Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فلسطين... الحرية الثقافية مكبلة بالتقاليد والجهل الاجتماعي

"ما حدث معي في جامعة النجاح في نابلس بإيقاف عرضي اضطهاد للمرأة بشكل خطير"

"عيب عليكم توقفوا العرض" (أمين صائب)

"انهيدوانا"... لأ

ما إن انسجمت فنانة الرقص المعاصر عشتار معلم (29 عاماً) برقصتها التعبيرية في عرض "انهيدوانا"، وكانت في قمة أدائها الفني على خشبة مسرح إحدى الجامعات الفلسطينية في الضفة الغربية، حتى انهارت بالبكاء أمام الجمهور، ليس تأثراً برقصتها التي جمعت بين السيرك والرقص والشعر والموسيقى، بل لأن القائمين على العرض قاموا بمنعها من استكمال عرضها الفني، بحجة حركاتها ولباسها "الخادش الحياء والقيم المجتمعية المحافظة".

غابت عنها أضواء المسرح في المرة الأولى، واعتقدت بأملها الداخلي أنه خلل فني وأكملت رقصتها على حبال السيرك، حتى أُعيدت الكرة مرة ثانية وثالثة، لتسمع صوت والدها من بعيد يصرخ في غرفة التحكم "عيب عليكم توقفوا العرض". عادت أضواء المسرح من جديد ليقف عميد كلية الفنون في الجامعة، ويعتذر للجمهور عن عدم استكمال عرض "انهيدوانا"، لأنه وحسب إدارة الجامعة "يخالف العادات والتقاليد، ولا يناسب سياسة الجامعة".

اضطهاد للمرأة

وتتحدث المعلم لـ"اندبندنت عربية"، قائلة "ما حدث معي في جامعة النجاح في نابلس بإيقاف عرضي الفني الهادف لمناهضة العنف ضد المرأة هو اضطهاد للمرأة بشكل خطير، وهذا أمر مؤسف للغاية وقمع ممنهج للحريات الثقافية في فلسطين. أين العيب أن أتشقلب وأتحرك على خشبة المسرح بحرية؟ ولباسي أثناء العرض لم يكن خادشاً الحياء كما تم الادعاء. من المخزي والمعيب بأن يتم النظر إلى هذه العروض الراقصة التعبيرية بهذا الشكل، وأن يتم النظر إلى جسد المرأة بأنه حرام. ما جرى هو قمع وعنف مبني على النوع الاجتماعي موجه ضد النساء، ويعكس فكراً متسلطاً، ويجب وضع حد لتلك الانتهاكات التي تتكرر وباستمرار خصوصاً ضد المرأة الفلسطينية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المؤسسات الثقافية والنسوية والحقوقية للفنانين المستقلين في الضفة الغربية، وعلى خلفية منع عرض "انهيدوانا" للفنانة عشتار معلم، عقدت اجتماعاً طارئاً، طالبت فيه المؤسسات الرسمية الفلسطينية بضرورة اتخاذ خطوات جدية وحاسمة للحيلولة دون تكرار "القمع الثقافي" للحريات العامة وحرية التعبير وحرية المرأة، مطالبين بوقف الانتهاكات بحق الفن والفنانين الفلسطينيين.

وقف العروض المسرحية في الضفة الغربية بحجة العادات والتقاليد "المحافظة" يُظهر حسب متخصصين وناشطين في المجال الفني، "مدى الجهل لقيمة أي عمل فني، ويعكس إهانة جديدة للحركة الثقافية الفنية الفلسطينية المتنوعة"، الذي يضاف إلى سلسلة من الانحدارات التي وصل إليها الواقع الثقافي الفلسطيني، فخلال مهرجان فلسطين الوطني للمسرح للعام 2019 تم إلغاء مشاركة "فرقة الأمل للرقص المعاصر" في الحدث الافتتاحي للمهرجان، لأسباب تتعلق بأزياء الراقصين التي ادّعى وزير الثقافة الفلسطيني آنذاك أنها لا "تناسب الذوق العام"، كما جاء في بيان رسمي عممته الفرقة.

تعقيب رسمي

وتعقيباً على بعض ما شهدته فلسطين من نقاش وأحداث تتعلق ببعض العروض الفنية مؤخراً، قال عاطف أبو سيف وزير الثقافة الفلسطينية، في تصريحات نُشرت على الصفحة الرسمية على موقع (فيسبوك)، "ضمان الحريات وصونها كفيل بإطلاق العنان للإبداع والعطاء من أجل تطوير الحياة الثقافية في فلسطين، لأن هذه الحريات مصونة بالقانون ومكفولة به، وأن الإبداع في مجالات الفنون والثقافة وكل أشكال الكتابة، يكمن في تنوعها وتعدد ألوانها وتقديم الأعمال الفنية بشكل متكامل، ويجب في كل الأحوال عدم انتهاك الحق في التعبير وممارسة الفن تحت أي ذريعة، بما لا يتعارض مع القانون والموقف الوطني لما للفنون من دور في نضالنا التحرري وصون مجتمعنا".

وشدد على ضرورة "توفير مساحة كافية للحريات في قطاع الثقافة والفنون، كونها تشكل طريقاً وجسراً للإبداع الذي من شأنه تجميل المشهد الثقافي، وجعله أكثر تأثيراً، وعاملاً من عوامل التغيير وبناء المجتمعات".

"جريمة في رام الله"

عام 2007 قامت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بإعدام وحرق كتاب (قول يا طير) للباحثين شريف كناعنة وإبراهيم مهوي، الذي يتحدث عن الحكايا التراثية الشعبية، بذريعة أن فيه الفاظاً تخدش الحياء العام، مع العلم أن الكتاب تُرجم إلى خمس لغات عالمية، وقامت النيابة العامّة الفلسطينيّة عام 2017 بمصادرة رواية "جريمة في رام الله" واستدعاء مؤلفها وناشرها وموزعها، بل ومصادرة الرواية من المكتبات ودور النشر في الضفة الغربية.

الكاتب عباد يحيى صاحب رواية "جريمة في رام الله"، تحدث لـ"اندبندنت عربية"، قائلاً إن "طبعة فلسطين كانت 2000 نسخة صودر أكثر من ثلاثة أرباعها، ولا تزال لدى النيابة العامة، وروايتي غير متوافرة في الضفة الغربية وكذلك في قطاع غزة، فبيعها ممنوع، الرواية موجودة في مكتبات حيفا ويافا والناصرة والقدس (مدن فلسطينية)، وبعد حظرها، جرى تسريب نسخة إلكترونية منها، وأجدها كثيراً متاحة على مواقع قرصنة الكتب".

وخارج فلسطين انتهت الطبعة الأولى، وقد يعمل الناشر على طبعة ثانية خلال العام 2020، والمنع الفلسطيني من قبل النيابة العامة الفلسطينية جعل اسم العمل مشهوراً وليس بالضرورة العمل نفسه، فالقراء سمعوا بـ"جريمة في رام الله" على نطاق واسع من دون أن يتمكّنوا من الحصول عليها، فالحريات الثقافية ليست في أفضل أحوالها في مناطق السلطة، والتضييق كبير وسببه هو ميل الجهات الرسمية، وذلك لإرضاء قطاعات محافظة، وبعضها متشدد من المجتمع الفلسطيني، بدل أن يكون دورها حماية التنوّع والاختلاف الموجود في المجتمع الفلسطيني كأي مجتمع آخر.

وفي أحيان كثيرة، أستشعر غياب أي رؤية ثقافية لدى السلطة الفلسطينية ومؤسساتها، ومعظم ردود الفعل على سلوكها، وأحياناً تكون فردية في اتخاذ القرار، ما يجعل شخصاً واحداً يقرر منع نشاط ثقافي أو إيقافه.

المزيد من فنون