حرب حقول النفط في جنوب ليبيا… من أجل الشعب

يستمر إغلاق حقول النفط، الذي يُكبد الشعب الليبي خسائر فادحة كل يوم، وسط صراع لم تُحدد أطرافه ولم تُعْرف قضيته الأساس بعد

عناصر الجيش الليبي في مدينة سبها جنوب ليبيا (أ. ف. ب)

اتخذت الحرب في الجنوب الليبي، بين قوات الجيش وحكومة الوفاق الوطني، منحى أكثر خطورة بعد تمحورها حول آبار النفط وحقوله في المنطقة. ففي 7 فبراير (شباط) الحالي تقدمت قوات الجيش نحو حقل الشرارة ومدينة أوباري (200 كم جنوب غرب سبها)، وتحالفت من أجل ذلك مع بعض المجموعات المسلحة المحلية، التي أعلنت الولاء لها.

لكن حكومة الوفاق سارعت إلى التحالف مع مجموعات محلية أخرى، وقطعت الطريق على قوات الجيش بالسيطرة على حقل الشرارة، الذي يقع في صحراء الجنوب الليبي، وقد أُكتشف عام 1980، وطورته شركة يتروم، وتُشغِله وتملكه شركة ريسول الإسبانية. ويبلغ إجمالي احتياطي الحقل 3 مليارات برميل، وهو ينتج مع حقل الفيل ما يفوق 300 ألف برميل يومياً. وبهذه المواصفات، ترتفع قيمة الحقل وتزداد أهميته لدى من يريد السيطرة عليه.

حقل الشرارة متوقف عن العمل

فعلياً، توقف حقل الشرارة عن العمل منذ أول نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، على خلفية حراك احتجاجي قاده عدد من نشطاء المجتمع المدني في الجنوب تحت اسم "حراك غضب فزان"، للمطالبة بعدد من الحقوق للجنوب. حينها، تفاوضت حكومة الوفاق الوطني مع المحتجين، ووعدت بتنفيذ مطالبهم، فانتهى الاعتصام. لكن المؤسسة الوطنية للنفط لم تشغّل الحقل، حتى الآن، بذريعة أنها في حاجة إلى ضمانات تكفل سلامة العاملين فيه من أي اعتداءات أو احتجاجات قد تطاولهم في المستقبل.

وفي خضم تحرك الجيش وقلق حكومة الوفاق، أصبح الحقل هدفاً للطرفين. فوقع اشتباك خفيف في أوباري على بعد 60 كم، شمال الحقل، بين قوات الجيش والكتائب الموالية لحكومة الوفاق الوطني، وأسفر عن وقوع جرحى وإيقاف تقدم قوات الجيش باتجاه الحقل. وتوالت الأحداث بنزول آمر المنطقة العسكرية المُعين من قبل حكومة الوفاق علي كنه في حقل الفيل، معلناً سيطرة قواته على الحقول النفطية، وأن الأخيرة جاهزة للعمل واستئناف ضخ النفط من جديد.

مؤسسة النفط: أبعدوا الحقول عن الحرب

قال حسن الصدّيق، مدير حقل الشرارة النفطي، إن إدارة الحقل لم تتلقّ أي مراسلة من المؤسسة الوطنية للنفط في شأن إعادة الإنتاج إلى الحقل. وأوضح الصدّيق أن الفرق الفنية جاهزة لاستئناف العمل بالحقل خلال يومين أو ثلاثة، إذا صدرت تعليمات بذلك. ودعا الأطراف المتصارعة حول الحقل إلى مزيد من ضبط النفس وتجنيب الحقل أي أعمال عسكرية من شأنها الإضرار به كمرفق حيوي لكل المنطقة.

وتسعى المؤسسة الوطنية للنفط في طرابلس إلى تحقيق معادلة صعبة، تضمن من خلالها إبعاد حقولها عن ذلك التناحر الذي يُنْذِرُ بسيناريوات صعبة على الحقلين. إذ أعرب المهندس مصطفى صنع الله، المدير العام للمؤسسة الوطنية للنفط، في لقاء جمعه مع المدير العام للفرع الليبي في شركة ريبسول لويس باولو نافاس، عن قلقه حِيال سلامة الموظفين العاملين في الحقل. ودعا صنع الله ونافاس إلى وقف الأعمال القتالية والنزاعات المسلحة داخل الحقل وخارجه، وضمان الأمان التام للعاملين، وهو مطلب أساس لاستئناف العمليات الإنتاجية في الحقل.

الأطراف المتحاربة والحسابات المحلية

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تستمر الأطراف المتحاربة في التحشيد والتجهيز لأعمال قتالية جديدة، غير أن الحسابات المحلية تلعب دورها في إطالة أمد الحرب أو تقصيرها. فأبناء قبيلة الطوارق، الذين يقع في مناطقهم حقل الشرارة ومُرْفقاته، انقسموا على أنفسهم، فظهر بينهم تيار يدعو إلى الانضمام إلى قوات الجيش ومساندتها. كما ظهر بينهم تيار مضاد يدعو إلى الوقوف إلى جانب حكومة الوفاق الوطني وعدم التفاعل مع قوات الجيش. ويبدو أن التيار الأخير يملك الثقل الأكبر، بعدما تزعمه علي كنه، الذي يتمتع بتقدير واحترام عدد كبير من الطوارق.

وتزداد فُرص الفريق المؤيد لحكومة الوفاق بتوافر المال الذي تملكه الأخيرة، وتستطيع أن تغدقه بسخاء على شكل مكافآت أو مرتبات أو امتيازات. وهذا ما أوقف تقدم الجيش، وأعاد الأنظار إلى مشارف مرزق، التي لاتزال كتائبها المحلية تتصدى لعملية الجيش وتمنع دخوله إليها.

الطيران يحسم الموقف

لجأ الجيش إلى تحريك طائراته ليضمن توجيه ضربات موجعة إلى الأطراف المناوئة له. فكانت عملية استهداف طائرة مدنية تحمل جرحى إلى مطار حقل الفيل، وفق رواية الجماعات المسيطرة على الحقل. إذ حاول طيران الجيش إخافة الطائرة حتى لا تستخدم الجماعات المناوئة له مطار حقل الفيل ثانية. والحقيقة أن الطائرة المستهدفة كانت تحمل على متنها الفريق علي كنه، آمر المنطقة العسكرية المُعين من قبل حكومة الوفاق، الذي ظهر في تصريح على إحدى التلفزيونات المحلية وندّد بعملية استهداف الطائرة، وأكد سيطرة قواته على حقلَي الفيل والشرارة.

الجميع مطالبون بالحسم

هكذا، يتعقّد الموقف ويبدو لزاماً على قوات الجيش أن تحسم الأمر في وقت قصير، إما أن تحقق انتصاراً حاسماً في مرزق أو آخر أكثر حسماً في أوباري، وإلا ستصبح عبارة عن تشكيلات مسلحة تجوب الصحراء تحت غطاء جوي لا يسمن ولا يغني. كما أن إطالة أمد الحرب ستفسح في المجال أمام الجماعات المناوئة للجيش لترتّبَ صفوفها أكثر، وتَعْقِدَ مزيداً من الأحلاف التي ستقويها في وجه الجيش، الذي يملك حتى الآن زمام المبادرة، ورصيده في ذلك التأييد الشعبي الذي يحظى به، واستمرار سياساته الناجحة في تأمين وإدارة الأمور داخل عاصمة الجنوب سبها.

تأييد الجيش ليس كافياً

كما يلْقى حراك الجيش تأييداً جيداً من العديد من المجموعات المحلية والقبائل، وحتى بعض الدول، فقد حصد الحراك في أول أسبوع عدداً من قيادات جماعات إرهابية كانت تتخذ من الجنوب مقراً لها. هذه النجاحات والتأييد كانا دافع الجيش إلى استعجال تحرّكه باتجاه مرزق ومن ثم أوباري، ويلزمه الآن أن يحقق انتصاراً حاسماً في إحداهما على الأقل. كما يلزمه أن يُحافظ على سلامة الحقول النفطية وضمان إبعادها عن كل تلك الفوضى التي تشهدها المنطقة.

في المقابل تحتاج القوات الموالية لحكومة الوفاق إلى ما هو أكثر من التمركز والصمود في مدنها. فبقاؤها على هذه الحالة سيضعفها، وسيصعبُ عليها مسألة التفاوض، في حال أرادت ذلك، بخفض سقف مطالبها.

إلى ذلك يستمر إغلاق الحقول، الذي يُكبد الشعب خسائر فادحة كل يوم، وسط صراع لم تُحدد أطرافه ولم تُعْرف قضيته الأساس بعد. فالكلُ هنا يُحارب من أجل الشعب ويُضحي من أجله.

المزيد من العالم العربي