هكذا تلحق الأطعمة المخمّرة أضراراً خطيرة بصحتك

راجت أغذية على غرار الكيمتشي الكوري وشاي الكومبوتشا نتيجة ادعاءات بأنّها تعود بالفائدة على الأمعاء

الكميات المعتدلة من الأطعمة المخمَّرة تشكِّل مصادر مهمة من البكتيريا الحميدة (ويكي.فرمنثينغ.بي)

تحظى الأطعمة المخمرة بشعبيّة بالغة، ويُعزا ذلك إلى ادعاءات تتعلّق بخصائصها الغذائيّة ومنافع صحيّة تحدثت عنها تقارير عدة، من بينها تحسين عمليّة الهضم، وتعزيز المناعة، وحتى المساعدة في خسارة الوزن. ويشمل بعض الأطعمة المخمَّرة الأكثر شعبيّة الكفير، وشاي الكومبوتشا، ومخلل الملفوف، والتيمبي (طعام أندونيسي تقليديّ من حبوب الصويا)، والناتو اليابانيّ (من فول الصويا المتخمَّر)، وحساء الميسو اليابانيّ، والكيمتشي (طبق كوريّ أشبه بالمخلل أساسه الملفوف)، والخبز المخمَّر.

ولكن على الرغم من أنّ الأطعمة المخمَّرة يمكن أن توفِّر لنا منافع صحيَّة كثيرة، لا يدرك معظم الناس أنّها قد تكون مفيدة لأشخاص دون غيرهم. بالنسبة إلى بعض الناس، يمكن أن تسبِّب تلك الأطعمة مشاكل صحيّة خطيرة.

في الحقيقة، تفيض الأطعمة المخمَّرة بكائنات حيّة دقيقة، مثل البكتيريا الحيَّة والخميرة (المعروفة باسم البروبيوتيك). ولكن، ليست الكائنات الحيَّة الدقيقة كافة سيئة بالضرورة. بل إنّ كثيراً منها، على غرار البروبيوتيك، غير ضار وحتى أنّه يعود بالفوائد علينا.

وخلال عملية تخمير الأطعمة، تحوِّل البروبيوتيك، البكتيريا الحميدة، الكربوهيدرات (النشاء والسكر) إلى كحول و/ أو أحماض. تعمل الأخيرة كمادة حافظة طبيعيّة وتعطي الأطعمة المخمَّرة نكهتها وطعمها المميزين. من ناحية أخرى، تؤثِّر عوامل عدّة في عمليّة التخمير، من بينها نوع البروبيوتيك، والنواتج الأيضيَّة الأوليَّة التي تنتجها هذه الميكروبات (مثل حمض اللبنيك (أو حمض اللبن)، أو بعض الأحماض الأمينيَّة)، فضلاً عن الطعام الذي يخضع للتخمير. وعلى سبيل المثل، يُصنع اللبن الغنيّ بالبروبيوتيك من خلال تخمير الحليب، وغالباً باستعمال بكتيريا حمض اللاكتيك التي تنتج حمض اللاكتيك، وهو مركّب كيماويّ مهم في كثير من العمليات الكيماويّة الحيويَّة.

وتحتوي الأطعمة المخمَّرة على كميات كبيرة من البروبيوتيك التي تُعتبر بشكل عام آمنة بالنسبة إلى غالبية الناس. في الواقع، ثبت أنّ لديها تأثيرات مضادة للأكسدة، والميكروبات، والفطريات، والالتهابات، وداء السكري وتصلّب الشرايين. ولكن مع ذلك، قد يتعرَّض بعض الأشخاص لآثار جانبيّة حادّة بعد تناول الأطعمة المخمّرة، أبرزها:

1 انتفاخ البطن

تعتبر الزيادة المؤقتة في الغازات ونفخة البطن رد الفعل الأكثر شيوعاً الذي يقوم به الجسم جراء تناول الأطعمة المخمّرة. يتأتي ذلك من أثر غازات زائدة ينتجها الجسم بعد أن تقتل البروبيوتيك بكتيريا الأمعاء والفطريات الضّارة. وتفرز البروبيوتيك الببتيدات المضادة للميكروبات التي تقتل الكائنات المسبِّبة للأمراض الخطيرة ومن بينها بكتيريا السالمونيلا و"الإشريكيّة القولونيّة".

وفي سياق متصل، أظهرت دراسة حديثة أنّ هذا التأثير المضاد للميكروبات الناتج من سلالات بروبيوتيك "العصيّة اللبنيّة" موجودة في اللبن الذي يبُاع في المحال التجاريّة. وعلى الرغم أنّ النفخة تبدو بعد تناول البروبيوتيك علامة جيدة على تخلّص الأمعاء من البكتيريا الضارة، يُحتمل أن يعاني بعض الأشخاص الانتفاخ الحاد الذي ربما يكون مؤلماً للغاية.

وعلاوة على ذلك، يمكن أن يؤدي شرب كثير من الكومبوتشا مثلاً إلى ارتفاع في معدل السكر في الدم وزيادة في استهلاك السعرات الحراريّة، ما يتسبَّب أحياناً في نفخة البطن والغازات.

 2 الصداع والصداع النصفي

تحتوي الأطعمة المخمَّرة الغنيَّة بالبروبيوتيك، ومن بينها اللبن، ومخلل الملفوف والكيمتشي، بشكل طبيعيّ على الأمينات الحيويّة التي تُنتجها عملية التخمير. وتتكوّن الأمينات الحيويَّة بواسطة بكتيريا معيَّنة بغية تفكيك الأحماض الأمينيَّة في الأطعمة المخمرَّة. أمّا الأمينات الأكثر شيوعاً التي وجدت في الأطعمة الغنيّة بالبروبيوتيك فتشمل الهستامين والتيرامين.

ولما كان بعض الأشخاص يعانون حساسية تجاه الهستامين والأمينات الأخرى، يُحتمل أن يعانوا صداعاً بعد تناول الأطعمة المخمَّرة. ونظراً إلى أنّ الأمينات تحفِّز الجهاز العصبيّ المركزيّ، فإنّها يمكن أن تزيد أو تقلِّل من تدفّق الدم، الأمر الذي ربما يتسبّب في الصداع والصداع النصفي. مثلاً، وجدت إحدى الدراسات أنّ الوجبات الغذائيّة التي تحتوي على نسبة منخفضة من الهستامين تقلل الصداع لدى 75 في المئة من المشاركين. لذا ربما من الأفضل أخذ مكملات البروبيوتيك.

3 عدم تحمّل الهستامين

يتوفّر الهستامين بكثرة في الأطعمة المخمَّرة. وبالنسبة إلى معظم الناس، ستهضمه إنزيمات الجسم المختصّة بشكل طبيعيّ. ولكن لا تنتج أجسام البعض الآخر ما يكفي من تلك الإنزيمات، ما يعني أنّ الهستامين لن يُهضم وسيُمتص في مجرى الدم.

وقد ينجم عن ذلك مجموعة من أعراض عدم تحمّل الهستامين، وأكثرها شيوعاً الحكة، والصداع أو الصداع النصفيّ، ورشح الأنف (التهاب الأنف)، واحمرار العين، والتعب، والشرّى، وأعراض الجهاز الهضميّ التي تشمل الإسهال والغثيان والقيء.

غير أنّ عدم تحمّل الهستامين يمكن أن يسبِّب أيضاً أعراضاً أكثر حدة، من بينها الربو، وانخفاض ضغط الدم، وعدم انتظام ضربات القلب، وهبوط في الدورة الدمويّة، وتغيّرات نفسية مفاجئة (مثل القلق والعدوانيّة والدوار وقلة التركيز)، بالإضافة إلى الاضطرابات في النوم.

4 الأمراض المنقولة بالغذاء

 على الرغم من أنّ معظم الأطعمة المخمَّرة آمن، لا يُستبعد احتمال تلوّثها بالبكتيريا التي يمكن أن تسبَّب الأمراض. وفي 2012 مثلاً، ظهرت 89 حالة من الإصابة بالسالمونيلا في الولايات المتحدة بسبب "التيمبي" غير المبستر.

كذلك أُبلغ عن حالتين خطيرتين من تفشي الإصابة ببكتيريا الإشريكيّة القولونيّة، في مدارس كوريا الجنوبيّة في عامي 2013 و2014. وقد ارتبطا بتناول "كيمتشي" نباتيّ مخمّر ملوّث.

وصحيح أنّ في معظم الحالات تمنع البروبيوتيك الموجودة في منتجات الحليب المخمَّر على غرار الجبن واللبن والحليب الرائب بشكل فاعل نمو بعض أنواع البكتيريا، مثل المكورات العنقوديّة الذهبيّة والسموم المعوية العنقودية التي يمكن أن تسبب التسمم الغذائيّ. ولكن في بعض الحالات تخفق البروبيوتيك في ذلك وتفرز البكتيريا السموم، ويُحتمل تالياً أن يلحق المنتج ضرراً خطيراً بالصحة.

5 عدوى البروبيوتيك

البروبيوتيك آمنة بشكل عام للغالبية العظمى من الناس. ومع ذلك، في حالات نادرة، يمكن أن تسبب العدوى، خصوصاً للأشخاص أصحاب النظام المناعي الضعيف.

في هذا الصدد، أفادت دراسة أجريت في لندن عن أول حالة لمريض سكري يبلغ من العمر 65 عاماً أُصيب بـ"خراج الكبد" (كتلة مليئة بالصديد داخل الكبد) من جراء تناوله كثيراً من البروبيوتيك. يجب أن ينصح المرضى المعرضون للخطر، على غرار أولئك الذين لديهم نظام مناعة ضعيف، بعدم تناول كميات كبيرة من البروبيوتيك.

ويمكن أن يتسبّب العلاج بالبروبيوتيك في حدوث إصابات خطيرة، من بينها الالتهاب الرئويّ لدى الأشخاص الذين يشكون من صحة ضعيفة وحالات العدوى الجهازية، بما في ذلك التسمّم والتهاب الشغاف (عدوى في البطانة الداخليّة لحجرات وصمامات القلب).

6 مقاومة المضادات الحيويّة

يمكن أن تحمل بكتيريا البروبيوتيك الجينات التي تمنح بكتيريا أخرى القدرة على مقاومة المضادات الحيويّة. ويحدث أن تنتقل الجينات المقاومة للمضادات الحيويّة هذه إلى البكتيريا الأخرى الموجودة في السلسلة الغذائيّة والجهاز الهضميّ عبر ما يُعرف بنقل الجينات الأفقيّ (يحدث بمعزل عن عمليّة التكاثر). وتتحمّل أكثر الجينات المقاومة شيوعاً التي تحتوي عليها الأطعمة المخمَّرة مفعول الدواءين "الإريثروميسين" و"التتراسيكلين" اللذين يُستخدمان لعلاج التهابات الجهاز التنفسيّ وبعض الأمراض المنقولة جنسيّاً.

وفي تطوِّر متصل، وجد الباحثون سلالات بروبيوتيك مقاومة في المكملات الغذائيّة المتاحة تجاريّاً، ما قد يعني مقاومة أنواع شائعة عدة من المضادات الحيويّة المستخدمة لعلاج الالتهابات البكتيريّة الخطيرة. وأظهرت دراسة حديثة أجريت في ماليزيا أن بروبيوتيك العصيّة اللبنيّة الحمضيّة الموجودة في الكفير تحمل مقاومة لكثير من المضادات الحيويّة، بما في ذلك "الأمبيسلين" و"البنسلين" و"التتراسيكلين". وتستخدم تلك الأدوية لعلاج الأمراض الخطيرة التي قد تصيب الإنسان، ومن بينها التهابات المثانة والالتهاب الرئويّ والسيلان (أحد الأمراض المنتقلة جنسياً) والتهاب السحايا.

علاوة على ذلك، أظهرت دراسة أخرى أن بكتيريا حمض اللبنيك الموجودة في منتجات الألبان التركيّة كانت مقاومة بشكل رئيس للمضاد الحيويّ "فانكومايسين"، وهو الدواء الأفضل لعلاج العنقوديّة الذهبيّة المقاومة لـ"المثيسيلين".

وبناء على كل ما تقدّم، فصحيح أنّ الأطعمة المخمّرة توفِّر لنا مجموعة واسعة من الفوائد، إلا أنّها في المقابل لا تفيد بعض الأشخاص. وفيما لن يصيب معظم الناس أيّ مكروه جراء تناول هذه الأطعمة، يمكن أن يواجه البعض مشاكل صحيّة خطيرة نتيجة استهلاكها.

منال محمد محاضرة في علم الأحياء الدقيقة الطبيّة في جامعة "وستمنستر" في بريطانيا. ونُشر هذا المقال للمرة الأولى في "ذي كونفرسيشن"

© The Independent

المزيد من صحة