ملخص
يبدو أن الحكمة وراء المواقف الروسية الودية تجاه "طالبان" هي عدم دفع أفغانستان إلى الفراغ السياسي الذي تهيمن فيه قوى خارجية مختلفة على الساحة السياسية، إلا أن روسيا عليها أن تدرك أن سيطرة الحكومة على الوضع الداخلي لا تعني بالضرورة عدم إيذائها للدول المجاورة.
انتهت أعمال "صيغة موسكو" الشهر الماضي من دون أن تخرج ببيان مشترك، لكن المخرج الوحيد الذي لا يمكن تجاهله هو تعامل الصيغة مع حكومة "طالبان"، فالمنصة التي بدأت كمنبر للدبلوماسية الإقليمية تهدف إلى تشجيع التوصل إلى تسوية سياسية داخل أفغانستان ومعالجة المخاوف الأمنية لجيرانها، باتت تتخذ منحى آخر وهو التطبيع والتفاهم مع حكومة "طالبان" في كابول.
وحول سبب عدم إصدار بيان مشترك للاجتماع الأخير لـ"صيغة موسكو"، تقول مصادر إن وفد "طالبان" اعترض على بند البيان الذي تطرق إلى مشكلة الإرهاب ومسؤوليات حكومة أفغانستان تجاه دول الجوار، وهذا الاعتراض يحمل دلالة مهمة لأن البند المعترض عليه لم يكُن مستحدثاً في البيان المقترح لهذا العام، بل كان موجوداً ضمن البيانات السابقة الصادرة عن الصيغة، بل إن "صيغة موسكو" أبدت قلقها أكثر حيال العنف النابع من أفغانستان خلال بياناتها أكثر من مرة، مما يكشف عن جدية إدارة كابول في مراعاة المخاوف الإقليمية ومدى استعدادها لحل هذه المشكلات.
وفي هذا السياق، أكد المبعوث الروسي الخاص زامير كابولوف أن خلافاً بين الوفدين الأفغاني والباكستاني كان سبباً في فشل التوصل إلى بيان مشترك، معترفاً في الوقت نفسه بأن الصياغة نفسها كانت موجودة في البيان السابق.
لكن القضية لا تقتصر على عدم التوصل إلى صيغة مشتركة للبيان، فالخلفية السياسية الشاملة التي أدت إلى هذا الفشل أعمق مما يبدو في الظاهر وأجدر بالدراسة من النتيجة نفسها.
ويعكس وصف وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف حكومة "طالبان" بحكومة وطنية وتقديم تقييم إيجابي لها، تحولاً واضحاً في نبرة وأسلوب موسكو تجاه النظام القائم في أفغانستان، وبما أن موسكو اعترفت بحكومة "طالبان" في يوليو (تموز) عام 2025، فإن السؤال ليس ما إذا كانت روسيا ستحافظ على علاقتها بـ"طالبان"، بل إلى أي مدى ستذهب لتعزيز وتثبيت حكومة "طالبان".
ويكتسب هذا التحول أهمية متزايدة، ولا سيما لإسلام آباد التي تتصدر الدول المناهضة لأساليب حكومة "طالبان"، عندما يُنظر إليه في سياق التقارب الأفغاني مع الهند، إذ أحرزت نيودلهي تقدماً دبلوماسياً ملحوظاً في كابول منذ وصول "طالبان" إلى السلطة، وأعادت علاقاتها السياسية والدبلوماسية تدريجاً مع الإدارة الجديدة. من جانبها، تتهم إسلام آباد الهند بتمويل حركة "طالبان- باكستان" المحظورة و"جيش تحرير بلوشستان"، على رغم نفي نيودلهي لهذه الاتهامات. ومن الناحية العملية، ربما تنتهي مساعي موسكو ونيودلهي الودية تجاه كابول إلى المطاف نفسه، على رغم اختلاف مصالحهما ونهجهما وهو إضفاء الشرعية على نظام "طالبان" ومنحه مساحة أكبر للتحرك على الصعيد العالمي.
لكن الأسئلة التي تطرح نفسها هي لماذا تغيرت نبرة موسكو تجاه "طالبان"؟ وهل تعلم موسكو بأنشطة الجماعات المحظورة داخل الأراضي الأفغانية؟ وهل التقارب الروسي- الأفغاني على حساب العلاقات الباكستانية- الروسية؟
حسابات موسكو تجاه كابول
أولا، موسكو على دراية تامة بالوضع الأمني داخل في أفغانستان، ولا سيما وهي لديها خبرة طويلة في التعامل مع المنظمات المسلحة التي تنشط انطلاقاً من أفغانستان أو بدعم من داخل أفغانستان وأعربت أكثر من مرة عن قلقها إزاء انتشار الإرهاب في آسيا الوسطى. لذا يصعب التصور بأن روسيا غير مدركة لوجود أنشطة لجماعات تتحفظ عليها الدول الإقليمية مثل حركة "طالبان- باكستان" و"جيش تحرير بلوشستان" وتنظيم "داعش- خراسان" وتنظيم "القاعدة" و"الحركة الإسلامية في أوزبكستان" و"الحركة الإسلامية لتركستان الشرقية" وغيرها من المنظمات المسلحة في أفغانستان.
والنقطة الثانية أن موقف روسيا حيال الجماعات الإرهابية لا يتطابق مع تقييمات الأمم المتحدة المتكررة للإرهاب في أفغانستان، إذ أكد مجلس الأمن الدولي وهيئات الرصد التابعة للأمم المتحدة أكثر من مرة وجود منظمات إرهابية تنشط في الأراضي الأفغانية وتحمل مقدرات عسكرية وتتخذ أفغانستان قاعدة للهجوم على الدول الأخرى.
وعلى رغم وجود هذه التقارير، تجنبت موسكو الضغط على أفغانستان في مجلس الأمن حيال ملف أداء "طالبان" في مكافحة الإرهاب، ويبرز هذا الموقف بصورة خاصة بالنظر إلى أن بيان الفريق الروسي- الباكستاني المشترك المعني بمكافحة الإرهاب الدولي الصادر في يونيو (حزيران) الماضي أشار صراحة إلى الإرهاب المنطلق من أفغانستان، مما يعني أن روسيا تتجنب إحراج "طالبان" في المنصات الدولية، لكنها في الوقت نفسه تؤيد الموقف الباكستاني في المبادرات الثنائية بين الجانبين.
والنقطة الثالثة والمهمة هي أن وصف لافروف لحركة "طالبان" بأنها "حكومة وطنية" له دلالات واسعة، فالمصطلحات السياسية مهمة في الدبلوماسية الدولية. وقد يكون استخدام هذا الوصف مفهوماً ومقبولاً من وجهة نظر موسكو، لكنه بطبيعة الحال يمثل انحرافاً عن الموقف الإقليمي السابق الذي كان يؤكد ضرورة وجود عملية سياسية شاملة داخل أفغانستان ومسؤوليات "طالبان" الدولية.
يبدو أن الحكمة وراء المواقف الروسية الودية تجاه "طالبان" هي عدم دفع أفغانستان إلى الفراغ السياسي الذي تهيمن فيه قوى خارجية مختلفة على الساحة السياسية، إلا أن روسيا عليها أن تدرك أن سيطرة الحكومة على الوضع الداخلي لا تعني بالضرورة عدم إيذائها للدول المجاورة، إذ يمكن لحكومة أن توفر الاستقرار السياسي وفي الوقت نفسه تخلق بيئة أمنية وتوفر ملاجئ لجماعات تسبب أزمات أمنية عميقة للدول المجاورة.
هل ستتأثر باكستان؟
لا شك في أن باكستان تتأثر بتغير المواقف الدولية تجاه حكومة أفغانستان، فموقف حكومة "طالبان" من حركة "طالبان- باكستان" وغيرها من المنظمات المسلحة يتعارض في جوهره مع موقف الحكومة الباكستانية، إذ ترى إسلام آباد أن حركة "طالبان- باكستان" مصدر القلق الأمني الأكبر لها، وعلى رغم الجهود الدبلوماسية المتكررة لم تتخذ كابول الخطوات التي تُعدها إسلام آباد ضرورية لمنع الحركة من استخدام الأراضي الأفغانية لشن هجمات على الأراضي الباكستانية.
كما أن "جيش تحرير بلوشستان" يمثل تهديداً أمنياً بارزاً لباكستان، وتشير الأدلة المتوافرة حتى الآن إلى أن حركة "طالبان" الأفغانية غير مستعدة لمنع الجماعات التي تنفذ هجمات ضد دول أخرى من استخدام الأراضي الأفغانية.
وتسعى باكستان إلى حشد الدعم الدبلوماسي لتأييد مواقفها والضغط على إدارة كابول، لكن مثل هذه المواقف التي اتخذتها روسيا أخيراً تقلص الحيز الدبلوماسي المتاح لباكستان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتزامن التقارب الروسي- الأفغاني مع فتح الهند أبوابها للمسؤولين الأفغان واستعدادها للعمل مع الإدارة الجديدة، مما يعني أن هناك بدائل إقليمية لدى "طالبان" كافية لمواجهة ضغوط باكستان، ويمكنه أن يقلل من حافز كابول لمعالجة مخاوف إسلام آباد الأمنية.
وينعكس هذا بوضوح في أسلوب "طالبان" التي باتت تتنصل من مسؤولياتها الإقليمية وترفض بوضوح المخاوف التي كانت تعترف بها سابقاً، ولعل رفضها الأخير لبيان "صيغة موسكو" خير مثال على ذلك، لكنه ليس الوحيد بطبيعة الحال، فخلال المحادثات الثلاثية بين باكستان والصين وأفغانستان في كابول منتصف العام الماضي، رفضت كابول الصياغة المتعلقة بالإرهاب على رغم أنها كانت مطابقة للبيان الصادر لاجتماع إسلام آباد عام 2023.
ويعكس هذا أسلوب "طالبان" التفاوضي، فالوعود التي تبدو مقبولة في وقت ما، قد تصبح إشكالية لاحقاً بسبب المصالح السياسية الداخلية، أي بعبارة أخرى، تسعى الحركة إلى جني ثمار الدبلوماسية الإقليمية، لكنها في الوقت نفسه تتجنب الصياغة التي تفرض عليها مسؤوليات سياسية أو أمنية واضحة.
أخيراً، تكمن الأهمية الحقيقية لـ"منصة صيغة موسكو" في توحيدها للقوى الإقليمية الرئيسة في أفغانستان حول مبدأ مشترك مفاده عدم استخدام الأراضي الأفغانية ضد الدول المجاورة. وفي حال غياب هذا الاتفاق حول هدف الصيغة، وحل محله تكوين علاقات ثنائية للدول الأعضاء مع النظام الجديد في أفغانستان وفق مصالح كل دولة، فإن المنصة ستفقد أهميتها تماماً.
من جانب آخر، إذا استمرت حركة "طالبان" في رفض اتخاذ إجراءات فاعلة ضد حركة "طالبان- باكستان" وغيرها من الجماعات التي تستهدف باكستان، فسيتعين على إسلام آباد في نهاية المطاف إعادة النظر في الافتراضات الأساسية لسياستها تجاه كابول المبنية على قبول حكومة الأمر الواقع ومحاولة التعامل معها لحل المشكلات الثنائية، وإذا وصلت الأمور إلى تلك الحال، فإن خيار إسلام آباد لن يكون بين التعامل مع حكومة أفغانستان أو مواجهتها، بل بين دبلوماسية نشطة تستند فقط إلى التوقعات أو دبلوماسية تستند إلى حقائق أمنية واضحة.
لذا فإن تداعيات تغير لهجة موسكو قد تتجاوز بكثير العلاقات الروسية مع "طالبان"، وربما تعيد تشكيل التوازن الإقليمي حول أفغانستان، وتجبر باكستان في هذه العملية على إعادة تقييم موقفها في بيئة دبلوماسية تنافسية.
نقلاً عن "اندبندنت اوردو"