سينشغل العالم بعد الآن بأردوغان بدلا عن بشار

الرئيس التركي دعم تظاهرات الشعب السوري بالسلاح تحقيقا لمصالحه الشخصية

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان (أ.ف.ب)

قبل حوالي ثماني سنوات، انتفض ما يقرب من نصف الشعب السوري ضد الرئيس بشار الأسد ونظامه، ولكن إدارة دمشق، التي حاولت قمع هذه المظاهرات بطريقة دموية، فشلت في محاولاتها فلم تنجح في منع انتشارها في سائر أنحاء البلاد.

في البداية، طالب الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا وتركيا والمنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان وعديد من دول ومؤسسات ومنظمات أخرى بشار الأسد أن يتخلى عن إدارة البلاد ويغادرها، في السنوات التي تلت ذلك، أصبحت الاضطرابات والأزمات مستعصية على نحو متزايد، وبطبيعة الحال تم اعتبار الرئيس السوري بشار الأسد السبب الرئيس لهذه الفوضى.

ولم تزد السنوات اللاحقة إلا مزيداً من الفوضى وتجذرت الأزمة التي تحولت إلى حرب أهلية دموية، حتى بلغ الأمر بالأمم المتحدة أن تقوم بإعداد ملف ضده بشأن استخدامه أسلحة كيماوية ضد شعبه أثناء هذه الحرب.

وكان على رأس المبادرين لإعداد هذا الملف أولئك السذج الذين أعلنوا بعد اندلاع الأزمة في مارس (آذار) 2011 على رؤوس الأشهاد بأنهم سيُؤدون صلاة الجمعة بعد شهرين في الجامع الأموي بدمشق بعد سقوط بشار.

وكان أصحاب السلطة في تركيا في طليعة من كانوا يشجعون الشعب السوري على المظاهرة في الشوارع ويقومون بتسليحهم دون وعي، ليس لصالح الشعب السوري بل لتحقيق أحلامهم الشخصية وطموحاتهم الطوباوية، وأعني بهم القائمين على حكومة حزب العدالة والتنمية ورئيسهم رجب طيب أردوغان ووزير الخارجية آنذاك أحمد داوود أوغلو.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقد كان الرئيس رجب طيب أردوغان ينتهز كل الفرص ويستغل معظم الاجتماعات الدولية والثنائية والبيانات الصحفية والاجتماعات الخاصة، وبيده صورة الطفل "إيلان" (التي غرقت في البحر أثناء هجرة أهلها من خلال البحر)، ليُظهر نفسه وكأنه حامي ذمار المسلمين والمدافعُ عن حقوقهم، ويقومُ بخلق الرأي العام لفرض عقوبات صارمة ضد بشار "قائل الأطفال"، ولكن الذين يعرفون حقيقة أردوغان يدركون جيدا أن كل جهوده هذه ما كانت للدفاع عن حقوق الشعب السوري، بقدر ما تهدف إلى تحقيق مطامحه التي ترمي إلى إبرازه وكأنه قائد إسلامي يستحق أن يصبح زعيم المسلمين وخليفتهم.

ويجب ألا ننسى أن أردوغان أصبح لا يخفي رغبته في زعامة العالم الإسلامي، وقد تمكن فيه إلى حد الهوس وتَحول فيه إلى نقطة ضعف ومرض يستعصي على العلاج، وقد كان الشعب السوري - هو أيضاً - من ضحايا هذه الأطماع الخيالية والأهداف الجنونية.

أجل، هذا ما جرى على أرض الواقع، ولكن العجلة بدأت ترجع إلى الوراء، حيث إن ما استعرضناه منذ بداية المقال، بدأ يحول مساره بعد اجتماع سوتشي الأخيرة، الذي تمخض عن بيانٍ تركي-روسي مشترك حول مصير العملية التركية الأخيرة.

بطبيعة الحال، يجب ألا ننسى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أجبر أردوغان على الجلوس على الطاولة لوقف إطلاق النار، ثم قام بتمرير الكرة إلى بوتين ليحولها إلى هدف نظيف. وبالفعل عندما زاد ترمب من ضغوطه على أردوغان وقام بترويضه لجأ الأخير إلى أحضان بوتين في أول فرصة سانحة.

وعلق المراقبون والكتاب بشكل مفصل على البنود العشرة التي تم الاتفاق عليها في منتجع سوتشي الروسية، ولذلك لن أدخل في تفاصيل تلك البنود سوى بند واحد أراه حريا بمزيد من الانتباه.

وأعني بذلك البند الرابع من الاتفاقية، القائل، "يؤكد الطرفان (التركي- الروسي) أهمية اتفاقية أضنة (اتفاق تم إبرامه بين سوريا وتركيا في عام 1998) وستعمل روسيا الاتحادية على تسهيل تطبيق الاتفاقية وفقاً للظروف الراهنة". ومن له أدنى إلمام بالمصطلحات الدبلوماسية يعرف أن المقصود بـ"تسهيل تطبيق الاتفاقية" القيام بدور الوساطة، مما يعني أن بوتين أعلن للرأي العام الدولي من خلال هذه الاتفاقية أنه سيقوم بدور الوساطة بين أردوغان وبشار الأسد.

ولا يقف الأمر عند حدود الحوار غير المباشر مع الأسد، بل إن أردوغان بهذه الاتفاقية يكون قد وافق على رجوع الجيش السوري مجدداً إلى الحدود التركية.

من جانب آخر، حصل قائد قوات سوريا الديموقراطية على اعتراف رسمي من قبل الولايات المتحدة ومن روسيا أيضا.

كما أن روسيا حققت أُمنية كانت تحلُم بها منذ مئة عام، تتمثل في وجود جنودها هي أيضا على الحدود التركية.

والنتيجة هي أن الرئيس رجب طيب أردوغان، الذي تَوَصَّل بشكل غير مباشر إلى اتفاق مع بشار الأسد، يظن أنه لن يكون في عداد المسؤولين عن إراقة دماء الشعب السوري لمدة ثماني سنوات.

ولكن سرعان ما خاب ظنه هذا؛ حيث إن جرائم الحرب التي ارتكبها مسلحو الجيش الوطني السوري الذي يتشكل من الدواعش السابقين، ويحظى بدعم كامل من حكومة أردوغان، أخذت تطارده منذ الآن في الرأي العام الدولي، وسيدفع فاتورتها عاجلاً أم آجلاً.

وهو مسؤول أيضاً عن إطلاق سراح عشرة آلاف داعشي من السجن عمداً أثناء العملية التي شنها ضد الأكراد. والادعاء الأكثر خطورة هو استخدام الأسلحة الكيماوية ضد الأكراد خلال تلك العملية.

والمثير للاهتمام أن جميع الجرائم التي كانت تُسنَد - يوما ما - إلى بشار الأسد، أَخذت الآن تُوجَّه إلى أردوغان.

كما أن النبرة القوية في تصريحات وزير الدفاع الأميركي مارك اسبر لا تأتي عن فراغ؛ حيث قال اسبر في مقابلة مع شبكة "سي إن إن" الإخبارية الأميركية،

"لقد رأيت التقارير أيضا، نحن نحاول مراقبتها، إنها رهيبة وإذا كانت دقيقة، وأفترض أنها دقيقة، فستكون جرائم حرب. يجب مساءلة المسؤولين عنها، وفي العديد من الحالات، ستكون الحكومة التركية"، "لا يمكن أن نسمح بحدوث هذه الأمور".

كما أنه قال في بيانه قبل أيام، إن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "يتحمل المسؤولية الكاملة" عن غزو تركيا لسوريا بما في ذلك "إمكانية ارتكاب جرائم حرب".

كما اتهمت وزيرة الدفاع الألماني كرامب-كارنباور حكومة أردوغان بأنها ضمت أراضي في شمال سوريا مخالِفة بذلك القانونَ الدولي. وهذا أيضاً ليس تصريحاً عادياً وعابراً.

من ناحية أخرى، لفتت منظمة العفو الدولية في بيانها الأنظارَ إلى "جرائم الحرب" التي تم ارتكابها من قِبل المسلحين المدعومين من الحكومة التركية.

وهناك تصريحات أخرى من هذا النوع أطلقتها مؤسسات وأفراد كلها تصب في المحور نفسها، مما يدل على أن هناك تواطؤاً في الرأي العام الدولي على تصنيف أردوغان في عداد بشار وأمثاله من مجرمي الحرب.

وهذا نذير شؤم بالنسبة لأردوغان يدفعنا إلى القول بأنه قد جاء دوره ليحل محل بشار في أنظار العالم. وإنَّ غدًا لِناظرِه قريب!

إن ضميري لا يتحمل ما ارتكبه بشار ضد شعبه، ولكن إحساسي يقول إن العالم سينشغل بدلا عنه بأردوغان الميكافيلي الذي يبحث عن طريق للمصالحة مع بشار.

المزيد من آراء