Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المرحلة الانتقالية في اليمن (8)

انتقال مركز الثقل والقرار السياسي من صنعاء إلى صعدة... ودخول البلاد مرحلة الإعياء

لم يكن الرئيس هادي يدرك مخاطر تساهله وعدم اتخاذ الإجراءات لسد الثغرات (أ.ف.ب.) 

كان اختيار خالد بحاح لتشكيل ثاني حكومة في المرحلة الانتقالية مفاجئاً، إذ إنه قدِم من خارج الطبقة السياسية ولم يكن له نشاط سياسي معروف ولا تجربة كافية في عمل الدولة، عدا فترتين قصيرتين في وزارة النفط. ولم يمر وقت طويل حتى أعلن في 7 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 عن تشكيلته الحكومية التي كانت هجيناً من أسماء لم تمارس العمل الإداري والسياسي قبل ذلك، وأخرى لا تمثل وزناً سياسياً أو اجتماعياً، وضمت قلة ذات تمثيل حزبي باهت. كما أن عدم اعتراض "أنصار الله" على ترشيحه أثار حينها أسئلة كثيرة حول أسباب قبولهم به.

وبحسب رواية عددٍ من الذين حضروا الاجتماع الذي طُرح فيه اسم بحاح، فإن الرئيس هادي اتصل به في نيويورك وسأله إن كان سيقبل، فاشترط أن يسمع موافقة مباشرة من "أنصار الله"، وهو ما فعله ممثلهم في الاجتماع، صالح الصماد، الذي كان قد عُين ضمن فريق مستشاري الرئيس كممثلين للأحزاب والقوى السياسية.

حكومة الكفاءات... وعقوبات مجلس الأمن

أطلق بحاح على تشكيلته صفة "حكومة الكفاءات"، وظن أنه من خلالها سيكون قادراً على تجاوز المناخ السياسي المضطرب الذي كان سائداً، لكنه لم يضع حساباً للأحداث المتسارعة لعدم معرفته الدقيقة بالتضاريس السياسية اليمنية، وتعقيدات العمل في أجواء من الشك وتبادل الاتهامات، وتهرُّب العديد من القيادات من المشهد والاكتفاء بالمتابعة من دون اتخاذ موقف واضح إزاء ما يدور.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا أدري إن كان في الأمر مصادفة أم ترتيب مسبق، إذ ما كاد خالد بحاح ينتهي من إعلان تشكيلة حكومته، حتى كانت لجنة العقوبات في مجلس الأمن قد أعلنت قرارها الأكثر جدلاً في تاريخ اليمن والأكثر تأثيراً على مجمل الأحداث التي حصلت بعد ذلك، وفرضت فيه عقوبات على الرئيس الراحل علي عبد الله صالح والقائد العسكري الحوثي عبد الله يحيى الحكيم (أبو علي الحاكم) وعبد الخالق الحوثي (شقيق زعيم جماعة أنصار الله).

حددت مبررات قرار اللجنة أن علي عبد الله صالح يمارس أعمالاً "تهدد السلام أو الأمن أو الاستقرار في اليمن من قبيل القيام بأعمال تعرقل تنفيذ اتفاق 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011 المبرم بين حكومة اليمن والمعارضة، وينص على التداول السلمي للسلطة في البلاد، وفي أعمال تعرقل العملية السياسية في اليمن"، واتهمت صالح بأنه "يعكف على زعزعة الاستقرار عن طريق الاستعانة بجهات أخرى من أجل تقويض الحكومة المركزية وزعزعة الاستقرار إلى حد يهدد بحصول انقلاب".

لا بد أن هذا القرار الذي صنف الرئيس الراحل في خانة واحدة مع قائدين عسكريين من جماعة "أنصار الله" غيَّر الكثير في مجريات الحياة السياسية، لكنه في المقابل حقَّق رغبة أكيدة لدى الرئيس هادي، فقد وضع به قيوداً على حركة وتنقلات وأموال رئيسه السابق، بعد أن كان قد تخلص من اللواء علي محسن الأحمر، قبلها بأقل من شهرين، معتقداً أنه بذلك سيتمكن من الإمساك وحده بمساعدة مبعوث الأمم المتحدة جمال بنعمر، والسفير الأميركي، بكل خيوط اللعبة الداخلية، خصوصاً أن الحكومة كانت غير ذات وزن سياسي قادر على ترجيح أي كفة تميل إليها.

اليمن يدخل في حالة فراغ

لقد أدى اقتحام الحوثيين العاصمة في لمح البصر ثم قدرتهم على التحكم في قبول أو رفض رئيس الحكومة، إلى ارتفاع شهيتهم في الحصول على حصة تتناسب مع كميات السلاح الذي يمتلكونه ويجيدون استخدامه. وفي المقابل كان الرئيس وحكومته غير قادرين على مواجهة الموقف ولا يمتلكون دراية كافية بأسلوب التعامل معه، وابتعدت قيادات الأحزاب عن المواجهة واختفت قيادات الجيش والأمن، ودخلت البلاد في حالة فراغ لم تشهدها في تاريخها منذ قيام الجمهورية، في ظل قيادة ضعيفة تعتمد كلية في وجودها على المساندة الخارجية، خصوصاً أن الأحزاب التي دعمت هادي للوصول إلى الحكم كانت قد بدأت البحث في صيغة جديدة للشراكة في سلطة.

ما بعد الاستفتاء

وخلال العامين اللذين أعقبا الاستفتاء على اختيار هادي رئيساً انتقالياً كانت الممارسات تشير إلى أن المرحلة الانتقالية لا يمكن أن تنتهي في الموعد المنصوص عليه في "المبادرة" و"الآلية"، فقد تأخر البدء في أعمال مؤتمر الحوار الوطني، وجرى استنباط تفسير جديد للزمن، فتحوَّل من فترة محددة بالوقت إلى فترة محددة بإنجاز مهام، كان واضحاً أنها لن تتحقق في زمن معقول يسهم في انتقال سلس وانتخابات آمنة.

وسيطر التوتر على الأجواء وزادت هشاشة السلطة وارتباكها في صنعاء، وتعطلت الأعمال الطبيعية في المؤسسات الرسمية، وأصبحت العاصمة منقسمة في تبعيتها وغابت القوات المسلحة،

وعلى الرغم من أن الراحل عبد الكريم الإرياني كان أحد أربعة صاغوا "اتفاق السلم والشراكة الوطنية" ووصفه بأنه "اتفاقية عظيمة تحل كثيراً من الملابسات وتضع القضايا في نصابها"، فإنه عاد في نفس المقابلة الصحافية التي أجرتها معه صحيفة "26 سبتمبر" في شهر ديسمبر (كانون الأول) 2014 قبل مغادرته الأخيرة من اليمن، ليصف الوضع بأنه "شاذ بكل ما في الكلمة من معنى، لأن هناك دولة بهياكلها ووزاراتها ومؤسساتها لا تحكم، وهناك فئة سياسية جديدة على المسرح هي التي تتحكم".

مرحلة الإعياء

ما قاله الإرياني كان توصيفاً دقيقاً لا تخطئه العين المجردة، إذ كانت البلاد قد دخلت مرحلة الإعياء، لأن الرئيس هادي لم يكن يدرك مخاطر تساهله وعدم اتخاذ الإجراءات لسد الثغرات وبناء تحالفات وطنية بعيداً عن المحاصصة وتوزيع المغانم. وإذا كان المدافعون عن الرئيس يقولون إنه كان عاجزاً عن تحريك وحدات الجيش، فإنه تردد ولم يصارح الناس بالموقف، وكانت حساباته ضيقة للغاية وواقع تحت وهم أن الدعمين الإقليمي والدولي قادران على إعادة ضبط المشهد الداخلي لصالحه. وهكذا استكانت القوى السياسية للواقع الجديد وخضعت لمفردات الحاكم الفعلي الجديد من شمالي البلاد، وواصلت التقرب إليه وإلى ممثلي القوة الجديدة، وانتقل مركز الثقل والقرار السياسي من صنعاء إلى صعدة، ولم يقاوم أحد ولم يحتج أحد، وصمت الجميع.

وتوالت أخطاء الرئيس هادي وابتعاده عن المتابعة المباشرة واكتفائه بتحركات مدير مكتبه أحمد بن مبارك، الذي كان يتعامل مع الموقف بطريقة أكاديمية بعيدة عن الواقع، ولم يكن يمتلك الدراية الكافية بتعقيدات التركيبة السياسية والقبلية. وواصلت القيادات الحزبية البحث عن تسويات تضمن لها موقعاً في المشهد المقبل، وكان مدهشاً أنه في الوقت الذي كانت العاصمة وقعت تحت نفوذ الحوثيين، كان فريق كامل يعمل في أبو ظبي لإعداد مسودة الدستور الجديد كما هو منصوص عليه في المبادرة الخليجية والآلية التنفيذية، ليبدو المشهد متناقضاً بين اللجوء إلى السلاح للحسم، والعيش على أمل إنجاز تاريخي.

المزيد من آراء