Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سوريا والأردن... علاقات عشائرية عابرة للحدود

ما مدى تأثير صلات القرابة في السياسة؟

النائب في مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة قال إن "أبرز الروابط المجتمعية بين سوريا والأردن رابطتا الجغرافيا والديمغرافيا" (أ ف ب)

ملخص

يشترك مجتمع جنوب سوريا وشمال الأردن في لهجة حورانية متطابقة تقريباً، وفي العادات والتقاليد والأمثال الشعبية والذائقة الفنية، وحتى في نمط التفكير العشائري الذي يقوم على كرم الضيافة وإغاثة الملهوف وفزعة الأقارب.

في مدينة المفرق (80 كيلومتراً إلى الشمال من العاصمة الأردنية عمان) الأردنية، تنتشر عائلات تنتمي إلى قبيلة بني خالد، وعلى بعد عشرات الكيلومترات، داخل العمق السوري، تنتشر عائلات أخرى من القبيلة ذاتها، ومن جانب آخر، مئات الأردنيين متزوجون من نساء سوريات، والعكس صحيح، هذه العلاقة وصلات القرابة بين شعبي البلدين، كان لها دور كبير في تجاوز السياسة ورسم العلاقة بين حكومتي البلدين، لكن ما مدى تأثير صلات القرابة في السياسة؟

النائب في مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة قال لـ"اندبندنت عربية" إن "أبرز الروابط المجتمعية بين سوريا والأردن رابطتا الجغرافيا والديموغرافيا، بمعنى أن منطقة حوران جنوب سوريا هي امتداد لعشائر الأردن، حيث إن عشائر مناطق درعا والسويداء هي امتداد لعشائر موجودة في الأردن، على سبيل المثال فإن العشائر في الرمثا هي العشائر ذاتها في درعا، مثل عشيرة الزعبي وعشيرة الشرع وغيرهما، وكذلك الأمر في مدينة المفرق الأردنية، حيث معظم العائلات مثل عائلة بني خالد نفسها موجودة في مناطق سورية، بمعنى آخر هناك قرابة دم بين السوريين والأردنيين".

مخدات سياسية

أضاف العياصرة أن "علاقات القرابة بين السوريين والأردنيين أسهمت في توطيد العلاقة بين الشعبين بصورة كبيرة، لا سيما بعد عام 2011 بعد قيام الثورة السورية وتهجير سوريين، كثير منهم جاؤوا إلى الأردن حيث أقاربهم، وهذا ما عمّق الصلات الاجتماعية التي استخدمها الأردن في توثيق العلاقة وصناعة ما يسمى المخدات السياسية"، وأوضح أن "العلاقات بين الأردنيين والسوريين قد تكون عابرة للسياسة، في بعض الأحيان تكون صلات القرابة أقوى من السياسة، لكن في لحظات الأزمات قد تغيب القرابة، أما بصورة عامة فإن القرابة قد تكون عابرة للسياسة، وعلى الصعيد الشعبي بين سوريا والأردن لا توجد أي مشكلة في العلاقة السليمة. وخلال أعوام الثورة السورية ووجود مئات آلاف السوريين في الأردن وتعامل الأردن مع السوريين، أدى الأمر إلى إعادة تنميط مفهوم الأردني في ذهن السوري من خلال ما شاهده في الأردن من كرم أو أمان، لذلك من الواضح جداً أن العلاقة بين الشعبين تكاد أن تكون حالاً واحدة، وبتقديري من المهم أن يتم استخدام هذه العلاقة وصلات القرابة بين الشعبين في تطوير وتسهيل العلاقة السياسية".

التزامات اجتماعية واعترافات متبادلة

من ناحيته، رأى الحقوقي السوري محمد إبراهيم النابلسي أن الروابط بين سوريا والأردن "تتجاوز البعد الاجتماعي المجرد، لتمتد إلى بنيوية ومفاهيم قانونية وإدارية تشكلت على مدى أكثر من قرن، منها المصاهرة بين العائلات السورية والأردنية، التي أنشأت التزامات اجتماعية واعترافات متبادلة، وشكلت صلات القرابة العشائرية خط الدفاع الأول عن حق اللجوء والأمان عندما دخل آلاف السوريين إلى الأردن، مما خفّف العبء التنظيمي عن الهيئات الدولية والحكومة الأردنية، وأسهم في تطبيق فعلي لمفهوم الحماية الإنسانية قبل إضفاء الصبغة القانونية الرسمية عليها".

واستدرك النابلسي قائلاً "من المنظور القانوني والدستوري، لا توجد حركة مجتمعية عابرة للسياسة بالكامل، لأن السياسة هي التي تصيغ الأطر التشريعية والحدودية التي تتحرك في نطاقها المجتمعات، لذلك لا يمكننا الجزم بأن العلاقة بين الشعبين السوري والأردني هي علاقة عابرة للسياسة، وهذا لا يعني أن هناك توتراً بين الشعبين، وإنما أتحدث بالمفهوم العام، لا توجد علاقة مجتمعية عابرة للسياسة بصورة كاملة، لكن يمكن للسياسة استخدام هذه العلاقة وصلات القرابة هذه في توطيد العلاقات السياسية، بمعنى آخر فإن قدرة أي من مواطني الشعبين على ممارسة حقوقهم العائلية وتواصلهم الاجتماعي تبقى رهن المناخ السياسي والترتيبات الأمنية بين حكومتي البلدين".

المنظومة العربية والعلاقة بين شعوبها

على طرف الحدود الآخر، قال أستاذ العلوم السياسية والبرلماني الأردني السابق هايل ودعان الدعجة إن "العلاقات بين الشعوب العربية هي أكثر ما تتميز به منظومة الدول العربية، ويتضح ذلك من خلال تفاعل هذه الشعوب مع الأحداث والقضايا التي تهم هذه المنظومة، وهو التفاعل الذي تمليه العناصر المشتركة التي تربط وتجمع بينها، ممثلة بوحدة الدم والأخوة واللغة والتاريخ والحضارة والثقافة والمصير المشترك، مما ينطبق على العلاقة الأردنية السورية، وإن كان ذلك بدرجة أكثر تميزاً وخصوصية، وذلك بحكم الجوار والجغرافيا والتاريخ ومن دون وجود موانع أو حواجز طبيعية، وبطريقة سهّلت من عملية التواصل الاجتماعي بين الشعبين الشقيقين".

أضاف الدعجة أن "قوة ومتانة الروابط المجتمعية وصلات القرابة والمصاهرة والدم بين الشعبين، كل هذا الامتداد الجغرافي والتاريخي انعكس على المصالح المشتركة، ومثل جسراً للتواصل والتعاون وتبادل المصالح والمنافع، وانعكس هذا على إبراز الأثر في الإسهام بتوطيد العلاقات بين البلدين وعلى المستويين الشعبي والرسمي، بطريقة جعلت منها نموذجاً يحتذى في العلاقات العربية - العربية المتجذرة والراسخة والمميزة، مما جعل من وشائج القربى والروابط الاجتماعية والثقافية والإنسانية الممتدة بين الشعبين، قاعدة عروبية وقومية جعلت من التميز عنواناً بارزاً للعلاقة التي تربط بين البلدين، مما تجلت أبرز صوره في الوقفة الأردنية التضامنية والأخوية والإنسانية والقومية والعروبية، ممثلة باستقبال الأردن عدداً كبيراً من الأشقاء السوريين خلال فترة الحرب التي عانوها، إذ فتح لهم الأردن أبوابه وحدوده وقاسمهم لقمة العيش ووفّر لهم الملاذ الآمن وكل ما يملك من إمكانات وفرص تعليمية وصحية وخدمية واجتماعية جعلتهم يشعرون أنهم في بلدهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مصالح مشتركة

وتابع البرلماني الأردني السابق "أمام هذه الصورة الأخوية والتضامنية بأبعادها الشعبية والاجتماعية، يصبح من المنطقي التحدث في جوانب أخرى ترجمة لهذه العلاقات المميزة بين البلدين في ظل المصالح المشتركة بينهما، تأكيداً على عمق العلاقات الأخوية والشعبية التي تجمع سوريا والأردن، حيث شكّل الملف الأمني عاملاً مشتركاً حرص البلدان على تجسيده على أرض الواقع من خلال التعاون والتنسيق المؤسسي بينهما في محاربة الإرهاب وعمليات تهريب الأسلحة والمخدرات بسبب الفراغ الأمني في الجنوب السوري، حيث أكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني وجود تعاون بين الأردن وسوريا على المستوى الإستراتيجي لضمان ‏أمن الحدود واستقرارها، في وقت شدد فيه وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي على الاحترام الكامل لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وأمنها واستقرارها وسلامة مواطنيها، إضافة الى حرص قيادة البلدين على تعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية، إذ يمثل الأردن البوابة السورية للأسواق الخليجية في وقت تمثل فيه سوريا البوابة الأردنية للأسواق الأوروبية".

علاقة تتجاوز البعد الجغرافي

الباحث الاجتماعي السوري محمد حسين البكاري قال، بدوره، إن "الشريط الحدودي الممتد بين البلدين لم يكن سوى فاصل إداري لم يفلح في قطع حبل القرابة السكاني والعشائري الممتد منذ مئات الأعوام، لا سيما في حواضن الجنوب السوري وشمال الأردن، حيث تتعدد وتتداخل الروابط المجتمعية بين الشعبين السوري والأردني لتشكل نسيجاً صلباً لا يستهان به، إذ تتوزع بطون وعشائر كبرى وقبائل كاملة مثل قبائل بني حسن والنعيم وشمر وطي وبني خالد والسرحان والعجارمة وغيرها من العشائر الحورانية والشامية على جانبي الحدود، ومن الطبيعي أن تجد العائلة الواحدة مقسومة بحكم الجغرافيا، ففرع منها يستقر في درعا أو حوران أو ريف دمشق، والفرع الآخر في إربد أو الرمثا أو المفرق أو عمان".

أضاف البكاري أن "العلاقة لم تقتصر على التجاور الجغرافي، بل تعمقت عبر عقود طويلة من المصاهرة المستمرة، إذ إن هناك مئات الأسر الأردنية لها جذور سورية، والعكس صحيح، هذه المصاهرة أنشأت شبكة أمان اجتماعي وعائلي غير رسمية عابرة للحدود، ومن جهة أخرى يشترك مجتمع جنوب سوريا وشمال الأردن في لهجة حورانية متطابقة تقريباً، وفي العادات والتقاليد والأمثال الشعبية والذائقة الفنية وحتى في نمط التفكير العشائري الذي يقوم على كرم الضيافة وإغاثة الملهوف وفزعة الأقارب والاحتكام للأعراف العشائرية في فضّ بعض النزاعات، وأيضاً شكلت حوران وجبل العرب عمقاً تاريخياً واقتصادياً لمدن شمال الأردن كالرمثا وإربد، حيث كانت الأسواق والتجارة الموسمية وحركة العمالة والتبادل الزراعي حركة دؤوبة وتلقائية لا تعترف بالحدود السياسية الحديثة".

الأردن وملف اللجوء السوري

ورأى الباحث السوري أن "صلات القرابة والدم تؤدي دوراً محورياً وأساساً في تمتين أواصر الأخوة الشعبية، ويتجلى ذلك في مستويات عدة منها العمق الإنساني وقت الأزمات، فخلال أعوام الحرب التي مرّت بها سوريا، لم يُنظر للسوريين العابرين نحو الأردن على أنهم لاجئون بالمعنى البيروقراطي الجاف، بل استقبلتهم العشائر الأردنية في شمال البلاد كأهل، وفتحت العائلات الأردنية بيوتها، وقدمت الحاضنة الاجتماعية والنفسية لأقاربها ومعارفها من السوريين، انطلاقاً من الواجب العشائري والإنساني، مما خفّف كثيراً من وطأة المأساة".

المزيد من تقارير