النساء اللبنانيات في طليعة التظاهرات... احتجاجا ونقاشا ثقافيا في الساحات

ملامح ثقافة مدنية تتشكل... والمهم صونها من الاخطار

النساء اللبنانيات في طليعة التظاهرات الشعبية (يوتيوب)

شهد لبنان أياما غير مسبوقة في تاريخه الحديث بتظاهراته المليونية على امتداد مساحته كلها. هذا البلد الصغير، الذي أدهش العالم بسلميته مطالباً بحقوقه البسيطة في الحصول على التعليم وفرص العمل والطبابة والخبز والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء ونظافة وغيره من تفاصيل الحياة المعيشية، كانت للنساء في هذا المشهد الثوري حصة تعادل قيمتهن الحقيقية كنصف المجتمع. بل هن الأكثر تشدداً بالدعوة لإسقاط النظام الطائفي واستعادة المال المنهوب من قبل الطبقة السياسية الفاسدة التي نهبت أموال الشعب على مدى عقود. ليس في الساحات وعلى شاشات التلفزة، بل في الكواليس وفي الخيام التي نصبت في قلب الساحات التي تميزت بحضور لافت وقيادي من نخبة متعلمة ومثقفة من النساء منهن الطالبات وأساتذة الجامعات والمحاميات والطبيبات والمهندسات. أدرن حوارات في ما بينهن ومع زملائهن من الرجال، بحثاً عن أفكار وخريطة طريق في كل مجال وحقل لتحديث النظام وخلع العباءة الطائفية والعنصرية عنه التي تستهدف أكثر ما تستهدف بالقهر جميع الفئات المهمشة والفقيرة (بما فيها اللاجئون الفلسطينيون والسوريون)، بل كل فئات المجتمع وعلى رأسها النساء. النساء في كل مجال وموقع وأياً كانت الفئة المرتبطة بهن، وتنطبق عليهن معاملة الفئة الأقلية واللاجئة التي لا يسمح لها بمنح الجنسية لأبنائها من غير لبناني وهذا أبسط حقوقها وأكثرها بداهة. 

ثمة ثقافة مدنية جديدة تتشكل خلافاً لثقافة القطعان الطائفية في بلد تآكل رويداً رويداً تحت سياط التناحر الطائفي الذي دمر لبنان وحصد الآلاف من بناته وأبنائه في حرب أهلية طاحنة، بدأت في العام 1975 ثم توقفت مدافعها وأصوات الرصاص إثر اتفاق الطائف 1990 لتبدأ عملية إعمار حثيثة قادها الرئيس الأسبق رفيق الحريري وهو يسيرـ مع الشعب اللبناني - على حافة اندلاعها مجدداً أو التلويح بها، في أكبر عملية ابتزاز طائفي تعرض لها الشعب اللبناني بكل طوائفه من أمراء طوائفهم أنفسهم والذين ارتكب معظمهم جرائم حرب لم تتم محاكمتهم عليها من قبل الشعب باستثناء سمير جعجع قائد القوات اللبنانية ولأسباب كيدية من أمراء طوائف أخرى (وليس على كل الجرائم التي اتهم بها بشكل غير رسمي). وظل الأمراء يروجون لثقافة طائفية انعزالية للبقاء على عروشهم غير عابئين بما يمكن أن تتسبب به هذه الثقافة الطائفية من حرب أهلية جديدة ما داموا يبتزون بها بعضهم بعضاً لتقاسم أموال الشعب في أبشع وأوقح سلوك لطبقة سياسية في العالم بل وأكثرها فجاجة.

لكن الحاجة أم الاختراع. فحاجة اللبنانيات واللبنانيين إلى نظام يخرجهم من الانهيار الاقتصادي والاجتماعي الشامل ووعيهم بعجز هذه الطبقة السياسية عن إيجاد حلول للأزمة هي بالأساس من تسبب بها تحت ستار الترويع الطائفي الذي فرق اللبنانيين عن بعضهم البعض وجعلهم وأبناءهم وبناتهم لقمة سائغة في أفواه هذه الطبقة السياسية، بزغ شعار إسقاط النظام الطائفي كحل لا مفر منهم لنزع شرعية هذه الطبقة إذا ما أريد للبنانيين واللبنانيات الخروج من الأزمة الاقتصادية التي استفحلت بشكل لم يسبق له مثيل ربما منذ أيام سفربرلك.

فهل تصمد الثقافة المدنية العابرة للطوائف في وجه الأزمات التي تعصف بلبنان عند عودة المتظاهرات والمتظاهرين إلى بيوتهم ووظائفهم ومدارسهم وجامعاتهم؟ وبغض النظر عن استقالة الحكومة من عدمه أو ما ستحمله الأيام المقبلة من تطورات، لا سيما بمواجهة تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية يدركها الجميع في حين يقف الشعب اللبناني وحيداً تتربص به المؤامرات الداخلية والخارجية المتناحرة هي أيضاً لتتقاذفه الأقدام من غير شفقة.

ثمة مساحة كبيرة من الوعي بالمواطنية يتشكل، والبذرة المدنية آخذة بالنمو بقوة لتشكل ثقافة عامة جماهيرية تنبذ الطائفية وتؤسس لمستقبل لبنان لا عودة فيه للوراء ولما قبل ثورة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 خارج صندوق الطائفية في طريق ثالث للنساء فيه مركز الشريك الأساسي في هذا التغيير إن لم تكن فيه بمركز الصدارة.

المزيد من ثقافة