5 قتلى في ساحة التحرير وانقطاع خدمات الإنترنت في بغداد

تزايد عدد المتظاهرين في العاصمة في تحدٍّ واضح لحظر التجوّل

تجمع آلاف المحتجين المناهضين للحكومة العراقية في وسط العاصمة بغداد الاثنين الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني)، متحدّين مناشدة رئيس الوزراء إنهاء الاحتجاجات التي يقول إنها تكلف الاقتصاد العراقي مليارات الدولارات وتعطل الحياة اليومية. في حين انقطعت خدمات الإنترنت في بغداد ومعظم أنحاء العراق، مساء الاثنين، وفق مرصد نتبلوكس لمراقبة الإنترنت.

وأضاف المرصد في بيان "انخفضت اتصالات الإنترنت العامة لما دون 19 في المئة عن المستويات المعتادة مما قطع الخدمة عن عشرات الملايين من المستخدمين في بغداد، وتأثرت أيضاً البصرة وكربلاء ومراكز سكانية أخرى. نعتقد أن الانقطاع الجديد هو أكبر انقطاع نرصده في بغداد حتى اليوم".

وميدانياً، ذكر شاهد من وكالة "رويترز" أن قوات الأمن العراقية فتحت النار على المحتجين قرب جسر الأحرار فقتلت ما لا يقل عن خمسة منهم.

وأظهر تقرير للوكالة  قوات الأمن تطلق النار على محتج فترديه قتيلاً. وأضاف أيضاً مصور اللقطات أنه شاهد مقتل ما لا يقل عن أربعة آخرين. وقالت مصادر أمنية وطبية إن شخصاً واحداً قتل وأصيب 22 آخرين، مضيفةً أن قوات الأمن استخدمت الرصاص المطاط والغاز المسيل للدموع وليس الذخيرة الحية.

إلى ذلك، أفاد شهود عيان لوكالة الصحافة الفرنسية بأن القوات الأمنية استخدمت الرصاص الحي الاثنين ضدّ متظاهرين احتشدوا قرب مقر تلفزيون العراقية الحكومي في وسط بغداد. وقالت مصادر طبية وأمنية للوكالة إن 12 شخصاً أصيبوا بجروح.

جاء هذا التصعيد بعد موقف لرئيس الحكومة عادل عبد المهدي لم يسهم في إقناع المتظاهرين، حين قال "العديد من المطالب قد تم الوفاء بها" وطالب بـ "العودة إلى الحياة الطبيعية".

ولا تزال غالبية المدارس الحكومية مغلقة في بغداد ومدن الجنوب، من بينها الديوانية حيث رفع متظاهرون لافتات كبيرة على مباني المؤسسات الحكومية كتب عليها "مغلق باسم الشعب". ورفع محتجون في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة أيضاً، لافتة مماثلة عند مدخل مبنى مجلس المحافظة. وكانت مؤسسات حكومية وتربوية عدّة واصلت إغلاق أبوابها في العاصمة وعدد من المدن الجنوبية الأحد، أول أيام الأسبوع في العراق الذي يشهد احتجاجات دخلت شهرها الثاني للمطالبة بـ"إسقاط النظام".

وتزايد عدد المتظاهرين في ساحة التحرير وسط بغداد، على الرغم من حظر التجوال الليلي الذي فرضه الجيش. كما شهدت شوارع العاصمة خروج مئات السيارات التي تطلق العنان لأبواقها وتتعالى منها الأناشيد والأغاني الوطنية وترفع أعلاماً عراقية.

 

 

"الطريق مفتوح بأمر الشعب"

وبينما تنصب قوات الشرطة في الأيام العادية حواجز أمنية وتسهل مرور المشاة، انقلبت الأدوار الاثنين. فعلى الطريق المتاخمة لنهر دجلة في وسط بغداد، أقام المتظاهرون حاحزاً وردوا على رجال الشرطة الذين يحاولون العبور "لدينا أوامر، لا يمكنكم المرور".

وقبل يوم، وعلى الطريق ذات الاتجاهين نفسها، قام عناصر الشرطة بإنزال كتل خرسانية لمنع المتظاهرين من الوصول إلى ساحة التحرير. لكن على حين غرة، وصلت مجموعة صغيرة من المتظاهرين على متن عجلة "توك توك" حمراء، وهي وسيلة نقل اكتسبت شهرة كبيرة خلال الاحتجاجات، وقاموا بمطاردة الشرطة. أوقف المتظاهرون عربة التوك توك أمام شاحنات الشرطة، وقطعوا عليها الطريق، وضغطوا على الضباط للعودة عن قرارهم ورفع الجدران. وبالفعل تراجع عناصر الشرطة، وتمكنوا من تغيير مسار الشاحنة الكبيرة، وتبعها التوك توك منتصراً. بعيد ذلك، علق المتظاهرون لافتة صغيرة كتب عليها "الطريق مفتوح بأمر الشعب".

احتجاجات في جنوب البلاد

وفي أماكن أخرى من البلاد، تزايدت موجة العصيان المدني. وواصل متظاهرون إغلاق الطريق المؤدية إلى ميناء "أم قصر" في محافظة البصرة جنوب العراق، الذي يعد منفذاً حيوياً لاستيراد المواد الغذائية والطبية. وغادرت عشرات السفن الميناء من دون أن تتمكن من تفريغ حمولتها.

وفي مدينة العمارة، مركز محافظة ميسان في جنوب البلاد، أقدم متظاهرون على إغلاق حقلين نفطيين تديرهما شركات صينية، وهما حقل حلفاية الذي يعدّ من أكبر حقول النفط في العراق، وحقل البزركان. ولم يتوقف الإنتاج في تلك الحقول، غير أن بعض الموظفين أكدوا لوكالة الصحافة الفرنسية أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى مواقع عملهم.

وفي السماوة بجنوب العراق أيضاً، أغلق متظاهرون الجسور والطرقات الرئيسية لمنع وصول الموظفين إلى أماكن عملهم، كما هو الحال في مدن أخرى كالناصرية والحلة.

مئات القتلى

ومساء الأحد، قُتل أربعة متظاهرين وأُصيب 19 آخرون، في إطلاق نار وقع خلال احتجاجات ليلية، أمام مبنى القنصلية الإيرانية في مدينة كربلاء، جنوب العاصمة العراقية بغداد. وشهدت الاحتجاجات التي انطلقت في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي أعمال عنف دامية، أسفرت عن مقتل 257 شخصاً على الأقل، بحسب أرقام رسمية. ووسط دعوات الناشطين إلى عصيان مدني، تزايدت المشاركة لتشمل نقابات بينها المعلمين التي أعلنت إضراباً عاماً، أدى إلى شلل في معظم المدارس الحكومية في العاصمة والجنوب.

وفي بغداد، قطع متظاهرون الطرق الرئيسة في أحياء متفرقة، بينها مدينة الصدر ذات الغالبية الشيعية بسيارات لمنع حركة السير في اليوم الأول من الأسبوع في البلاد، ولم تتدخل قوات الشرطة التي اكتفت بالمراقبة. فيما شارك متظاهرون آخرون، بينهم طلاب مدارس وجامعات، في إضراب نقابة المعلمين الذي أُعلن الأسبوع الماضي.

 

إضراب عام

بدورها، أعلنت نقابات المهندسين والمحامين والأطباء عن إضراب عام كذلك، دعماً للاحتجاجات. وشهدت الناصرية الأحد عصياناً مدنياً، فأغلق متظاهرون جسور المدينة الأربعة ما أدى إلى توقف العمل في معظم المؤسسات الحكومية والمدارس.

كما عمّت مدن أخرى في جنوب البلاد إضرابات مماثلة الأحد، بينها الديوانية (جنوب بغداد) حيث علّق المتظاهرون لافتة كبيرة على مبنى مجلس المحافظة كُتب عليها "مغلق بأمر الشعب"، في وقت امتنع كثيرون من الموظفين عن الذهاب إلى أعمالهم في مدينة الحلة، بمحافظة بابل جنوب بغداد، وسط إغلاق معظم الدوائر الحكومية.

مساع للمعالجة... ولكن

وفي مسعى لمعالجة الأزمة، تعهّد مسؤولون عراقيون أبرزهم رئيس الوزراء عادل عبد المهدي ورئيس الجمهورية برهم صالح بإصلاحات تشمل توفير فرص عمل وإجراء انتخابات مبكرة، لكن ذلك لم يثنِ المتظاهرين عن مواصلة الاحتجاجات. وتوحي هذه الاعتصامات إلى دخول الاحتجاجات مرحلة جديدة، خصوصاً لكونها بالفعل أكبر حراك شعبي يشهده العراق منذ عقود.

حرية التعبير في خطر

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ضوء الاحتجاجات، قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" الاثنين إن السلطات العراقية اعتقلت ثلاثة أشخاص في محافظة الأنبار، التي لم تشهد تظاهرات حتى الآن، لنشرهم رسائل تضامن مع المحتجين عبر فيسبوك.

وأكّدت المنظمة الحقوقية اعتقال شخصين واستجواب ثالث وإجبار رابع على الاختباء منذ 25 أكتوبر، معتبرةً ذلك انعطافة في العراق الذي مزقته 40 عاماً من النزاعات، إذ كان "يشعر الكثير من العراقيين بالحرية في التحدّث عن القضايا السياسية"، حسب مديرة قسم الشرق الأوسط في المنظمة سارة ليا ويتسن.

وبينما احتجزت السلطات في مختلف أنحاء العراق مئات المتظاهرين خلال الاحتجاجات أو بعدها، تبرز اعتقالات الأنبار لأنها طالت رجالاً لمجرد إظهارهم الدعم عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأشار ويتسن إلى أن "هذه الحالات تمثل تغييراً مقلقاً بالمقارنة بين تصريحات هؤلاء الرجال السياسية السلمية تماماً، وبين الاستجابة غير المتناسبة على الإطلاق من قبل سلطات الأنبار".

وقابلت "هيومن رايتس ووتش" أقارب رجلين احتجزتهما قوات الأمن بعدما نشرا رسائل تضامن مع المتظاهرين، وقالوا إن القوات الأمنية اعتقلتهما من منزليهما بعد دقائق أو ساعات من التعليق على فيسبوك، وأطلقت سراح واحد منهما بعد وقت قصير. وقال رجل ثالث إنه بعدما نشر دعماً للإضراب تضامناً مع الاحتجاجات على فيسبوك، استجوب العديد من عناصر الأمن زملاءه عنه، ثم استجوبوه وسمحوا له بالرحيل لاحقاً.

وفي مواجهة هذه التعبئة غير المسبوقة، تعرّضت وسائل إعلام عدة لسلسلة اعتداءات وعمليات خطف لناشطين فيما تحدّثت وجوه معروفة عن "جمهورية خوف جديدة".

العفو الدولية... في المرصاد

من جانبها، انتقدت منظمة العفو الدولية هذا الأسبوع استخدام القوات العراقية نوعين من القنابل المسيلة للدموع، اخترقت جماجم وصدور متظاهرين. وعلى الصعيد نفسه، أعربت المفوضية العراقية لحقوق الإنسان عن قلقها حيال مصير "مخطوفين"، بينهم متظاهرون وصحافيون وكوادر طبية.

والأحد، أعلنت اللجنة الحكومية لحقوق الإنسان خطف صبا المهداوي، الطبيبة والناشطة، منددةً بـ "عمليات الاختطاف المنظمة"، في حين أُطلق سراح ناشطة أخرى. وقالت والدة صبا ونشطاء إنّها تعرضت للخطف على أيدي "رجال مسلحين وملثمين على متن شاحنات صغيرة" أثناء عودتها من ساحة التحرير مساء السبت، فيما اعتبر رئيس اللجنة البرلمانية لحقوق الإنسان أنّ "هذا عار على المجتمع العراقي بأسره".

المزيد من العالم العربي