Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف خرج الحريري ودخل دياب؟

تراجع ملموس لغطرسة حزب الله أوضح تعابيرها زيارة ديفيد هيل الهادئة

رئيس الوزراء اللبناني المنتهية ولايته سعد الحريري ورئيس الوزراء المكلف حسان دياب (أ.ف.ب)

الاستنتاجات القاطعة قد تكون أخطر ما يُمكن إطلاقه على ما آلت إليه الأمور في لبنان بعد شهرين ونيف على اندلاع انتفاضة الـ17 من أكتوبر (تشرين الأول) ضد تحالف السلطة الحاكمة.

غيَّرت الانتفاضة كثيراً من الوقائع التي كان مجرد التفكير في زحزحتها ضرباً من الخيال:

1- واصل اللبنانيون الثائرون على سياسة التعليب الطائفي عملهم المشترك في الساحات والشوارع وأمام المؤسسات الحكومية والإدارية، في تظاهرات واعتصامات وتحركات ضاغطة من أجل تغيير فعلي في السياسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، والإتيان بحكومة من ذوي الأيدي النظيفة تتخذ تدابير جدية في مكافحة الفساد ومحاسبة أثرياء النظام.

2- فشلت أحزاب السلطة، وفِي مقدمتها حزب الله وحركة أمل، لدى لعبها دور أداة قمع رديفة، في ترويع المنتفضين في ساحات بيروت، الذين تعرَّضوا لهجمات مباشرة، وأحرقت خيام المعتصمين منهم أكثر من 18 مرة.

كما فشل الثنائي المذكور في محاولاته المتكررة لمنع المواطنين المنتمين إلى الطائفة الشيعية من التظاهر والتحرك كجزء من تظاهرات الشعب اللبناني، فصمدت احتجاجات صور والنبطية وكفر رمان وبعلبك والهرمل إلى جانب احتجاجات المدن والقرى اللبنانية الأخرى.

وفشلت محاولات توحيد الشيعة قسراً، بالهتاف الشهير: (شيعة... شيعة)، أو بالعصا والهراوة، بهدف تأبيد الولاء لقيادة مكشوفة الانتماء والولاءات، لا تُلقي بالاً لمصائر الناس في حياتهم ومستقبلهم.

3- تحوَّل مطلب حكومة الاختصاصيين المستقلين الإنقاذية، إلى مطلب لا يمكن القفز فوقه أو تخطيه.

وكان رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، الأوَّل من بين أركان السلطة في مسارعته إلى تبني هذا المطلب. ومنذ تقديمه استقالته وحتى عزوفه عن الترشح لولاية أخرى، كرر أكثر من مرة تبنيه مطالب الانتفاضة، وكان ذلك جزءاً من عمليات الشد والتجاذب بينه وركني السلطة الآخرين: الثنائي الشيعي والتيار الوطني الحر، حزب رئيس الجمهورية.

فضّل حزب الله بقاء الحريري على رأس حكومة سمّاها (تكنو سياسية)، لاعتقاده بأن الرجل هو الأقدر على توفير غطاء لحضوره في الحكم، وعلى مخاطبة العالم من أجل دعم الخطط المُفترضة لانتشال لبنان من أزمته.

وقيل إن الـ"حزب" تساهل إلى حد الطلب من حليفه التيار الوطني عدم المشاركة في الحكومة، إلا أن مجريات الساعات الأخيرة قُبيل اختيار رئيس جديد للحكومة، أظهرت للحريري أنه سيُسمى بأصوات ضئيلة، من دون ضمان النجاح في تشكيل الحكومة التي يريدها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهنا فشل حزب الله في الاحتفاظ بغطاء سياسي أكثر من ضروري في ظروفه الراهنة، ودفع الحريري ثمناً، ولو مؤقتاً، لم يكن مستعداً له، بإبعاده أو ابتعاده عن الحكم.

4- لخروج الحريري تفسيران، الأول أن هذا الخروج هو انتصارٌ للمحور السوري الإيراني الممانع والمعادي منذ البداية الحريرية السياسية. وهذا التفسير يجد من يتبنّاه في صفوف الانتفاضة الشعبية.

والثاني، أن الحريري منع بالوسائل "النيابية الملزمة" من إكمال سعيه إلى حكومة يتفق عليها مع "الثنائي" ورئيس الجمهورية ميشال عون.

ويستطرد أصحاب هذا التفسير في القول إن "الضغط الأميركي على إيران وامتدادا حزب الله لن يتوقف"، وعلى حزب الله أن "يتحمّل المسؤولية عما وصلت إليه البلاد من انهيار"، والعلاج هو في الوصفة التي قدمها "مؤتمر باريس، وتبنتها الإدارات الغربية من واشنطن إلى العواصم الأوروبية".

وفِي السياق يصبح ابتعاد الحريري أو إبعاده طبيعياً، فإذا كان حزب الله وحلفاؤه مسؤولين عن الأزمة فليتحمّلوا نتائجها وليجدوا سُبل حلها.

5- خَرَجَ الحريري فجِيء بالدكتور حسان دياب وزير التربية في حكومة "الممانعة" الأولى برئاسة نجيب ميقاتي (2011)، خلفاً له مكلفاً من 69 نائباً هم الأكثرية النيابية التي أعلن اللواء الإيراني قاسم سليماني فوزه بها غداة الانتخابات النيابية اللبنانية في مايو (أيار) 2018.

تعامل الحريري مع الرجل بمرونةٍ واحترامٍ، رغم تظاهرات الرفض التي نظّمها مناصرو تيار المستقبل، وانهمك داعمو دياب بابتداع السيرة التي ستجعله نقطة تقاطع أميركية إيرانية، فتم التركيز على صفته كنائب لرئيس الجامعة الأميركية في بيروت، وشطح الخيال ببعضهم إلى تذكّر مساهمته في تأسيس جامعة ظفار في سلطنة عمان (2014 - 2016)، للقول بأن الرجل جزءٌ من عملية إيرانية - أميركية تتوسطها عمان كوسيط على خطوط التوتر اللبناني!

6- في هذا المناخ حلّ مساعد وزير الخارجية الأميركية ديفيد هيل في بيروت، التقى الجميع ممن يلتقيهم المسؤولون الأميركيون عادة، في أجواء من الود والصداقة.

غابت خطابات التنديد بزيارة المبعوث الأميركي الأعلى مرتبة منذ زيارة الوزير بومبيو في أبريل (نيسان) الماضي. كان الدبلوماسي المتقاعد جيفري فيلتمان استحق تظاهرة معادية لكلمة ألقاها في واشنطن، أمّا في حالة هيل فلم يتحرّك حزب الله أو أيٌّ من المتناغمين معه لقول كلمة تمس مشاعره، حتى إن بعض من تحمَّس لتظاهرة على طريق المطار، صرف النظر عن محاولته تلك من دون تفسير أو تبرير يقدمه لـ"جماهيره" المتأهبة.

7- قالت صحيفة "واشنطن أكزاماينر" الجمهورية المحافظة في تحليل مُقتضب لنتائج زيارة هيل إلى بيروت إن "إدارة ترمب أوصلت الرسالة الصحيحة إلى بيروت".

وفِي الخلاصات التي أوردتها الصحيفة أن دياب "كلّف بدعم من حزب الله وفرقاء مسؤولين عن الأزمة الخانقة"، أما الموقف الأميركي فيقوم على "دعم إصلاحات تستجيب إلى مصالح الشعب اللبناني ومطالب انتفاضته"، فإذا كان رئيس الحكومة شجاعاً "فسيستحق المساعدة الأميركية"، وإلا فإن غيابها سيكون سببه إيران وحزب الله.

وفِي خلاصة أخيرة، ترك الأميركيون وقبلهم المجتمعون في باريس، حسم الاتجاه في لبنان إلى الشعب اللبناني، وهو ما تحاول الانتفاضة أن تحققه، رغم سيول المذهبية والمناطقية والقمع السلطوي الذي يتآكل لكنه لم يستسلم.

المزيد من آراء