Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تحول البغدادي إلى أكثر الشخصيات دموية في التاريخ الحديث

رحلة الشاب الغامض من التدين إلى التطرف ومن الإمارة إلى الخلافة

أسدلت العملية العسكرية الأميركية التي انتهت بمقتل أبو بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش الستارة عن واحدة من أكثر الشخصيات تطرفاً ودموية في القرن الـ 21، ما جعل كثيرين من الناس يتساءلون عن رحلة الشاب العراقي وكيف تحول من التدين في قريته الهادئة إلى التطرف والعنف الدموي. في هذه السطور تفاصيل 48 عاماً من حياة أبو بكر البغدادي.

تطرف مُبكر

الاسم الحقيقي لأبو بكر البغدادي هو إبراهيم عواد إبراهيم السامرائي، ولد في سامراء بالعراق عام 1971 لأسرة متوسطة الحال، عُرف عنها التقوى وكانت قبيلته تدعي نسبها إلى البيت النبوي، وكان البغدادي في بداية شبابه شغوفاً بقراءاته الدينية وخصوصاً للقرآن الكريم والشريعة الإسلامية، لكنه اتسم بقدر من التطرف على الرغم من نعومة أظفاره، ولاحظت عائلته أنه كان يعاقب أقرانه لفشلهم في اتباع معاييره الدينية المتشددة.

واصل البغدادي اهتماماته الدينية حين وصل إلى التعليم الجامعي واختار التخصص في الدراسات الإسلامية حتى حصل على شهادته العليا من جامعة بغداد عام 1996 واتبعها بدرجة الماجستير عام 1999 ثم الدكتوراه في الدراسات القرآنية عام 2007 من جامعة صدام.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحتى عام 2004 أمضى البغدادي سنوات تعليمه الجامعي برفقة زوجتين وستة أطفال في إحدى ضواحي بغداد، وحرص خلال هذه الفترة على الإسهام في تعليم أبناء الضاحية التلاوة القرآنية في أحد المساجد المجاورة لمنزله، وأقنعه عمه بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين في ذلك الوقت، لكن البغدادي سرعان ما انجذب إلى عدد من الجماعات المتشددة والعنيفة في الحركات الإسلامية إلى أن احتضنته الحركة السلفية الجهادية عام 2000.

من ناشط إلى متمرد

خلال أشهر قليلة من بدء الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ساعد البغدادي في تأسيس جماعة "جيش أهل السنة والجماعة"، وفي فبراير (شباط) 2004 اعتقلت القوات الأميركية البغدادي في مدينة الفلوجة وأرسلته إلى معسكر اعتقال ظل به مدة 10 أشهر، وخلال هذه الأشهر كرس البغدادي نفسه لأعمال دينية مثل إمامة المُصلين، وإلقاء الخُطب في صلاة الجمعة وتعليم السجناء دروساً دينية.

ووفقاً لأحد المقربين منه، كان البغدادي غامضاً وقليل الكلام، لكنه كان يتنقل بين الفصائل المتنافسة داخل معسكر الاعتقال الذي كان يضم أنصار صدام حسين من جانب، والجهاديين الإسلاميين من جانب آخر. تمكن البغدادي من تشكيل تحالفات مع كثير منهم، وظل على اتصال بهم بعد إطلاق سراحه في ديسمبر (كانون الأول) 2004، وتواصل مع المتحدث باسم تنظيم القاعدة في العراق الذي كان يقوده الأردني أبو مُصعَب الزرقاوي.

وبسبب إعجابه بالمعرفة الدينية للبغدادي، تمكن المتحدث باسم القاعدة في العراق من إقناع البغدادي بالتوجه إلى دمشق للترويج لمبادئ وأفكار الإسلام المتشدد هناك، وذلك قبل مقتل الزرقاوي في يونيو (حزيران) 2006 في غارة جوية أميركية وخلافة المصري "أبو أيوب المصري" له. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2006، أسس أبو أيوب المصري تنظيم داعش في العراق، ودمج فيه تنظيم القاعدة على أن يظل ولاء الكيان الجديد لتنظيم القاعدة العالمي.

الأمير الجديد

نظراً للشهادات العلمية التي حصدها البغدادي في الدراسات الدينية الإسلامية وقدرته على جسر الهوة بين الأجانب الذين أسسوا تنظيم داعش في العراق من جانب، وبين العراقيين الذين انضموا إلى التنظيم، صَعَد نجم البغدادي بقوة داخل التنظيم فأصبح مُشرفاً على لجنة الشريعة وتولى عضوية مجلس شورى التنظيم المكون من 11 عضواً والذي كان يقدم المشورة لأمير التنظيم أبو عمر البغدادي.

لكن بعد مقتل مؤسس التنظيم وأميره في أبريل (نيسان) 2010، اختار مجلس شورى التنظيم أبو بكر البغدادي ليصبح هو الأمير الجديد، ومن هنا أعاد البغدادي بناء التنظيم الذي أنهكته قوات العمليات الخاصة الأميركية في سلسلة من الهجمات. ومع حلول عام 2011 وبدء التوتر في سوريا مع انطلاق تظاهرات عارمة ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد، أمر البغدادي إحدى قيادات التنظيم بتأسيس فرع سري في سوريا عُرف بعد ذلك باسم "جبهة النُصرة".

انطلاق داعش

سرعان ما تعاون البغدادي مع زعيم جبهة النصرة أبو محمد الجولاني الذي حاول الاستفادة من المتشددين السُنة في قتال قوات الأسد، إلا أن البغدادي أراد تأسيس دولته الخاصة عبر القوة المتوحشة قبل أن يذهب إلى محاربة قوات الأسد. وفي ربيع 2013 أعلن البغدادي أن جبهة النصرة هي جزء من تنظيم داعش في العراق، ولهذا أعاد تسمية التنظيم ليصبح "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش).

وحين طالب أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة العالمي من أبو بكر البغدادي أن يترك لجبهة النصرة استقلالها، رفض البغدادي طلبه، فأمر الظواهري بإخراج جبهة النصرة من داعش، لكن البغدادي حارب جبهة النصرة وضم الأراضي التي سيطرت عليها في شرق سوريا، ومن ثم فرضت داعش قوانين دينية متشددة على السكان في هذه المناطق، ثم أمر البغدادي رجاله بالتوسع غرب العراق.

إعلان الخلافة

في يونيو 2014 استولت داعش على الموصل ثاني أكبر مدن العراق، ومن هناك أعلن المتحدث باسم داعش ما سماه "الخلافة الإسلامية" واختصر تسمية التنظيم إلى "الدولة الإسلامية"، وبعد ذلك بأيام، أعلن البغدادي نفسه خليفة على رأس التنظيم خلال خطبة الجمعة ودعا المسلمين حول العالم إلى السفر والانضمام إلى داعش لما وصفه بالجهاد.

وعبر نشاطات مكثفة عبر شبكة الإنترنت، وصل آلاف من الأجانب إلى الدولة الجديدة التي لم يعترف بها أحد ووصل تقدير عددهم وفقاً لمصادر أميركية بـ 40 ألف أجنبي. ساعدت داعش كثيراً سيطرتها على آبار بترول وإدارتها عمليات تهريب فضلاً عن فرض ضرائب عديدة على السكان، ما جعل التنظيم أغنى جماعة إرهابية في التاريخ.

الهجوم المضاد

غير أن عمليات الذبح والرجم التي بدأها داعش ضد الخصوم وفصل رؤوس الرهائن أمام كاميرات التلفزيون وبثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أدى إلى توحيد العالم الإسلامي والعالم الغربي ضد البغدادي ورجاله.

ومع تشكيل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ومساندة على الأرض من قبل القوات العراقية في العراق ومن قوات سوريا الديمقراطية في سوريا التي تكونت من الوحدات الكردية مع عدد من الفصائل العربية، فقد داعش سيطرته على الأراضي تدريجاً إلى أن خسرها جميعاً في معركة مدينة الباغوز على الحدود السورية العراقية، ليعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب هزيمة تنظيم داعش واعتقال الآلاف منهم.

النهاية المحتومة

وعلى الرغم من سقوط تنظيم داعش وانهياره، إلا أن البغدادي تمكن من الفرار وتجنب اصطياده من القوات الأميركية التي كانت تتعقبه أشهراً عدة وذلك بفضل مهارته في التخفي وحرصه على عدم استخدام وسائل إلكترونية في اتصالاته بالعناصر الهاربة من التنظيم، إلى أن أعلن عسكريون مقتل البغدادي خلال عملية من القوات الخاصة الأميركية في محافظة إدلب قرب الحدود التركية شمال غربي سوريا حيث تبين وفقاً للتصريحات أن البغدادي فجر نفسه مع اقتراب القوات الأميركية، لينهي حياته بنفسه بعد سنوات من طريق ملأها بالتطرف والقتل والذبح وأصبح اسمه قريناً بأسماء أشهر الطغاة والسفاحين في العصر الحديث.

المزيد من العالم العربي