Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خان الصابون في طرابلس... عبق التاريخ وسحره

يجذب السياح الأوروبيين ويحمل أسرار خلطات خاصة

منذ خمسة قرون يصمد خان الصابون في طرابلس، ليقدم شهادة على استمرار الحياة في مدينة تاريخية عريقة. يحتضن هذا المكان الساحر ذكريات كثيرة، وصناعة النظافة التي تتطلب مهارة كبيرة وحرفية. ويعتبر هذا الموقع خاناً نموذجياً عن عشرات الخانات الموجودة في مدينة الفيحاء وتحتاج إلى الترميم.

تشير إحدى اللوحات عند مدخل خان الصابون أنه بُني في نهاية القرن الخامس عشر، أي في مرحلة نهاية العهد المملوكي وبدء التوسع العثماني. هذه اللوحة كافية للفت نظر الزائر إلى أن تجربة فريدة في انتظاره. يتألف الخان من باحة واسعة تتوسطها بركة عظيمة، وعلى حوافها المرصوفة بالحجارة تتوزع مجموعة من المحال التي تحتضن حرفة "صناعة الصابون"، وفي الطابق العلوي مجموعة من الأقواس التي تتقدم مجموعة كبيرة من الغرف.

تشهد المنتجات التي تملأ الخان على حقبتين، حقبة الأصالة وحقبة الحداثة. ففي زاوية ألواح صابون زيت الزيتون، وعلى مقربة منها صابون الغار. وفي زاوية أخرى تتدلى عقود الصابون، وتجاورها سلال الصابون الممتلئة بـمنحوتات لا يمكن للوهلة الأولى تمييزها عن قطع الفاكهة الطبيعية.

لا يتردد الحرفيون الطرابلسيون في التأكيد على أنهم ما زالوا يحافظون على تقاليد الأجداد، وهم يستخدمون الزيوت الطبيعية والعطرية إلى جانب النباتات والزهور المجففة. ويدخل العسل والمواد الخام المقطرة في مكونات الصابون العرائسي الطرابلسي الذي لا تقتصر منافعه على النظافة بل إلى الفوائد العلاجية.

أغلى صابونة

لم تتوقف قائمة المنتجات عند النطاق الضيق للصابون، ويتغنى هادي الأبرش أحد حرفيي خان الصابون بقدرة الحرفيين الطرابلسيين على الاستمرارية والتجديد. فقد نجح أبناء عاصمة الشمال في الحفاظ على سر المهنة أباً عن جد، وإنما أدخلوا إليها كثيراً من الزيوت وعطور الشرق الساحر من خشب الأرز واللافندر والعنبر.

في خان الصابون في طرابلس أغلى صابونة في العالم، فهي عُجنت بغبار الذهب، وتوجت بقوس "شرف، تضحية، ووفاء"، عبّر من خلالها أهل الخان على محبة أبناء المدينة التي تُحب الجيش اللبناني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتجاوز هذه الصابونة واقع كونها أداة لنظافة الجسد، إلى الكشف عن قدرة الخلق لدى الحرفي الطرابلسي وتحديث صناعة تتوارثها الأجيال منذ مئات السنين. ودمج المواد العطرية مع معدن الذهب. لم يتوقف التجديد عند إدخال بعض المواد إلى التركيبة التقليدية، وتجديد شكل الصابونة من خلال الحفر عليها أو تشكيلها وتنويعها بكافة ألوان الحياة. وخلال السنوات الأخيرة، تم التركيز على إستراتيجيات حديثة في التغليف الفني والترويج الإعلاني.

السياحة النظيفة

يجذب خان الصابون في طرابلس أفواجاً من السياح، وخصوصاً الأوروبيين. يجد هؤلاء في الخان فرصة لاكتشاف نمط العمارة الإسلامية القائم على عقد الحجر الرملي الذي يتماهى مع الأشجار والنخل. ويعتبر فرصة لشراء تذكارات زكية العطر وجميلة الشكل، فلا تتردد بعض السائحات الفرنسيات في شرائها لأنها "تمنح شعوراً بالسعادة".

فطنت بعض المحال لأهمية تعريف الزوار والسياح، فعلى باب الخان يستقبلك بالترحاب عدد من الشبان. ثم يقودونك في رحلة بين أقسامه ويعرضون مختلف أشكال الصابون ومنافعها. ومن أجل مزيد من جذب الزائر، تشكل مرحلة دهن الزيوت العطرية محطة رئيسية في الجولة المجانية في أرجائه. ومع بلوغ عمق الخان، يبدأ أحد الحرفيين بشرح مراحل صناعة الصابون بدءاً في الخلطات السرية، وصولاً إلى سكبها في قوالب وتركها لتجف قبل تقطيعها وتحويلها إلى ألواح متناسقة. وفي بعض الأيام، يحظى الزائر بفرصة لقاء بعض الحرفيات والحرفيين، ورؤيتهم يقومون بالحفر على ألواح الصابون وتشكيلها.

وبات الخان واحة من السكون والاستراحة، فهو يستقبل الزوار وطالبي الراحة من مناطق الشمال. ويقصده أهل السوق للجلوس على مقاعده الحجرية المغطاة بمقاعد الإسفنج ونسيج الأرابيسك، والتقاط الصور وتبادل أطراف الحديث على وقع تناول رشفة قهوة أو قارورة عصير طازج.