"الجيش الوطني" يحكم السيطرة على نفط ليبيا ويضيّق الخناق على "حكومة الوفاق"

قويَ موقف "الجيش الوطني" في الجنوب، فيما ضاقت السبل بـ "حكومة الوفاق"، التي أعلنت عن غارة أميركية نُفذت الأربعاء ضد مواقع لـ "القاعدة" في تلك المنطقة، ضمن إطار "العلاقات الإستراتيجية في ملف مكافحة الإرهاب".

دورية للجيش الوطني تؤمّن إحدى الطرق في أوباري (إندبندنت عربية)

حسمتْ قوات "الجيش الوطني" الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر الموقف لصالحها في حقول النفط الجنوبية، بعد فترة من الخلخلة والتردد في مواقف المجموعات المسلحة في مدينة أوباري وما حولها. وبعد ذلك الحسم، انتقلت عملية بسط السيطرة على الجنوب إلى مرحلة أخرى، ستشكّل محورها مدينة مرزق التي يحاصرها الجيش منذ أكثر من أسبوعين، وتتحصن داخلها مجموعات مسلحة تابعة لحكومة الوفاق الوطني (يرأسها فائز السراج ومركزها طرابلس) وبعض التشكيلات الأجنبية.

غارة أميركية

 

وفي تطور لافت، أعلنت حكومة الوفاق أن الولايات المتحدة شنّت مساء الأربعاء غارةً على موقع لتنظيم "القاعدة" قرب أوباري. وقال محمد السلاّك الناطق باسم رئيس المجلس الرئاسي الليبي فايز السرّاج في بيان مقتضب إنه "تمّ مساء الأربعاء قصف موقع كان يتمركز فيه أنصار لتنظيم القاعدة في ضواحي مدينة أوباري". وأضاف أن هذه الغارة تمّت "في إطار التعاون المستمرّ والعلاقة الإستراتيجية بين ليبيا والولايات المتحدة في ملف مكافحة الاٍرهاب".
الطوارق يختارون "الجيش الوطني"

في هذه الأثناء، ظلّ الطوارق في أوباري فترة من الوقت قبل حسم أمرهم بدعم أحد طرفَي الصراع. وبعد وصول قوات حفتر إلى مناطقهم التي تضم حقولاً نفطية ومحطة الكهرباء الوحيدة في الجنوب، باتت الحسابات دقيقة جداً، فـ"تيار الوفاق" في الطوارق الذي يتزعمه الفريق علي كنه، لا يؤيد بأي حال دخول "الجيش الوطني" إلى المشهد في أوباري، ويرى أن ذلك سيُضْعِفُ قوة الطوارق وسطوتها في هذه المناطق التي ستكون إدارتها مركزية إلى حد كبير، إضافة إلى الوعود التي أغدقتها عليهم "حكومة الوفاق" بتدفق الأموال والمزايا. أما التيار المضاد فيقرأ المشهد من زاوية مغايرة، يرى فيها أن الانضمام إلى قوات حفتر سيضفي الشرعية على الكتائب المحلية في أوباري، كما سيرفع عبء تأمين هذه المناطق عن الطوارق، لتصبح مسؤولية مشتركة، فضلاً عن أن الدخول ضمن صفوف الجيش سيشكّل ضربةً لخصومهم. ويبدو أن التيار الأخير كان الأكثر حضوراً وقوة، إذ ضم شخصيات معتبرة في الطوارق مثل حسين الكوني سفير ليبيا السابق في النيجر، وبعض أهم مشايخهم وأعيانهم، الذين أقنعوا علي كنه بالتخلي عن دعم حكومة السراج والإذعان للجيش الوطني الذي يربض على مشارف حقول النفط. وكان لهذا التيار ما أراد فانسحب كنه من المشهد، ليدخل الجيش إلى حقل الشرارة ومن بعده إلى محطة الغاز في أوباري ومنها إلى مدينة أوباري.

"الجيش" يزداد قوة وقوات "الوفاق" تضعف

وقويَ موقف "الجيش الوطني" في الجنوب، في حين ضاقت السبل أمام "حكومة الوفاق"، بخاصة بعد خسارتها كل موانئ النفط وحقوله، التي باتت تحت حماية خصمها. ولن يكون أمام "حكومة الوفاق" إلا الاستمرار في دعم الجماعات المسلحة في مدينة مرزق، علّها تُغيّر في المشهد شيئاً.

مفاوضات في مرزق وبوادر انفراج

إلا أنه يبدو أن الرياح في مرزق تسير عكس ما تشتهيه حكومة السراج، إذ بدأت أطراف معتبرة من قبائل التبو التفاوض مع الجيش لدخول المدينة سلماً. كما ارتفعت أصوات داخل مكوّن التبو تنادي بضرورة التخلي عن العصابات التشادية المستقرة بينهم وتجرهم إلى حروب طويلة الأمد.

ووصل وفد من القيادة العامة للجيش والتقى بقيادات من التبو في بلدة غدوة (60 كيلومتراً جنوب سبها)، ورشح أن المفاوضات تسير في اتجاه مشجع. وأوضح مصدر عسكري أن أعيان التبو نقلوا مخاوفهم إزاء عملية الجيش في الجنوب مؤكدين في الوقت ذاته كونهم أحد أوائل داعميه في الجنوب، وأنهم يريدون للجيش أن يدخل المدينة سلماً ومن دون إراقة الدماء.

ماذا لو نجحت مفاوضات مرزق؟

وسيعقّد نجاح تلك المفاوضات الموقف أكثر بالنسبة إلى حكومة الوفاق الوطني، التي سينحصر نفوذها في طرابلس وبعض مدن المنطقة الغربية. ولن تستطيع بعد ذلك الدفع بحجة أنها تسيطر على مساحات شاسعة من البلاد، ما قد يضعها في موقف تفاوضي صعب إلى حد كبير. وتتعلق آمالها حالياً بفشل مفاوضات دخول مرزق.

في المقابل، يقع على الجيش عبء حماية حقول النفط وتشغيلها من جديد، إضافة إلى تأمين المدن التي سيطر عليها في شكل مناسب، مع زيادة ثقة الناس في هذه المؤسسة، الأمر الذي سيقوّي موقفها في المنطقة ويثبت وجودها.

لا معين لـ "الوفاق"

من ناحية ثانية، يطرح عدم دعم الدول الفاعلة في المشهد الليبي، حكومة الوفاق المعترف بها دولياً، وتركها لمواجهة مصير مجهول أمام تمدّد الجيش في شرق البلاد وجنوبها ومناطق من غربها، علامة استفهام كبيرة. وكانت الأمم المتحدة رعت في العام 2016 مفاوضات الصخيرات في المغرب، التي أفضت إلى تشكيل حكومة الوفاق وكان يُفترض بها أن تجمع كل الليبيين وتنهي الانقسام في البلاد. إلا أن تلك الحكومة استقرت في العاصمة طرابلس وبدأت عملها قبل الحصول على ثقة مجلس النواب، ما زاد الانقسام وعزّز عوامل الفرقة بين التيارات السياسية. وعلى الرغم من ذلك، أصرّت الأمم المتحدة ودول عدة على اعتبار "حكومة الوفاق الوطني" الحكومة الشرعية لليبيا، ففتحت سفاراتها وممثليّاتها الدبلوماسية في طرابلس، وبدأت المنظمات الدولية والأممية عملها في المدينة، ما عزز موقف السراج طوال السنوات الماضية.

أما الآن، فإن السبل تضيق أمامها ولا تجد مَن يدافع عنها أو يضغط على خصومها لوقف تمدّدهم على حسابها، إلا إيطاليا التي عززت وجودها العسكري في مصراته وطرابلس ببعض الجنود والفنيين، في شكل لا يرقى إلى مستوى الأخطار المهددة حكومة الوفاق.

الأنظار تتجه نحو طرابلس

تتجه الأنظار حالياً صوب طرابلس، وكيف ستتعامل حكومتها مع الأوضاع الجديدة في البلاد، فهي الآن لا تسيطر على أي حقل نفطي، ولا تملك الموانئ والمرافئ المصدّرة لتلك المادة الحيوية للاقتصاد، ولا تتمتّع بسلطة كافية على مصرف ليبيا المركزي، ونفوذها محدودٌ في المؤسسة الليبية للنفط. أما أمنياً، فتخضع العاصمة لتشكيلات مسلحة متعادية في ما بينها، تعمل مع الحكومة طمعاً في المال حيناً، وطلباً للسلامة أحياناً أخرى، بخاصة بعدما دخلت بعض قيادات المسلحين في أعمال تجارية وباتت تملك استثمارات تحتاج إلى الاستقرار حتى تنجح وتزدهر وتؤتي ثمارها. حالياً، قوات حفتر تتّجه نحو حسم إحدى أهم الجبهات لمصلحتها، بينما ينتظر الكل الخطوة التالية لحكومة الوفاق، فهل تمضي في معاداة "الجيش الوطني" أو تحاول مغازلة خصومها ولو إلى حين.

المزيد من العالم العربي