الخليج والانتفاضات العربية

الحراك العراقي اللبناني ما زال في بداياته والآتي سيكون أكثر تعقيداً

متظاهرون يواجهون الغازات المسيلة للدموع التي أطلقتها قوات الأمن العراقية في بغداد (أ.ب)

اصطلح الإعلام بغالبه على تسمية ما يجري بالعراق ولبنان والجزائر والسودان "بالانتفاضات"، مثلما اصطلح على تسمية الثورات العربية التي اندلعت أواخر العام 2010 "بالربيع العربي".

دولتان بالشرق العربي، العراق ولبنان، ودولتان بالغرب العربي بأفريقيا، الجزائر والسودان. توقفت الانتفاضة السودانية بخلع الرئيس البشير، وبالتوافق السوداني على تعيين الخبير الاقتصادي عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء، وهدأت السودان هدوءاً نتمنى استمراره بتنمية وتقدم سوداني.

أما الجزائر، فعلى الرغم من دموية أحداث التسعينات التي حصدت حوالى 200 ألف ضحية، لم تسجل سقوط قتيل واحد "بعد"، ونتمنى أن تبقى بلا دماء حتى تصل إلى نقطة الهدوء والإصلاح، بينما يواجه العراقيون العزّل ميليشيات مرتبطة بإيران مدججة بالسلاح والقتل، فسقط مئات القتلى وآلاف الجرحى ومئات من المختطفين والمختفين، وما زال العراق يغلي غلياناً شعبياً غير مسبوق في تاريخه، بينما تحقق جزء يسير من مطالب اللبنانيين باستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وما زالت طريق ثورتهم السلمية طويلة لأن المطلب "#كلن_يعني_كلن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترتبط الثورتان العراقية واللبنانية بالعامل الإيراني، ويوجه المحتجون أصابع الاتهام إلى إيران والأحزاب الدينية الشيعية المرتبطة بها. بينما رأى السودانيون والجزائريون أن "علتهم باطنية"، كما يقول المثل الشعبي.

الخليج، والتعميم هنا غير دقيق للتفاوت بالمواقف، يراقب أكثر مما يتدخل في مجريات الأحداث بهذه الدول التي تشهد الانتفاضات الأربع، فعلى عكس "الربيع العربي" الذي كان الخليج حاضراً فيه بقوة ووضوح وعلنية، بل وشارك مشاركة عسكرية مباشرة بالإطاحة بالعقيد معمر القذافي في ليبيا عام 2011، فإن الخليج اليوم يكتفي بالمتابعة والمساندة الإعلامية فحسب. وأظن أن ذلك من صالح هذه الانتفاضات، فالتدخل الخليجي المباشر بهذه الأحداث، وخصوصاً في حالتي العراق ولبنان، سوف يعطي إيران وأعوانها مزيداً من الحجج الواهية لقلب هذه الانتفاضات وإظهارها زوراً وبهتاناً على أنها انتفاضات "طائفية" سنية تدعمها دول الخليج "السنية" بأموالها النفطية تنفيذاً لمؤامرة "إمبريالية صهيونية صليبية تكفيرية بعثية داعشية ناصبية" إلى آخر أسطوانة المؤامرة. ذلك أنه وعلى الرغم من أن الخليج يراقب أكثر مما يتدخل في هذه الانتفاضات، فلم يسلم من اتهامات المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي بأن ما يجري بالعراق ولبنان إنما هو "مؤامرة أميركية مدفوعة بأموال إقليمية".

دار ولا يزال يدور جدل في عواصم خليجية كالرياض وأبوظبي والكويت حول الموقف من هذه الانتفاضات، فمن مجادل بأن هذه فرصة تاريخية قد لا تتكرر لمساندة شعبي العراق ولبنان على استعادة عروبتهما وقرارهما الذي صادرته طهران، إلى مخالف يدعو إلى النأي بالخليج عن هاتين الانتفاضتين كأفضل ما يمكن تقديمه لهما، فالمساندة قد تبرر وتزيد حدة القمع الوحشي الذي يتعرض له الشعب العراقي على أيدي ميليشيات إيران، وقد تسارع بتبرير قمع "حزب الله" الإيراني للمنتفضين السلميين من الشعب اللبناني، وقد رجحت الكفة للجدل الأخير بالابتعاد عن الساحة العراقية واللبنانية كأفضل ما يمكن تقديمه لشعبيهما في هذه المرحلة.

وقت كتابة هذه المقالة، تتسارع أحداث الانتفاضات وبالذات بلبنان والعراق، ويتصاعد القمع بشاعة ودموية بالعراق، وتتقطع الاتصالات مع العراقيين، وتمنع طهران عبر ميليشياتها الإنترنت مثلما حرمت الشعوب الإيرانية منه، وتتطور الأمور بشكل سريع.

أميل إلى الابتعاد الخليجي الرسمي عن هذه الانتفاضات، وأشدد على ضرورة المساندة الإعلامية لفضح الوحشية الدموية التي تقمع بها إيران الشعب العراقي عبر ميليشياتها، بل وبشكل مباشر عبر قناصيها والحرس الثوري الإيراني كما ذكرت بعض التقارير، وأتمنى من كل قلبي ألا يغرد الرئيس دونالد ترمب حول انتفاضتي لبنان والعراق "ويجيب العيد"، مثلما حال فنزويلا.

الانتفاضة العراقية اللبنانية ما زالت في بداياتها، والآتي سيكون أكثر دموية وتعقيداً، للأسف الشديد، وعلى الخليج التنسيق بالحد الأدنى لمراقبة التطورات، وقراءة السيناريوهات المحتملة التي قد تؤول إليها الأمور.

المزيد من آراء