خيارات سعد الحريري بعد الاستقالة ورهانات القوى السياسية والطائفية في المرحلة المقبلة

ترك رئيس الوزراء المستقيل لخليفته إرثا صعباً ومركباً من الضعف وتراجع التأثير

إعلان الرئيس سعد الدين الحريري الاستقالة من رئاسة الحكومة في خطوةٍ مفاجئةٍ ومن خارج كل السياقات التي كانت توحي بعكس ذلك، فتحت الأمور على عمق الأزمة التي واجهته في عمليّة التفاوض التي خاضها على مدى الأسبوع الماضي من أجل التوصّل إلى حلول للأزمة الحكوميَّة، بما يرضي الانتفاضة الشعبيَّة بالشوارع والمدن اللبنانيَّة، والشروط التي وضعتها الأحزاب والقوى السياسيَّة، خصوصاً ما يتعلق بفرض معادلة تُجبر رئيس الجمهوريّة ميشال عون على التخلي عن الوزير جبران باسيل مقابل المُضي بـ"تعديل وزاري" أو تشكيل حكومة "تكنوقراط جديدة".

هذه الاستقالة، وفي حال إصرار فريق رئيس الجمهوريّة على مواقفه حول مشاركة الوزير باسيل، يعني صعوبة إعادة تكليف الحريري بتشكيل هذه الحكومة، وبالتالي قد تمهد لخروجه من الحياة السياسيَّة في هذه المرحلة، وهو خروج قد يستتبع خروج أفرقاء آخرين يرفضون العودة إلى الحكومة من دون الحريري، على الأقل في المواقف والتصريحات التي صدرت وتصدر عنهم في مرحلة ما قبل التشكيل والانتظار.

وفي حال حصل هذا الأمر فإن استقالة الحريري تعني أنه ترك لخليفته في موقع رئاسة الحكومة إرثا صعباً ومركباً من الضعف وتراجع التأثير، ووضع رئيس الحكومة المقبل في دائرة الارتهان إلى قوى سياسيَّة وطائفيَّة تسعى منذ ثلاثة عقود إلى إضعاف صلاحيات رئاسة الحكومة تحت شعار استعادة الحقوق، وهي لا شك في ظل صعوبة استقالة رئيس الجمهوريَّة متحصناً بالخطوط الحمراء التي وضعها حزب الله دفاعاً عن "العهد"، فإنها ستكون الأكثر استفادة من هذه الاستقالة في حال قرر رئيس الجمهوريَّة الصمود بوجه المطالب التي تحاصره ليس فقط من الشركاء من طوائف أخرى، بل من داخل الطائفة المارونيَّة التي تسعى أو ترى في ذلك الفرصة بأن تكون هي المسيطرة -بعد استقالته- على مقاليد السلطة والتمثيل المسيحي في السلطة على حساب التيار الذي يمثله عون في المعادلة اللبنانيَّة.

في اللا وعي لدى القوى المسيحيَّة المعارضة والمناوئة للرئيس عون أن إضعاف فريق الرئيس من بوابة قص جوانحه وإقصاء صهره وزير الخارجيَّة جبران باسيل من خلال الإصرار على حكومة تكنوقراط غير سياسيَّة، تُسهم في وضع كل ما يمكن أن تسميه إنجازات سياسيَّة ودستوريَّة عمل لها عون وباسيل في المرحلة السابقة لتعزيز الحقوق المسيحيَّة واستعادتها ستصب في صالحها في حال تصدّرت المشهد السياسي أو استطاعت احتلال موقع الرئاسة الأولى في السلطة.

وبالتالي فإن فرض الاستقالة على الحريري من رئاسة الوزراء، وإن كانت قد ساعدت الأخير على الحد أو وقف مسلسل خسائره، إلا أنها قد تسهم في التأسيس لمسار إضعاف موقع رئاسة الحكومة والقضم من صلاحياتها التي تعززت على حساب صلاحيات رئاسة الجمهوريَّة، وبالتالي قد تفتح الطريق أو المسار أمام الانقلاب على مخرجات اتفاق الطائف الذي تم التوافق عليه عام 1989، ووضع حداً للحرب الأهليَّة اللبنانيَّة.

ولا شكّ أن العمليَّة لن تقف عند التصويب والتهشيم بموقع رئاسة الحكومة، بل سيكون المطلوب أيضاً وفي ظل السياق الساعي إلى استعادة هذه الحقوق، أن يتصاعد التركيز على دور مجلس النواب خصوصاً رئيسه نبيه بري لما يمثله من دور في تكريس دور هذا المجلس على ساحة القرار السياسي والاجتماعي والشراكة في القرارات الاستراتيجيَّة بعد أن خرج من دائرة الخضوع لسيطرة موقع رئاسة الجمهوريَّة التي كانت تمتلك قرار حله، والتحكّم به قبل التعديلات التي أدخلها اتفاق الطائف على الدستور اللبناني.

لا شك أن الممارسات التي تلت التوقيع على اتفاق الطائف وإقراره جزءاً من الدستور، نقلت العلاقة بين الرئاسات الثلاث من مستوى التنسيق والتعاون إلى مستوى تكريس "ترويكا" حاكمة ألغت كل المؤسسات الدستوريَّة لصالح توافقها أو تصارعها، واستتبعت بذلك المؤسسات الإداريَّة لسلطتها ونفوذها وأخضعتها للمحاصصة السياسيَّة والطائفيَّة مع شركاء آخرين يشكلون أركان هذه الترويكا من دون أن يكونوا في الواجهة كالزعيم الدرزي وليد جنبلاط، التي تمت في مرحلة من المراحل تحت رعايّة دوليَّة كلفت الإشراف عليها ضابط الإيقاع السوري.

هذا المسار قد يحمل كثيراً من الأخطار في حال كانت هذه الخلفيات التي تقف أو تحكم مواقف بعض الأفرقاء التي طالبت الحريري بالاستقالة، وفي حال عدم تكليف الحريري بتشكيل الحكومة الجديدة فإنها تعني أولاً إخراجه من الحياة السياسيَّة، وثانياً إضعاف موقع رئاسة الحكومة، والتأسيس لإحداث انقلاب على ما أسس له، وأقره اتفاق الطائف الذي أدخل التعديلات على النصوص الدستوريَّة، التي تحدد صلاحيات الرئاسات الثلاث والعلاقة بينها.

ومن غير المعلوم والمؤكد أن تكون هذه الأطراف هي الرابحة في عمليّة الانقلاب على اتفاق الطائف، لأن الأمور في هذه الحالة ستذهب إلى سيناريوهات أكثر تعقيداً تفتح الطريق أمام تدخل أطراف سياسيَّة غير مرغوب بها لدى هذه القوى، وتعتبر شريكة أساسيَّة في العمليَّة السياسيَّة، وفي تحصين هذا العهد والدفاع عنه، أي قد تمهد الطريق أمام دخول "حزب الله" إلى المعادلة السياسيَّة في أي تعديل للطائف، بما لا يضمن الإبقاء عليه، بل الذهاب إلى ما هو أبعد من خلال فرض ما يعمل له منذ سنوات بالدعوة إلى "عقد اجتماعي وسياسي"، أو ما يمكن تسميته "مؤتمر تأسيس" يعيد إعادة إنتاج النظام اللبناني، ونسف صيغة 1943 التي قام عليها النظام اللبناني والتعديلات التي أدخلها اتفاق الطائف، وبالتالي نقل الوضع اللبناني من مرحلة صراع بين حدود النفوذ والتقاسم والتحاصص بين القوى السياسيَّة أو قوى الأمر الواقع إلى مرحلة يفرض فيها الحزب إرادته السياسيَّة من دون الاهتمام بما قد يتعرض له لبنان من حصار أو ضغوط دوليَّة وعربيَّة وإقليميَّة وحتى حروب. فهل هذه القوى تعي ما تذهب إليه في معركة مصالحها الضيقة أو أنها تريد ذلك على أمل الدفع بالحزب للدخول في مواجهة مباشرة مع قوى الداخل والخارج على حد سواء في معركة وجوديَّة لا تقتصر عليه، بل عليها أيضاً؟

المزيد من تحلیل