الموسيقى الآفروأميركية... هكذا صار الألم كائنا حيّاً يشع نوراً وبهجة

البلوز والجاز والهيب هوب والراب... هي المعيار الذي تقاس به الأشياء وتقوم على إحدى أكبر مفارقات التاريخ

 بي بي كينغ في إحدى حفلاته (غيتي)

ربما كان للموسيقى السوداء أن تظل حكرا على موطنها الأفريقي تتلون بأصباغها المحلية وتطور أو تكسر قوالبها كغيرها من موسيقى القارات الأخرى. على أن التاريخ اختار لها أن تبلغ في العالم حدا لم يصل اليه أي شكل موسيقي آخر على مر العصور، بحيث صارت إحدى أكبر الصناعة البشرية الفنية على الإطلاق.

وعندما يتعلق الأمر بأهلها فخذ ما يقال من ان ثروات نجوم الغناء السود، على شاكلة مايكل جاكسون وجيه زي وزوجته بيونسي، أدخلتهم نادي المليارديرات. ولتقريب الصورة أكثر، خذ أيضا أن هذه الموسيقى هي التي هيأت العروش لأكبر الأسماء البيضاء مثل البيتلز وإلفيس بريسلي والرولينغ ستونز ومادونا.

المفارقة الكبرى

من البلوز والجاز إلى الهيب هوب والراب اليوم... هذه الصناعة التي صارت حجر الرحى والمعيار الذي تقاس به الأشياء في الإنتاج الموسيقي العالمي، تقوم في الواقع على إحدى أكبر مفارقات التاريخ. ذلك أن هذه الشجرة الفنية العملاقة المفرحة المدهشة تغرس جذورها في تربة بشعة لأنها كانت أسوأ تجربة مرت بها طائفة من البشر. فهي موسيقى تبلورت من صرخة ألم العبيد الجماعية في أمريكا حتى اندلاع حربها الأهلية وصرختهم الجديدة مع هضم حقوقهم المدنية بعدها.

لم يكن الافريقي  بحاجة إلى نظام التعليم الغربي القائم على القراءة والكتابة، لأن عماديْ مجتمعه - الموروث الشفاهي والموسيقى - لم يستدعيا ذلك

المنبع المظلم

الموسيقى التي حملها السود من مواطنهم في غرب أفريقيا ووسطها إلى عبوديتهم كانت هي النصف الباقي من العمادين اللذين تقوم عليهما الثقافة الأفريقية السوداء. أما الثاني فهو "الموروث الشفاهي" المتناقل جيلاً عن جيل والذي كان في ذلك الوقت يقوم مقام التعليم وينير للأجيال المتعاقبة تاريخهم وجغرافيتهم وقيمهم الفردية والمجتمعية ويمنحهم انتماءهم وهويتهم.

لم يكن الافريقي - قبل تهافت القوى الاستعمارية على مواطنه - حقا بحاجة إلى نظام التعليم الغربي القائم على القراءة والكتابة، لأن عماديْ مجتمعه - الموروث الشفاهي والموسيقى - لم يستدعيا ذلك.

وعندما اختطفت العبودية الأفريقي الى أرض تبعد عن وطنه بمقدار محيط، فقد حريته وأهله ومجتمعه ونظام تعليمه ممثلا في موروثه الشفاهي الجمعي، وحُرم في الوقت نفسه من تعلم القراءة والكتابة في المجتمع الجديد. وكان الغرض هنا أن يعيش المسترق في الظلمات بلا أمل في استنارة من المحتم أن تقوده إلى التمرد على مصيره وسيّده. بل ان حظر التعليم على العبيد بلغ حد الإعدام لمن سولت له نفسه تعلم القراءة والكتابة.

استمع لأحد أمثلة غناء العبيد هنا:

https://www.youtube.com/watch?v=4G5KtQynWvc

الحداء

لكن لا شيء يعيش في الفراغ، والإنسان تحديدا لا يستطيع العيش في فراغ ثقافي اجتماعي. فتعين على العبيد، تاليا، أن يخلقوا من ركام حياتهم في الشقاء ثقافتهم الخاصة. ولكي لا يدمر الأسياد هذه الثقافة باعتبارها خطرا على أهم مصادر رزقهم، ركن العبيد إلى الكلام المقفى المنغّم... بعبارة أخرى، الأغنية التي لا تقتل ذبابة.

هكذا صار الحداء هو الرابط الباقي الوحيد بين المسترقّين وعالمهم القديم الحر ووسيلتهم الوحيدة أيضا للتعبير عن أسوأ محنة يمكن أن تسقط على رأس بشر.

استمع لأغنية للعبيد في سجنهم:

https://www.youtube.com/watch?v=InG7SjWKtT4

الشيفرة

لكن هل حقا أن الأغنية من الضعف بحيث لا تقتل ذبابة؟ أم أن بوسع المغني أن يحمّل باطنها بما أراد حتى تصبح شيفرة فيها العلقم والعسل والثلج والنار والداء والدواء، بينما يبقى ظاهرها، الذي تراه عين السيّد، مجرد أغنية تعين العبد على ابتلاع مصيره؟

أول ما استعان به العبيد هو الإيقاع. وربما كان معلوما أن القبائل الأفريقية، على مدى تاريخها، خلقت من الإيقاع ما يتعدى وظيفته التقليدية المعروفة، إذ أحالته وسيلة للتخاطب التلغرافي. فصار قرع الطبل بشكل معين يحمل رسالة محددة لأهل القرية أو للقرية المجاورة. وصار ثمة قرع معين لكل مناسبة: لعرس... لمولود جديد... لمرض... لوفاة... لمقدم... لوداع... لتحذير من خطر مقبل... وهكذا دواليك، حتى أن الطبل المستخدم للتواصل بهذا النحو سُمي "الطبل الناطق".

ووفقا للعديد من المؤرخين فقد كان الطبل الأفريقي وسيلة أساسية في معظم حركات التمرد الأولى (لأن في الإيقاع شيفرة يفهمها الأسود ويغيب معناها بالكامل عن سيّده الأبيض). ولهذا حُظر الطبل نفسه على العبيد. فكان طبيعيا أن يلجأوا إلى وسيلة أخرى لتبادل الرسائل في ما بينهم باستخدام كل مما من شأنه أن يخلق إيقاعا: من التصفيق أو النقر على قطعة خشب أو صفيح مرورا بنقر ملعقتين وصولا إلى تعلّم الآلات الموسيقية الغربية نفسها.

استمع للطبل الأفريقي الناطق:

https://www.youtube.com/watch?v=JT3tIJzAkcc

تمرد

هذا التشفير انتقل إلى أغاني العمل في مزارع القطن والتبغ وغيرها وأيضا إلى الأهازيج وأغاني الحب الحزينة ولاحقا الترانيم الكنسية (عندما فرض على العبد اعتناق المسيحية بدلا عن دياناتهم الأفريقية القديمة)... وكل هذا محمّل بالرمز والإشارة والاستعارة اللغوية بحيث أمكن للباطن أن يكون على عكس الظاهر بالكامل.

الواقع أن لجوء العبيد لموسيقى خاصة بهم كان في حد ذاته شكلا من التمرد والتمسك بأهداب هويتهم المفقودة مرة وإلى الأبد. وهناك بحث موجز وجيد في هذا الموضوع، بعنوان "الموسيقى الآفروأمريكية كحالة تمرد: من أغاني العبيد إلى الهيب هوب"، أعدته ميغان سوليفان من جامعة كورنيل الأمريكية، ويتناول هذا الأمر بنحو أكثر تفصيلا، ويجد القارئ رابطه هنا:

http://www.arts.cornell.edu/knight_institute/publicationsprizes/discoveries/discoveriesspring2001/03sullivan.pdf

في البدء كانت البلوز

صارت الأغنية – الشيفرة هي الجذر الذى نما منه جذع الموسيقى الآفرواميركية وهو "البلوز" Blues (وهي كلمة تشير في معانيها إلى الاكتئاب والعوز والإحساس بالظلم).

ويمكن إرجاع تاريخ موسيقى البلوز الى الثلث الأخير من القرن 19 في الجنوب الأميركي (حيث اليد العاملة المسترقّة في مزارع القطن والتبغ). فاتخذت لها ثلاث سمات رئيسية هي "النداء والجواب" (حداء مغنٍّ والجواب عليه من كورس الآخرين)، وسلمها الموسيقي الخاص والشكل الذي تتدرج به "كورادتها"، وقد صارت هاتان الأخيرتان سمتين تميزانها عن الأشكال الموسيقية الأخرى حتى اليوم. وليس خطأ أن يقال إن البلوز هي تفاعل موسيقى السود الافريقية مع ما التقطته الأذن السوداء من الموسيقى الغربية الكلاسيكية التي كانت سائدة في ذلك العصر.

أما الأشكال الرئيسية التي تفرعت من هذا الجذع فهي الجاز والسول والهيب هوب والراب، وهذه هي الأشكال "السوداء" التي استعارتها الموسيقى "البيضاء" لتخلق منها الروك آند رول والبوب والديسكو. وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الموسيقى الغربية بسائر تياراتها الرئيسية اليوم (إضافة الى جميع التيارات الموسيقية الرئيسية غير الغربية التي تأثرت بالاستعمار الأوروبي) تجد جذورها في موسيقى البلوز السوداء.

(استمع الى موسيقى ما ريني، وأوتيس راش، وجون لي، هوكر، وبي بي كينغ)

استمع لما ريني الملقبة "أم البلوز" في تسجيل يعود للعام 1926:

https://www.youtube.com/watch?v=xoZmWPb7r1o

الراغتايم

نشأ هذا التيار الموسيقي يدا على يد مع البلوز وساد بين 1895 و1920. أما الإختلاف الأساسي بين الاثنين فهو أن إيقاع الراغتايم يتأخر بمقدار نصف نبضة عن إيقاع البلوز ولذا تصبح نبضته الأساسية في منتصف تلك التي تتبعها البلوز.

(استمع الى موسيقى جيمس سكوت، وجوزيف لام، وسكوت جوبلين)

استمع الى سكوت جوبلين على البيانو:

https://www.youtube.com/watch?v=r1yqBt-PkT4

الجاز

الجاز هو الجوهرة الكبرى التي خرجت من معطف البلوز. ورغم انه يتبع خطاها في تركيبته الأساسية فهو يتميز عنها بالارتجال الذي قد يبدو فوضويا للسامع العابر لكنه في الواقع أكثر تعقيدا وصفوية ولذا قيل إنه الرد الأميركي على الموسيقى الكلاسيكية (الأوروبية).

(استمع الى موسيقى ديوك الينغتون، وثيلونيوس مونك، ولوي آرمسترونغ، وديزي غليسبي، وبيلي هوليداي،وإيلا فتزجيرالد).

استمع الى لوي آرمسترونغ:

https://www.youtube.com/watch?v=YBOoQcoPL1I

 

السول

أخذت أغاني السول مكان الصدارة على خشبة الموسيقى السوداء منذ خمسينات وستينات القرن الماضي. وهي خليط من البلوز والجاز والأغاني الكنسية السوداء، وكانت هي صوت حركة الحقوق المدنية في أمريكا في ذلك الوقت. ويعود الفضل في انتشارها داخل أميركا وخارجها الى مواهب كوكبة من الفنانين الذين اجتمعوا تحت مظلة واحد من ثلاثة استديوهات رئيسية هي "موتاون" و"اتلانتيك" و"ستاكس".

(استمع الى إريثا فرانكلين وسام كوك وآل غرين وآيزاك هايز وجيمس براون ومارفين غاي)

استمع الى إريثا فرانكلين:

https://www.youtube.com/watch?v=6FOUqQt3Kg0

وإلى جيمس براون:

https://www.youtube.com/watch?v=e-je0LJ_TS8

الهيب هوب والراب

هذان الشكلان الموسيقيان تزاوج ناجح بين التراثات الأفرواميركية والأميركية اللاتينية والكاريبية، وهما يتميزان بالتجريب وطغيان الإيقاع والأغاني المتمردة على القوالب السياسية والاجتماعية التي تشكل المؤسسة الأميركية البيضاء في إصرارها على سد المنافذ أمام التحرك الأسود. ولا تكتمل سيرة هذين الشكلين بدون ذكر رقصة البريك دانس Break Dance التي ترمز إلى القوة الشبابية بما تستدعيه من شكيمة جسدية ومهارات رياضية عالية.

(استمع الى كانيي ويست، وجيه زي، وشون كومز (باف دادي) وفيفتي سنت، وآيس تي، ونيكي مينجا)

استمع الى جيه زي:

https://www.youtube.com/watch?v=6uikJTnmtgw

واستمتع بالـ break dance:

https://www.youtube.com/watch?v=c_ShwO10d6g

كائن حي

تستحيل، في عجالة كهذه، الإحاطة بمختلف الأشكال الموسيقية الأفروأميركية التي بلغ شأوها أنها تجاوزت الحدود إلى كل بقعة في العالم تقريبا وأضاءت نفوس المستمعين بغض النطر عن الثقافة والعقيدة واللغة والتربة النغمية. ويبلغ من اتساع نطاق الموسيقى الأفروأميركية أن الجاز وحده يتخذ لنفسه أكثر من عشرين تيارا فرعيا لكل منها أفرعه الخاصة. ويكاد المرء لا يصدق أن هذا الثراء الفني المدهش المفرح خرج من رحم العبودية في أمريكا - هذه التجربة الإنسانية الغريبة الشاذة في تاريخ الإنسان. كيف صار الحداء - الأنين كائنا حيّاً يتنفس وينمو ويشع وهجاً وبهجة؟ هذا هو سر الموسيقى العظيم.

المزيد من موسيقى وأغان