مع الجمهور خلال جولة استمرت 10 أيام في جنوب إفريقيا، قرر ميغان وهاري توظيف الصحافة لمصلحتهما. وتشاركا في مقابلات شخصية كشفا خلالها عن "معاناة" عيش المرء حياة ملكية تحت المجهر باعتبار ذلك أمراً من شأنه أن يؤثر على صحتهما العقلية، وذلك جانب كانا يناصرانه جهاراً. في المقابل، اعتُبر ذلك الأمر إلى حد كبير بمثابة سعي إلى استثارة بعض التعاطف من الجمهور. رأى البعض أن من النفاق اختيارهما مقاضاة بعض المراسلين بعد انتقادهما تأثير وسائل الإعلام على حياتهما.

لم تكن خطوة مغلوطة بالكامل، لكنها شكّلت استراتيجية لم تؤتِ ثمارها بالطريقة التي توقعها الزوجان. إذ تساءل البعض عن الكيفية التي يفترض أن يتعرّف الناس بواسطتها على معاناة الزوجين فيما هما يعيشان براتب يبدو غير محدود يحصلان عليه من الملكية، وكذلك يقضيان وقتيهما غارقين في امتيازات هائلة.

في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 ، بعد أكثر من ثلاث سنوات من أول بيان علني له، أصدر هاري بياناً آخر دافع فيه عن زوجته زاعماً أنها تعرضت لمزيد من الإساءة. ووفق كلماته، "لا أستطيع أن أبدأ في وصف كم كان الوضع مؤلماً"، مضيفاً أن علاقتهما كانت ترزح تحت نير "دعاية لا ترحم".

لم يخضع الأمير هاري وميغان ماركل إلى تدقيق مكثف فحسب، بل توقع الجمهور البريطاني منهما أموراً مستحيلة كأن يبقيا مخلصين لمؤسسة ملكية تقليدية للغاية مع منحها دماً جديداً في الوقت نفسه. اتّسمَتْ التوقعات بأنها شديدة التطلّب وغير منصفة أبداً، خصوصاً في عصر وسائل التواصل الاجتماعي التي لا تنام. وفي النهاية، ثبت أن الأمر فوق طاقتهما وطاقة الشعب البريطاني.

© The Independent