في آيار/مايو من عام 2018، طالب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عددا من شباب البرنامج الرئاسي المصري لتأهيل الشباب للقيادة أن يساعدوه بـ"رؤية مختلفة"، يقدموا خلالها "مقاربة جديدة" تسهم فيها مؤسسات الدولة، لترأس مصر الاتحاد الإفريقي في عام 2019، لمدة عام تبدأ من غد الأحد (10 شباط/فبراير).
الرئيس السيسي، وعلى هامش حضوره نموذجا لمحاكاة القمة الإفريقية أعدته الأكاديمية الوطنية لتأهيل الشباب (أنشأها الرئيس لتدريب الشباب المصري للقيادة)، قال إن تولي مصر رئاسة الاتحاد للمرة الأولي منذ نشأته عام 2002 خلفا لمنظمة الوحدة الإفريقية (أنشأت عام 1963)، "أمر جلل"، ينتظر من خلاله الأشقاء في القارة السمراء "دورا قويا متوقعا يكون على قدر الأمل والتحدي"، ومن ثم على مصر أن "تعكس قدرتها على التحدث عن قضايا القارة وحل مشاكلها بشكل مختلف"، وفق تعبيره.
وعلى مدار أشهر، أعلنت الرئاسة المصرية، أنها كثفت ومؤسسات الدولة جهودها تجاه القارة السمراء، ما دفع مراقبين للتساؤل بشأن أي دور تسعى القاهرة لتحقيقه خلال عام رئاستها للاتحاد الأفريقي، موضحين في الوقت ذاته أبرز الفرص والتحديات التى قد تواجه التحرك المصري.
أولويات رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي
فى الأول من شباط/فبراير الجاري، أعلنت وزارة الخارجية المصرية، إعداد مصر برنامج عمل "مكثف وطموح" لعام رئاستها الاتحاد، انطلاقاً من عناصر أجندة عمل الاتحاد الإفريقي، وأولويات العمل المتفق عليها في إطاره؛ ومن أهمها أجندة التنمية 2063، ووفقما أعلنت الخارجية المصرية، فإن القاهرة مستعدة لتسخير كافة إمكاناتها وخبراتها لدفع عجلة العمل الإفريقي المشترك لآفاق أرحب في ضوء حرصها على تحقيق مردود ملموس من واقع الاحتياجات الفعلية للدول والشعوب الإفريقية، واضعة في هذا الإطار حزمة من الأولويات في العديد من المجالات، بينها قضايا "السلم والأمن" ودعم جهود الاتحاد الإفريقي وإصلاح مجلس السلم والأمن الإفريقي وتعزيز التعاون القاري لدحر الإرهاب وتجفيف منابع التطرف الفكري، فضلا عن العمل على دفع الجهود المبذولة لمنع النزاعات والوقاية منها والوساطة في النزاعات.
كما أكدت وزارة الخارجية، أن أولويات الرئاسة المصرية للاتحاد الإفريقي سوف تركز كذلك على محور التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال السعي لتوفير فرص العمل الكريم وتعظيم العائد من الشباب الإفريقي، وتطوير المنظومة الزراعية الإفريقية والتوسع في مشروعات الثروة السمكية بما يسهم في تحقيق الأمن الغذائى. وتتضمن أيضا الرؤية المصرية، التكامل الاقتصادي والاندماج الإقليمي حيث ستركز مصر على الإسراع بدخول اتفاقية التجارة الحرة القارية حيز النفاذ، وكذلك العمل على دعم تنفيذ مشروعات البنية التحتية في إفريقيا للمساهمة في تحقيق التكامل الاقتصادي والاندماج الإقليمي وتعزيز التجارة البينية.
وفي الوقت نفسه سوف تضع الرئاسة المصرية للاتحاد ضمن أولوياتها مواصلة عملية الإصلاح المؤسسي والمالي للاتحاد وتعزيز قدرات التجمعات الاقتصادية الإقليمية، بالإضافة إلى تطوير نظام متكامل لتقييم الأداء والمحاسبة وتعزيز الشفافية، إضافة لمد جسور التواصل الثقافي والحضاري.
وبعد أيام من الإعلان المصري لـ"خطة العمل"، نجحت القاهرة خلال جلسات المجلس التنفيذي للاتحاد، قبل يومين، في استضافة وكالة الفضاء الإفريقية، وذلك على هامش اجتماعات القمة الإفريقية، المقرر انطلاقها غداً الأحد بعنوان "اللاجئون والعائدون والنازحون داخلياً: نحو حلول دائمة للنزوح القسري في إفريقيا"، ما مثــّــل وفق عدة مصادر تحدثت إليها "اندبندنت عربية" "ترحيبا وإشادة بالدور المصري في القارة خلال الفترة الأخيرة".
مصر ومحاولات استعادة الدور فى إفريقيا
منذ تولي الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مقاليد الحكم في البلاد عام 2014، وعظمت الدولة المصرية من جهودها تجاه القارة السمراء، من خلال تنشيط التعاون بين مصر والدول الإفريقية في كافة المجالات، فضلا عن استضافة عدد من المؤتمرات والمنتديات المعنية بالاستثمار والاقتصاد والأمن فى القارة، كما كثف الرئيس من تحركاته وزياراته لدول القارة.
وبلغت زيارات الرئيس عبد الفتاح السيسي الخارجية واستضافته لرؤساء أفارقة، منذ توليه الحكم، أكثر من 20 زيارة وجولة أفريقية، بما يمثل أكثر من 35% من إجمالى الزيارات الرئاسية الخارجية، ما يعكس مدى الاهتمام المصري بالقضايا الإفريقية، بالإضافة إلى ذلك عقد الرئيس 112 اجتماعا مع قادة وزعماء ومسؤولين أفارقة زاروا مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة، من إجمالى 543 اجتماعا عقدها مع زوار مصر من قادة ومسؤولي دول العالم والهيئات والمنظمات الدولية. وكانت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس السيسي في حزيران/ يونيو 2014، لدول الجزائر وغينيا الإستوائية والسودان.
ووفق مصادر دبلوماسية، تحدثت لها "اندبندنت عربية"، فإن رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي، "تأتي تتويجا لجهود دؤوبة وحثيثة للدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، وحرص القاهرة على استعادة دورها في القارة السمراء".
ووفق السفير إبراهيم الشويمي، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الإفريقية، فإن "المتتبع للتحرك المصري على مستوي القارة الإفريقية خلال السنوات الخمس الأخيرة، يكتشف أن هناك طفرة حققتها الدبلوماسية المصرية فى إطار استعادة الدور الإفريقي"، موضحا: "في عام 2013 كانت عضوية مصر مجمدة في الاتحاد الإفريقي، وفي عام 2019 ترأست مصر الاتحاد، فضلا عن حصول مصر خلال السنوات الماضية على عضوية مجلس السلم والأمن الإفريقي (2016/2017)".
وجمد الاتحاد الإفريقي عضوية مصر على خلفية الأحداث السياسية التي شهدتها البلاد في عام 2013، والتى تمثلت في خروج مظاهرات واسعة ضد حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي وجماعة الإخوان المسلمين، قادت إلى الإطاحة بمرسي من الحكم وتجميد العمل بالدستور، ثم استعادت مصر عضويتها بعد عام من التجميد.
ووفق الشويمي، "لا يزال الإرث التاريخي لمصر ودورها في تحرير الشعوب الإفريقية من الاستعمار يمثل نقطة انطلاق وثقة في الدور المصري بالقارة الإفريقية". ولعبت مصر دوراً تاريخياً على مستوى القارة الإفريقية من أجل تحرير الدول من الاستعمار وتوحيد جهودها لتحقيق نهضة شاملة في مختلف المجالات من خلال تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية عام 1963. وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أحد الآباء المؤسسين لمنظمة الوحدة الإفريقية، ورمزاً للنضال والتحرر الوطني في إفريقيا وشتى الدول التي عانت من الاستعمار.
وتولت مصر رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية في الأعوام 1964 و1989 و1993، كما استضافت مصر الدورة العادية الـ11 لمؤتمر الاتحاد الإفريقي في شرم الشيخ في حزيران يونيو/تموز يوليو 2008.
فرص جدية للدور المصري
السفير الشويمى تابع: "هناك فرص جدية لتعظيم الدور المصري في القارة من خلال تفعيل اللجان المسؤولة عن النشاطات المختلفة في كافة النواحي السياسية والأمنية والاقتصادية". داعيا دول القارة إلى معاونة الرئاسة المصري، قائلاً: "نعلم جيدا أن هناك آخرين لا يريدون النجاح لمصر، وعليه فمن يسعى لعرقلة العمل المصري فإنه يسعى لاستمرار المشكلات الإفريقية".
في الاتجاه ذاته، يتوافق السفير محمد حجازي، مع رؤية الشويمي، ويقول "هناك تطلع إفريقي كبير للدور المصري ورئاسة الاتحاد هو تكليل لنجاحات الدبلوماسية المصرية في السنوات الأخيرة على مستوى القارة".
حجازي الذي شغل منصب مساعد وزير الخارجية الأسبق، والآن عضو في المجلس المصري للشؤون الخارجية، يرى "أن تولي مصر رئاسة الاتحاد، ونجاحها في استضافة وكالة الفضاء الإفريقية، هو تكليف وليس تشريف، انطلاقا من دورها التاريخي والمسؤولية الواقعة على عاتق مصر تجاه إفريقيا وقضاياها".
ووفق حجازي، فإن "جهود مصر في إفريقيا وحرصها على تحقيق التنمية في القارة، انعكست في تسلم الرئيس منصب منسق لجنة رؤساء الدول والحكومات الإفريقية المعنية بتغير المناخ CAHOSCC خلال الفترة من 2015 إلى 2017. كما تعد مصر من أوائل الدول التي وقعت على اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية AFCFTA، خلال القمة الاستثنائية للاتحاد الإفريقي في العاصمة الرواندية كيجالي يوم 21 آذار/مارس 2018".
وأوضح حجازي، "مصر تؤمن بأن أحد أهم سبل تحقيق التنمية في إفريقيا يكمن في تنفيذ مشروعات عملاقة في مجال البنية التحتية لتسهيل حركة التجارة عبر الربط بين دول القارة، واستثمار الموارد البشرية والطبيعية". مشددا على أن مصر من الممكن أن تضيف وبقوة في مجال "تعزيز الاندماج الاقتصادي وخلق روابط إقليمية وإطلاق قدرات القارة".
تحديات كبيرة
بدوره، يقول النائب البرلماني ماجد أبو الخير، وكيل لجنة الشؤون الإفريقية بمجلس النواب المصري، إنه "بجانب الفرص والآمال المعلقة على العودة المصرية الجادة للقارة السمراء، فإن هناك تحديات كبيرة في القارة، سواء تلك القائمة بالفعل كنسب الفقر والبطالة المرتفعة، وانتشار العنف والإرهاب وعدم الاستقرار، أو تلك التي تواجه الدور المصري من قبل المنافسين التقليديين له في القارة، بعد أن تركت القاهرة القارة السمراء لسنوات طويلة".
ووفق أبو الخير، فإن "أي مقاومة تواجهها عودة مصر للقارة السمراء هي طبيعية، بعد أن تركت مكانها لسنوات، وعلينا أن نتقبل تلك المقاومة بشكل صحي وإيجابي". مشيدا بحجم الترحيب الإفريقي الواسع بالعودة المصرية الفاعلة في قضايا القارة.
وذكر أبو الخير: "كنا في زيارة قبل أيام إلى مقر المفوضية الإفريقية في أديس أبابا، ولمسنا عن قرب مدى الترحيب من مسؤولي المفوضية الأوروبية بالدور المصري، وخلال لقائنا نائب رئيس المفوضية، لاحظنا أن هناك ترقبا وانتظارا لبدء تنفيذ مصر خطتها لتولي الاتحاد الأفريقي". مؤكدا في الوقت ذاته على قدرة المؤسسات المصرية الفعالة والنشطة في لعب دور واسع على كافة المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية وحتى الثقافية".
وشدد أبو الخير على استعداد لجنة الشؤون الإفريقية في مجلس النواب المصري، على دعم رؤية الدولة لإرساء مشروعات حقيقية تجاه القارة، والاستفادة من قدرات القارة بما يخدم مصالح شعوبها. موضحاً: "هناك رؤى حقيقية في كافة المشروعات وخاصة مشروعات البنية التحتية".
ما يطلبه الأفارقة من مصر
مصادر دبلوماسية إفريقية رفيعة المستوى في القاهرة، أكدت ترحيبها ببدء تولي القاهرة رئاسة الاتحاد الإفريقي معربين عن تطلعهم لدور مصري "جاد ومتوقع" لعلاج المشكلات والتحديات التي تواجه القارة.
وقال أحد المصادر الدبلوماسية، والذي يرأس بعثة بلاده، إحدى كبرى الدول الإفريقية في مصر، "العمل المصري الجاد إيجابي لكافة شعوب القارة".
وبشأن التنافس التقليدي بين بلاده ومصر، قال المصدر الدبلوماسي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، إن "مشكلات القارة أصبحت أكبر من أن تتحملها دولة أيا كانت قدراتها بمفردها"، موضحا "القارة بحاجة الآن لسواعد كل أبنائها وإرادة حقيقية لحل المشاكل من كافة كل الزعماء لمنع التدخلات الخارجية المضرة بمصالح القارة". مشددا "وجود منافسة بين الدول أمر طبيعي مع اختلاف المصالح، لكن في النهاية علينا البحث عن عوامل النجاح لمواجهة مشكلات وتحديات القارة".
ووفق مصدر دبلوماسي رفيع آخر، فإن هناك توافقا وترحيبا كبيرين بدور واسع لمصر في القارة الإفريقية، على اعتبار امتدادها الطبيعي ودورها التاريخي، مضيفاً "ننتظر جميعا دورا مصريا أكبر في التحديات الكبرى التي تواجه القارة، وعلى رأسها قضايا الإرهاب وانتشار الجماعات المسلحة والهجرة غير الشرعية، فضلا عن قضايا التنمية الاقتصادية"، معربا عن أمله أن تتمكن مصر من خلال رئاستها من إنجاز "حلم جواز السفر الموحد والتأشيرة الموحدة".
وتعقد قمة الاتحاد الإفريقي العادية خلال شهر كانون الثاني يناير/شباط فبراير من كل عام، بالإضافة إلى الاجتماع التنسيقي بين هيئة مكتب الاتحاد الإفريقي ورؤساء التجمعات الإفريقية الاقتصادية الإقليمية. ويتناوب رؤساء الدول الإفريقية على رئاسة المنظمة كل عام بالتناوب بين الأقاليم الجغرافية الخمسة للقارة (الشمال والجنوب والشرق والغرب والوسط).
ما هي أجندة إفريقيا 2063؟
تعد أجندة إفريقيا 2063 خطة للتحول الذاتي تسعى لتسخير المزايا النسبية للقارة، ووفقا لتقرير مفوضية الاتحاد الإفريقي، فهي بمثابة رؤية وخارطة الطريق للقارة السمراء لتسلسل الخطط القطاعية والمعيارية والوطنية والإقليمية والقارية المتماسكة.
وتهدف الأجندة إلى إقامة إفريقيا يسودها الديموقراطية واحترام حقوق الإنسان والعدالة وسيادة القانون، وجعل القارة تنعم بالسلم والأمن، على أن تكون دول القارة ذات هوية ثقافية قوية وتراث وقيم وأخلاقيات مشتركة.
وتعمل هذه الأجندة على ربط دول إفريقيا من خلال بنية تحتية ذات مستوى عالمي من خلال حملة منسقة لتمويل وتنفيذ مشروعات البنية الأساسية في قطاعات النقل والطاقة وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، بالإضافة إلى الإسراع من إنشاء «منطقة التجارة الحرة القارية» وصولا لمضاعفة التجارة الإفريقية البينية بحلول عام 2022.
كما تعمل على دعم الشباب كمحرك لنهضة إفريقيا وإسكات السلاح بحلول عام 2020 هدف آخر تتضمنه أجندة 2063، لجعل السلام حقيقة واقعة وإنهاء الحروب والنزاعات الأهلية وانتهاكات حقوق الإنسان والكوارث الإنسانية في القارة.
وتدعو الأجندة كل الأفارقة والمنحدرين من أصول إفريقية والحكومات والقيادات والمؤسسات والمواطنين إلى العمل والتنسيق والتعاون معا، لتحقيق هذه الرؤية التي تستهدف برامج رئيسة للقضاء على الفقر بحلول عام 2025 وإطلاق ثورة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار.
كما تدعو الأجندة 2063 إلى تحويل الاقتصاديات الإفريقية وضمان نموها وتوجيهها نحو التصنيع من خلال العمل على إثراء الموارد الطبيعية وتحديث الزراعة الإفريقية وزيادة القيمة المضافة والإنتاجية بحلول عام 2025.
وتنص الأجندة على تحقيق التكافؤ بين الجنسين في كل المؤسسات العامة والخاصة بحلول عام 2020، إلى جانب إصدار جواز سفر إفريقي وإلغاء التأشيرات بين الدول الإفريقية. كما تهدف إلى تعبئة الموارد الإفريقية وبناء أسواق رأسمالية قارية ومؤسسات مالية، إضافة إلى التعلم من التجارب المتنوعة لمختلف البلدان والأقاليم.