رحيل أمجد ناصر الشاعر العابر... بقصائد المنفى ومرثيات الوجود

استعاد سقوط الأندلس في قصيدة درامية... وديوانه الأخير عن مآسي العصر

الشاعر امجد ناصر 1955-2019 (يوتيوب)

ظل يقاوم المرض طوال سنة مكابداً آلامه جسداً وروحاً، حتى غلبه فأغمض عينيه للمرة الأخيرة. رحل الشاعر أمجد ناصر عن 64 سنة وكان لا يزال في أوج إبداعه، مشغولاً بهموم الإنسان العربي والمآسي التي يشهدها في أكثر من بلد. وكان آخر ديوان له صدر قبيل رحيله وعنوانه "مملكة آدم" أشبه بملحمة شعرية ترصد مآسي العصر العربي الراهن. لكن أمجد رحل  وفي قلبه مقدار من عزاء بعدما أحاطه الشعراء والنقاد خلال أشهر احتضاره القاسي، بمحبة فائضة وكتبوا عنه وعن تجربته الفريدة مقالات مهمة وعميقة، وخصته صحف ومواقع بملفات شاملة.

ولئن كان أمجد ناصر أردني المولد (1955) والنشأة، فهو لم يلبث أن غادر الأردن شاباً ليجوب دولا عربية عدة ويصبح مواطناً عربياً. بدّل اسمه الأصلي "يحيى النعيمات" باسمه الشائع الذي عرف به، درَسَ العلوم السياسية في "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، تبنى القضية الفلسطينية حتى بات يظنه الكثيرون فلسطينياً، ثم انتقل مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى بيروت، وعمل في صحافتها بين بيروت وقبرص. ثم انتقل إلى لندن ليسهم في تأسيس صحيفة "القدس العربي" عام 1987 ويستقر فيها سنوات طويلة، مديراً للتحرير ومشرفاً على قسمها الثقافي. وعلى الرغم من انشغاله السياسي والتزامه وعمله الصحافي، أولى أمجد الشعر والكتابة الإبداعية اهتمامه الأول، وسعى إلى الفصل بين همومه السياسية وهمومه الشعرية، فأبدع أجمل القصائد والنصوص التي أعاد فيها تشكيل العالم والذات عبر رؤية وجودية عميقة وانتماء ميتافيزيقي يكاشف أغوار الكائن. وكانت له دواوين فريدة في مقارباتها الشعرية ومناخها وأبعادها الرؤيوية ومداها اللغوي وتقنياتها. وكتب في حقل أدب الرحلة والسرد الروائي، "مديح لمقهى آخر"، و"بيروت" و"منذ جلعاد كان يصعد الجبل"، و"سُرَّ من رآك"، و"حياة كسرد متقطع"، "رعاة العزلة"، "وصول الغرباء"، "أثر العابر – مختارات شعرية"، "خبط الأجنحة"/ رحلات، "مرتقى الأنفاس"، "وحيداً كذئب الفرزدق"، "حيث لا تسقط الأمطار"/ رواية، "هنا الوردة"/ رواية، في بلاد ماركيز"/ رحلات.

"أثر العابر"

في العام 1989 أصدر الشاعر مختارات من دواوينه كافة انتقى هو بنفسه قصائدها وسماها "أثر العابر". ضمّت المختارات هذه باقة من قصائده المكتوبة خلال ما يقارب عشرين عاماً وباتت تشكل مدخلاً إلى عالمه الشعري المتعدد المراحل والأجواء. وفي اختياره هذا العنوان بدا كأنه يحتفي بصورة الشاعر العابر الذي لن يتوانى عن ترك "أثر" قد يكون الشعر نفسه أو "الكينونة" نفسها أو اللغة التي يسكنها الشاعر داخل العالم.وقد تحيل هذه العبارة على الصفة التي أطلقها الشاعر الفرنسي مالارميه على مواطنه رامبو حين سماه بـ "العابر الهائل" ولكن بـ "نعلين من ريح" كما فترض اكتمال هذه الصفة. إلا أن العبور لدى أمجد ناصر يمتلك مواصفاته الخاصة في كونه حالاً من العبور الدائم الذي لا ينتهي إلى ضفة أو مكان. لعله عبور الشاعر المتردد بين حركتين متقابلتين: الوصول والانطلاق. وهما حركتان أبديتان في ما تعني الأبدية من مراوحة في الحيرة: عين على الماضي وعين على الحاضر، عين على الصحراء وعين على البحر، عين على البراءة الأولى وعين على الإثم أو الخراب. على أن الشاعر"العابر" لا يكتمل عبوره إلا في الأثر الذي يتركه، ولو بدا الأثر كأنه نقيض العبور. فالأثر ثبات في الزمن والعبور تخلص من ربقة الزمن. ولا بد من أن تستدعي فكرة "العبور" مقولة أخرى تتردد في شعر ناصر وهي "المنفى". وقد حمل ديوانه "رعاة العزلة" قصيدة جميلة بعنوان "منفى". فالمنفى كمقام أو حال ينسحب على قصائد كثيرة ومن ضمنها قصائد الحب التي ضمّها ديوان "سر من رآك" وكذلك قصائد ديوان "مرتقى الأنفاس" الذي يستعيد مأساة غرناطة التاريخية.

إلا أن مقولة "المنفى" تظل خارج التأويل السياسي وخارج الإطار الواقعي الصرف والسياق العرضي. فالمنفى لدى ناصر يرتبط ارتباطاً وثيقاً بسيرته كشاعر وجد في الشعر أرضاً للاقامة ومسكناً أخيراً. المنفى تجذر في اللامكان وليس وقفاً فقط على فعل الاقتلاع أو الخروج. المنفى هو العالم المجهول الذي يمضي الشاعر في اكتشافه مكتشفاً ذاته في الحين ذاته. والشاعر لا يخفي انحيازه إلى حال النفي هذه ما دامت الأرض الأولى منفى وكذلك الثانية، ما دامت الصحراء منفى والبحر كذلك. هكذا يجاهر الشاعر قائلاً: "بين أترابي فزت بالمنفى". وها هو يجعل من تاريخ ولادته (1955) عنواناً لقصيدة جميلة بمقدار ما هي أليمة يرسم فيها ما يشبه "المسرى" الشعري الذي ينتهي بالخيبة: "ولم ترَ في الأمر ما يستحق الذكر".

التزام شعري

منذ مطلع الثمانينيات من القرن المنصرم أي منذ البدايات ارتبط صوت أمجد ناصر بحركة الشعر الفلسطيني الهامشي الذي نشأ في ظل المدرسة النضالية الرسمية. والتبست هوية هذا الشاعر نظراً إلى التزامه السياسي وانضوائه في صفوف اليسار الفلسطيني شأنه شأن الكثيرين من الشعراء العرب الجدد. إلا أن ناصر الذي استهل حياته الشعرية منفياً وغريباً، كان صوته يختلف منذ البداية عن أصوات الشعراء الآخرين. فهو اختار المنفى اختياراً مقصوداً على خلاف الشعراء الفلسطينيين وشعراء المخيمات الذين وجدوا أنفسهم في المنفى الفلسطيني القدري. ولعل هذا الاختيار هو الذي منح منفى أمجد ناصر مواصفات المكان اللامحدود، المكان المفتوح على أقصى معاني الغربة.

كان لا بد من أن يحضر المنفى بشدة في شعر أمجد ناصر، ليس المنفى فحسب، بل ما يستتبع أيضاً من موضوعات: كالغربة والانقطاع والاستلاب والاقتلاع وسواها. وكل هذه الموضوعات تؤلف العصب الرئيس في قصائده المتوالية طوال أكثر من عشرين عاماً، منذ العام 1979 حين أصدر ديوانه الأول "لمقهى آخر" حتى العام 1997 حين أصدر ديوانه "مرتقى الأنفاس". غير أن طغيان هذا "العصب" لا يعني تكرار تلك الموضوعات. فالقصائد تكتشف المنفى وتظل تعيد اكتشافه شعرياً ولغوياً، محتفية به مقدار احتفائها بالعالم نفسه الذي تظل على حال من التصادم معه. في قصيدة "منفى" (ديوان رعاة العزلة) يكتب الشاعر من جحيم منفاه عن حال "عدم التغير" التي يحيا فيها أولئك "الرعاة" الذين خرجوا وكأنهم لم يخرجوا، بل كأنهم لا يزالون في تلك القرى التي غادروها حاملين إياها معهم. أو كأنهم لم يجتازوا "حدود الشمال إلى المدن الكبرى والسواحل". هذا النفس الرثائي يلازم الكثير من القصائد التي كتبها أمجد ناصر. لكن الرثاء لا يقتصر على العالم الأول بل ينسحب على العالم الآخر، على "الضفة الأخرى" أو ما يسميه الشاعر "حواف المياه ". غير أن المأساة لا تبلغ أوجها هنا في هذا الاقتلاع أو هذا التردد بين عالمين أي بين "مصاطب الريحان" و"رائحة القرفة" وبين "الجزيرة "و"مدن المنتحرين". تبلغ المأساة ذروتها في الخيبة التي يمنّى بها الشعراء دوماً، الخيبة الوجودية التي يكتشفها الغرباء لدى وصولهم إلى "الكمائن" وإلى "الأسماء المستعارة". يدرك هؤلاء الغرباء أن الناس الذين عرفوهم قديماً لن يعرفوهم بعد الآن. فالأسماء مضى وقت استعادتها و "صور العائلة" لم تبق في الأدراج. الماضي انهار كله والحاضر أصبح في صيغة الماضي الذي يواصل انهياره. حتى الحرب باتت أشبه بـ "حدوة حصان" أو "سترة مثقوبة بالرصاص". أما الانتحار فمستحيل إذ لا مسدس هنا ولا مدية ولا أنشوطة كما يعبر الشاعر، بل "كلس الجدران" وحده.

سكون الإسم

إلا أن الشاعر الذي يجعل من المنفى موضوعة شعرية بامتياز يمتهن السفر في عالم الكلمات والصور والمجاز "ساكناً اسمه الجديد"، بحسب تعبير سان جون بيرس، بعدما أضحى اسمه الأول وقفاً على ماض منهوب أو مدمر. يصبح الشاعر قرين عوليس الذي لن يبحث عن إيثاكا إلا في غمام الشعر. حال المنفى هذه تظهر أيضاً في ديوان "سر من رآك" الذي اقتصره ناصر على لغة الجسد الأروسي المتفتح تحت نار الشهوة وجمر الموت. في هذا الديوان الذي تحتله المرأة بحضورها "الرغائبي" يقول الشاعر: "وغنيت، أنا المولود تحت منجل الحصاد /غناء الغريب بين رطانة المبشرين بالسؤدد". وموضوعة الغربة هذه تتجلى أيضاً في ديوان "مرتقى الأنفاس" عبر التماهي في شخص أبي عبدالله الصغير آخر ملوك غرناطة الذي غادر أرضه مغادرة الغريب غداة سقوطها النهائي. يكتب الشاعر مستعيراً صوت ذلك الشخص المأسوي: "وصل الغريب /بلا بارحة أو غد /وصل الغريب /على آخر /نفس".

وعودة إلى قصيدة جميلة ومثيرة بعنوانها وهي "انطباعات خاطئة" يجد القارئ  مدخلاً متاحاً إلى عالم أمجد ناصر الشعري. فالانطباعات الخاطئة هذه تمثل روح الشعر الحقيقي الذي لا يقوم إلا على الانطباع المختلف والمفاجئ وغير الجاهز أو المسبق. إنه الانطباع الذي يحيل الوصف إلى "حطام" ويجعل المشهد، بصفته واجهة العالم، أقرب إلى "الطبيعة الجامدة". وكان الشاعر أعلن أصلاً في قصيدة "برار" (رعاة العزلة) ما يشبه "البيان" الشعري الذي يجاهر من خلاله بصورة الشاعر المخلوق تحت برج الغربة والمنفى والخيبة. إنه الشاعر الذي لم يجد في النهر إلا الحصى و "وصايا الجفاف"، ولم يجد في الحب إلا "خريف القرنفل" وفي الحكمة إلا "فتات الموعظة". إنه الشاعر المتمرد على الشعر نفسه وهو لم يجد فيه إلا "فتات الوصف". يصبح الشعر هنا فعل تمرد لا على اللغة، أساس الشعر، فقط وإنما على الزمن الماضي الذي يرمز النهر إليه وعلى التاريخ المتمثل في الحكمة، وعلى الحياة نفسها الكامنة في الحب. ليست هذه اللحظة الشعرية السلبية مجرد رد فعل سلبي حيال العالم بل هي لحظة حضور فيه، ولكن من خلال رفضه وتحطيمه أو تحويله إلى فتات، بحثاً عن جوهره المفقود. وفي قصيدة "أغصان مائلة" يتضح موقف الشاعر مذ يعلن أنه يريد أن ينظف رأسه من "بقايا الموعظة والكلمة الطيبة "وأن ينظف قلبه من "حطام الحب الأول" وصوته من "أوكسيد الأغنية". لكن الشاعر المتمرد والرافض يعلن انتماءه إلى القصيدة الغنائية في ديوانه "سر من رآك" محتفياً بالجسد الأنثوي احتفاء إروسياً يجعل اللغة مادة للرغبة المشتعلة. ويعلن الشاعر أيضاً انتماءه إلى القصيدة الدرامية في ديوانه "مرتقى الأنفاس" مستعيداً أسطورة الهزيمة التاريخية في غرناطة. ولعل هذه القصيدة هي من القصائد العربية النادرة التي استطاعت أن ترتقي بهذه القضية إلى مصاف الإبداع الشعري الحقيقي بعيداً من النواح والبكاء وفي منأى من الموعظة الأخلاقية والأمثولة السياسية.

يصعب فعلاً حصر عالم أمجد ناصر أو وصفه أو مقاربته في مقالة تهدف إلى رسم صورة موجزة عن مسار شعري أو تجربة هي في صميم الحركة الشعرية العربية الجديدة. ولا تكمن فرادة هذه التجربة في انتقالها من الشعر التفعيلي في البدايات، إلى قصيدة النثر فقط، ولا في انفتاحها على حرية القصيدة وهوائها الطلق، بل في كونها أيضاً اختباراً للشعر والقصيدة على ضوء المكابدة أولاً والوعي الشعري ثانياً. ولعل هذه الفرادة تزداد رسوخاً كذلك من خلال ثورية هذا الشعر وحداثته النضرة وأصالته التي تبوح بها اللغة المتحولة دوماً. وما أرحب عالم أمجد ناصر القائم أولاً وأخيراً على تعدد الطبقات وتعدد الأساليب التي تصب في الختام في نهر التجربة الواحدة.

ترجمت أعمال أمجد ناصر إلى الفرنسية والإيطالية والإسبانية والألمانية والهولندية والإنجليزية، ولغات أخرى، ونال خلال مسيرته العديد من الجوائز والتكريم، بينها جائزة محمّد الماغوط للشعر من وزارة الثقافة السورية في العام 2006. وحاز جائزة الدولة التقديرية في حقل الآداب، ووسام الإبداع والثقافة والفنون الذي منحه إياه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تقديراً لدوره في إغناء الثقافة العربية، وتحديداً الأردنية والفلسطينية.

 

المزيد من ثقافة