هل تستخدم الفصائل المسلحة العشائر لتغيير مسار الاحتجاجات العراقية؟

"الاقتتال الداخلي هو السبيل الإيراني الوحيد لأنها فقدت مشروعية وجودها"

تصاعد حضور العشائر العراقية في ساحات الاحتجاج في الآونة الأخيرة، مع تصاعد العنف الذي يتعرض له المحتجون في مختلف المحافظات العراقية. وفي حين أبدت عشائر عدة تأييدها للتظاهرات في مختلف المحافظات العراقية، يرى مراقبون أن بعض تلك العشائر يتم زجها في حسابات سياسية لأطراف متنفذة.

وكان رئيس الوزراء المستقيل، عادل عبد المهدي، قد لجأ الشهر الماضي إلى محاولة استقطاب شيوخ العشائر إلى جانب السلطة، والبحث عن سبل لتهدئة الاحتجاجات للخروج من الأزمة، ما أدى إلى ردود أفعال غاضبة من الأوساط الشعبية وناشطي الاحتجاجات على الشيوخ الذين لبوا الدعوة.

ومنذ انطلاق الاحتجاجات، تتحرك بعض العشائر العراقية في سياق الدخول على خطها، وفي حين يرى مراقبون أن جهات موالية لطهران تحاول إدخال بعض العشائر على خط الاحتجاجات للتشويش على مطالب المحتجين، حذروا من احتمال أن تدفع طهران في اتجاه صراع شيعي - شيعي لاحتواء الموقف.

ويلاحظ المحلل السياسي، قحطان الجبوري، أن "في كل عشيرة أكثر من شيخ، وهذه التعددية بالإمكان اختراقها، لذلك كان موقف بعضها سلبي إزاء الحراك الاحتجاجي".

يضيف لـ"اندبندنت عربية" "بعد التدخل الإيراني، وقيام فصائل مقربة منها بقتل المواطنين، سيجبر العشائر لاتخاذ موقف مساند للمتظاهرين".

ويلفت إلى أنه "أمر وارد أن تكون بعض العشائر المرتبطة ببعض الفصائل القريبة من طهران دخلت على خط التظاهر لمحاولة التشويش على مطالب المحتجين".

وأشار إلى أن "المشكلة التي نخشاها هي أن الاقتتال قد يكون شيعياً - شيعياً بين موالين لطهران وغيرهم، وفي هذا خطورة قد تؤدي إلى مشاكل كبيرة، نظراً إلى البعد العقائدي لهذا الاقتتال"، مبينا أن "طهران تدفع في اتجاه هذا الاقتتال".

ويتابع أن "الاقتتال الداخلي هو السبيل الإيراني الوحيد، لأنها فقدت مشروعية وجودها العقائدي، عندما تم حرق دلالات هذا الوجود في العمق الشيعي في كربلاء والنجف وبعض مدن الجنوب"، مؤكداً أن "هذا الخيار الإيراني سيجهض في وقت قصير جدا".

 

 

"الدولة" خيار العشائر!

ويرى خبراء أن العشائر العراقية لن تجازف بالوقوف ضد الحركة الاحتجاجية، وتسلك مسلك الوسيط في ما يحدث من اشكالات بين المحتجين والقوات الأمنية، لافتين إلى أن مصالح تلك العشائر ارتبطت بالقوى السياسية الحاكمة وتعتقد أنها ستكون في خطر في حال انهيار الدولة.

وفي سياق متصل، يقول المحلل السياسي، جاسم الموسوي، إن "العشائر غير قادرة على الوقوف ضد المحتجين، ولن تتخذ مثل هكذا مواقف، لكنها استشعرت الخطر المحيط بالبعد الاجتماعي في المحافظات التي شهدت أحداثاً أمنية، وارادت ايقاف نزيف الدم والقيام بدور الحكم بين القوات الأمنية والمتظاهرين".

ويلفت في حديث مع "اندبندنت عربية" أن "المرجعية الدينية تشعر بالخطر مما يجري من انفلات، وتطلب هذا الموقف تضامناً عشائرياً بما يتعلق بطرد المندسين، فضلاً عن تحرك بعض العشائر بعد ما أُشيع عن احتمال تعرض سجن الحوت في الناصرية إلى خطر".

ويشير إلى أن "العشائر إذا ما خُيرت بين مطالب المتظاهرين والحفاظ على الدولة فستختار بقاء الدولة، ولن تذهب إلى تجريف الدولة واسقاط النظام، لأن مصالحها  ارتبطت بالقوى السياسية الحاكمة، وبالتالي فإن العشائر تستشعر أنها ستكون في خطر في حال انهيار الدولة".

ويعتبر أن "جزءاً كبيراً من فصائل الحشد من أبناء هذه العشائر، وتلك العشائر ارتبطت عقائدياً بمرجعية السيستاني، فزاوجت الموقف وارادت أن تقول في الوقت نفسه إنها رهن إشارة المرجعية".

ويختم أن "هناك بعض الجهات السياسية ان تستثمر التظاهرات لمصالحها وتوظف خطابات المرجعية لمصالحها".

نموذج سياسي من ساحات الاحتجاج

ويرى خبراء أن التظاهرات باتت مجالاً حيوياً لصراعات النفوذ، ما يدفع بعض القوى إلى محاولة ركوب موجتها، مشيرين إلى مطالب المحتجين باتت راسخة ولن تستطيع أي جهة التأثير عليها أو توجيهها.

ويعتقد الخبير الاستراتيجي، أحمد الشريفي، أن "التظاهرات أصبحت أشبه بالمجال الحيوي لصراع النفوذ، وباتت بوصلة الرأي العام العراقي شاخصة ومؤشرة في اتجاه التظاهرات بوصفها ستصنع النموذج السياسي في الأيام المقبلة".

ويلاحظ في حديث مع "اندبندنت عربية" "وجود رغبة في الالتفاف وركوب الموجة من قبل الأحزاب السياسية للتظاهرات، لإعادة انتاج نفسها".

ويلمح إلى أن "هناك تعبئة عشائرية لمصلحة الأحزاب، وهناك شخصيات عشائرية وهمية وغير مؤثرة في عشائرها وادعت المشيخة بالتنسيق مع أحزاب وحركات سياسية، تحاول الدخول على خط الاحتجاج".

ويوضح أنه "لن تستطيع أي جهة تغيير شكل مطالب المحتجين، وباتت المطالب راسخة وتمثل الرأي العام العراقي، وتدرك القوى السياسية ان التلاعب بتلك المطالب غير ممكن، لكنها تحاول ركوب الموجة".

عشائر غير منسجمة

ينطلق أستاذ الإعلام في الجامعة العراقية، فاضل البدراني، من أن "العشائر نزلت في بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية ولديها بعض الآراء التي لا تنسجم مع آراء الشباب في ساحات الاحتجاج"، مضيفاً لـ"اندبندنت عربية" أن "العشائر هي واحدة من الواجهات التي حاولت الأحزاب من خلالها حرف مسار الاحتجاجات"، مشيراً إلى أن "الأحزاب والحركات السياسية وجدت أن لا صوت يؤيدها، لذلك حركت عناصر موالية لها بواجهات عشائرية لتشويه سمعة الحراك".

ويصف "حمل صور المرجعية تحت اسم العشائر" بأنها "محاولة لتفكيك قوة الحراك الشعبي، وهذه تمثل رؤية أحزاب السلطة التي استشعرت الخطر، خصوصاً مع عدم امكانية الحل الأمني الذي فشل بعد التلويحات الدولية بضرورة حماية المتظاهرين ومعاقبة المتصدي لهم"، مبيناً أن "جانباً كبيراً من تلك الأحزاب تحركه طهران".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعن استخدام صور المرجعية الدينية في النجف، يوضح البدراني أن "المرجعية منذ سنوات تنأى بنفسها عن دعم الأحزاب، ودائماً تحاول تلك الأحزاب إيهام الشارع بأنها مدعومة من المرجعية، لكن ضرب المتظاهرين بالسكاكين والسلاح يعني استهداف سمعة المرجعية، لذلك أبعدت المرجعية  نفسها وأعلنت البراءة من حاملي الصور، وأكدت أن دورها محصور في النصح والإرشاد".

ثلاثة تقسيمات للعشائر

من جانب آخر، يرى سياسون أن العشائر العراقية منقسمة إلى أقسام عدة إزاء الاحتجاجات، مؤكدين أن العشائر تسعى لتحسين الوضع الحالي سواء مع الحكومة الحالية أو مع الحكومة المقبلة.

وفي هذا السياق، قال مستشار رئيس البرلمان لشؤون العشائر، علي كاظم السعدون، في تصريحات صحافية، إن "العشائر العراقية تنقسم إلى ثلاثة اقسام إزاء الاحتجاجات، الأول مع المتظاهرين، والقسم الآخر العشائر التابعة للحكومة، أما النوع الثالث فهو العشائر التي تقف في الحياد ولا تريد المساس بالدولة ولا التعرض للمتظاهرين".

أضاف "نحن كعشائر نريد تحسين الوضع الحالي سواء مع الحكومة الحالية أو مع الحكومة المقبلة".

وأوضح "دورنا هو التقليل من نثر الدم، وقد تدخلنا لمنع القوات الأمنية من استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين، حيث تقف العشائر دائما مع المتظاهرين إذا ما تعرض أبناؤها للقتل، أو عندما تحمل الدولة السلاح ضد الشعب، ولكن في الظروف الحالية، نحن نقف في الحياد، حيث قوات الشرطة والشغب جزء من الشعب".

المزيد من العالم العربي