Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان... عندما تجبر السلطة على مشاهدة شعبها يحتفل بالاستقلال

"لو ملكوا ذرة احترام لأنفسهم لاستقالوا جميعاً"

اهتزت ثقة المواطنين بمؤسساتهم الدستورية وبمكانة دولتهم التي تحولت محميات مذهبية (أ.ف.ب)

 للمرة الأولى في لبنان، جلس أركان السلطة في منازلهم ليتابعوا عبر شاشات التلفزة احتفال الشعب اللبناني بذكرى استقلال بلاده.

في السنوات السابقة، جرت العادة أن يلزم المواطن منزله لمتابعة احتفال رسمي يحضره قادة الدولة وعدد من الضيوف، وتم ذلك في تقليد سنوي قلما جرى خرقه، ويحضر الرؤساء مع خلافاتهم ومناكفاتهم المزمنة، فتتركز عليهم الكاميرات، لالتقاط ابتسامة أو عُبوس يتحولان لاحقاً حديثاً عاماً تكتنفه الاجتهادات والتأويلات.

وابتعد اللبنانيون عن عيدهم الوطني، وصار جيشهم مشهداً فولكلورياً، وحلت على الشاشات في مناسبات متلاحقة صور "جيش" آخر هو ميليشيا "حزب الله" الذي سعى للظهور كمؤسسة رديفة وموازية لذراع الدولة وأداة الشرعية.

وعلى مدى عقود، أجبر المواطن على تلقي المشهدين: سلطة متناحرة تستعرض مؤسستها الأمنية، وحزب مسلح يستعرض ميليشياته وسط الأحياء السكنية في عرض للقوة بوجه الدولة ومواطنيها.

وسادت هذه الحالة منذ نهاية الحرب الأهلية والتوصل إلى اتفاق الطائف الذي أرسى تقاسماً جديداً للسلطة جعل من "حزب الله" دولة داخل الدولة شرعتها بيانات حكومية ابتدعت الصيغة الشهيرة القائلة بثلاثية "الجيش والشعب والمقاومة".

وضمن هذا المثلث، نما نظام الفساد وتآكل دولة القانون، فاهتزت ثقة المواطنين بمؤسساتهم الدستورية وبمكانة دولتهم التي تحولت محميات مذهبية يتسلط عليها أركان الطوائف، وتتحكم بها ميليشيا تعلن في كل مناسبة ولاءها للدولة الدينية في إيران، فتراجع معنى الاستقلال وتراجعت معه مقومات العيش الكريم، وفقد الشباب أمله في مستقبل لائق لتصبح الهجرة منفذاً وحيداً.

وكانت الهجرة من خصائص اللبنانيين طوال القرن الماضي، وتحولت تهجيراً في زمن الحروب والاقتتال الداخلي، وفِي ظل نظام الفساد الميليشياوي القائم، باتت سعياً إلى عيش كريم وأمان فردي، وليس غريباً أن تتحدث الإحصاءات عن 12 مليون لبناني أو من أصل لبناني ينتشرون في أصقاع الأرض، منهم ثلاثة ملايين في الولايات المتحدة الأميركية يشكلون حوالى ثلث عدد أفراد الجاليات العربية فيها.

ومسّت انتفاضة اللبنانيين الراهنة هؤلاء المهاجرين في الصميم، وللمرة الأولى، رأينا الآلاف منهم يتحركون في شتى مدن العالم رافعين الشعارات والمطالب نفسها التي يحملها أهلهم في المدن والقرى اللبنانية.

وجاءت ذكرى الاستقلال الـ76 في خضم الانتفاضة على سلطة الاستبداد المافياوي الميليشياوي، فاستعاضت تلك السلطة عن الاحتفال التقليدي الذي اعتادت إقامته كل عام في وسط بيروت، باحتفال رمزي داخل أسوار وزارة الدفاع، وألغت الاستقبال الرسمي في القصر الجمهوري حيث يقف رؤساء الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة جنباً إلى جنب لتقبل تهاني المهنئين من شخصيات عامة ودبلوماسيين بالعيد الوطني.
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت تلك التدابير اعترافاً صريحاً بالعجز عن القيادة وعن تقديم الحلول في سياق انتفاضة شعبية مستمرة منذ شهر ونصف الشهر، لكن المنتفضين أظهروا في المقابل عزمهم وثباتهم، فحولوا ساحات بيروت إلى عرس شعبي، وللمرة الأولى في تاريخ بلدهم استرجع الاستقلال نكهته الشعبية.

واستعرضت الانتفاضة أفواجها وسط جماهير فرحة وواثقة بالمستقبل، واكتسب عيد الاستقلال بعده الحقيقي كخلفية ثابتة لثورة اللبنانيين، فحواها أن تحقيق المطالب بحكومة نزيهة تسترجع سيادة دولة القانون، لا يستقيم من دون استقلال حقيقي، وأن استقلال الدولة لا يعني شيئاً إذا بقيت البلاد موزعة بين الميليشيا وأتباعها.

هذه السنة اضطر أركان الدولة المرفوضون للبقاء في منازلهم ليشاهدوا حضور الشعب في شوارع بلده، وكثيرون علقوا: لو ملكوا ذرة احترام لأنفسهم لاستقالوا جميعاً.

المزيد من آراء