Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا أثار "الوافدون" على كليات الطب جدلا في مصر؟

مؤيدون يرونه ضرورة لرفع تصنيف الجامعات وجذب مزيد من العملة الصعبة ومعارضون يعدونه انتقاصاً من حقوق الطلبة المصريين في الالتحاق بكلياتهم

شهدت الجامعات المصرية قفزة في أعداد الطلاب الوافدين (جامعة القاهرة - كلية الطب)

ملخص

تعداد الوافدين في بعض الكليات الحكومية بلغ ما يقارب 50 في المئة، إضافة إلى أن بعض الكليات سمحت بقبول الوافدين بمجاميع تصل إلى نحو 70 في المئة، بينما تُتاح أمام الطلبة المصريين بمجاميع تزيد أحياناً على 95 في المئة.

أحدثت نسب التحاق الطلاب الوافدين بكليات الطب المصرية، لا سيما الحكومية، سجالاً واسعاً في الأوساط الطبية والأكاديمية أخيراً، إذ تباينت رؤى المتخصصين بين مؤيد يراها ضرورة لرفع تصنيف الجامعات المصرية عالمياً وزيادة أوجه الانفتاح الدولي للجامعات وجذب مزيد من الاستثمارات في التعليم الجامعي، وآخرون يعدونها تُخل بمبدأ العدالة التعليمية وتنتقص من حقوق الطلاب المصريين في الالتحاق بكلياتهم وفرص التعليم والتدريب وتسمح للوافدين بمزاحمتهم فيها.

ورصدت "اندبندنت عربية" قفزة في أعداد الطلاب الوافدين الملتحقين بالجامعات المصرية، خلال الفترة ما بين عامي 2023 و2026، استناداً إلى تصريحات الجهات الرسمية، إذ أعلن وزير التعليم العالي الدكتور عبدالعزيز قنصوه أن منظومة التعليم الجامعي تضم 138 ألف طالب وافد من 119 جنسية، فيما قدّر وزير التعليم العالي السابق الدكتور أيمن عاشور في ديسمبر (كانون الأول) 2023 تعدادهم خلال العالم الجامعي 2023 - 2024 بنحو 26 ألف طالب مقارنة بـ12 ألف طالب عام 2019 - 2020.

لا تكافؤ للفرص

يفنّد نقيب أطباء مصر الدكتور أسامة عبد الحي الأسباب الرئيسة وراء اعتراض النقابة على نسب وأعداد الطلاب الوافدين الملتحقين بكليات الطب إلى التوسع اللافت والمبالغ فيه بأعدادهم، لا سيما في كليات الطب الحكومية، بصورة جعلتهم يزاحمون الطلاب المصريين في فرص التحاقهم بتلك الكليات، مشيراً إلى أن تعداد الوافدين في بعض الكليات الحكومية بلغ ما يقارب 50 في المئة، إضافة إلى أن بعض الكليات سمحت بقبول الوافدين بمجاميع تصل إلى نحو 70 في المئة، بينما تُتاح أمام الطلبة المصريين بمجاميع تزيد أحياناً على 95 في المئة، وهو أمر له انعكاساته السلبية على مهنة الطب في المستقبل.

ويضيف عبد الحي، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن استمرار نسب القبول وفق المعدلات الحالية، يُخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الوافد والطالب المصري المتفوق الذي حصل على مجموع يؤهله الالتحاق بالكلية التي كثيراً ما حلم بها، لكن قد يحصل وافد على مكان بدلاً منه. مشيراً إلى أن "ما يهم الطالب الوافد هو الحصول على الشهادة من كلية طب مصرية ثم العودة للعمل بها بوطنه، بالتالي إذا التحق بمجموع قليل وهو غير مؤهل، فقد يكون نموذجاً يسيء إلى سمعة الطب المصري في الخارج، وهو أمر غير مقبول على الإطلاق".

وأخيراً، تحركت نقابة الأطباء بمخاطبة الحكومة بضرورة أن لا تزيد نسب الوافدين في كليات الطب الحكومية على خمسة في المئة لمنح الفرص الحقيقية للطلاب المصريين والباقي يوجه للجامعات الأهلية والخاصة. وفق حديث عبد الحي.

 

ويوضح نقيب أطباء مصر أن حديث بعضهم عن تعنت النقابة ورفضها استقبال الوافدين في الجامعات المصرية عموماً "محض افتراء"، مؤكداً أن النقابة لا تمانع في ذلك، لكن بنسب معقولة، وبصورة لا تجور على حقوق الطلاب المصريين الراغبين في الالتحاق بكليات الطب، ومنوهاً أن كليات الطب كانت تستقبل طوال الأعوام الماضية وافدين من مختلف الجنسيات، لكن حينما تصل نسب ومعدلات القبول إلى هذا الوضع، فلا بد من أن تكون هناك وقفة لإنقاذ مهنة الطب المصري، مما يستدعي إعادة تنظيم أعداد المقبولين، بما يحقق التوازن بين استقبال الطلاب من الخارج وتوفير فرص مناسبة للطلاب المصريين، ووضع حد أدنى لمجاميع الوافدين للالتحاق بكليات الطب الحكومية أسوة بالمصريين لتحقيق العدالة في الفرص التعليمية.

ويبلغ عدد كليات الطب في مصر 59 كلية، موزّعة بين 24 كلية طب في الجامعات الحكومية و12 كلية خاصة و20 كلية أهلية، فضلاً عن كلّيتين بفروع جامعات أجنبية، وكلية واحدة ضمن جامعات باتفاقات دولية، وفق ما أعلنته الحكومة في ديسمبر (كانون الأول) عام 2025.

وافدون بمجاميع متدنية

وحول كيف جاءت أزمة الوافدين خصوصاً أن استقبالهم بالجامعات المصرية ليس جديداً؟ يشرح عضو النقابة العامة لأطباء مصر الدكتور أحمد بحلس قائلاً "تلقت النقابة كثيراً من الشكاوى خلال الآونة الأخيرة، من أطباء مصريين بارزين يعملون في الخارج وأولياء أمور داخل البلاد عن التحاق طلبة وافدين بكليات الطب بمجاميع ضئيلة أقل بكثير عن الحد الأدنى لنظرائهم المصريين". وهو أمر "مؤسف للغاية". على حد وصفه.

يُذكر أن وزير التعليم العالي السابق الدكتور أيمن عاشور قدّر في مايو (أيار) عام 2025، خلال كلمته في المؤتمر العلمي السنوي لكلية طب قصر العيني بأن 73 في المئة من الطلاب الوافدين في مصر يدرسون الطب.

ويتساءل بحلس، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، هل يُعقل ألا يحصل الطالب المصري المتفوق على مكان في جامعته الحكومية المملوكة للدولة والمنشأة بأموال دافعي الضرائب لأجل الوافد الأجنبي؟ ولماذا لا يلتحق الوافدون بالجامعات الأهلية أو الخاصة مع تحديد نسبة معقولة للمقاعد في الجامعات الحكومية؟ وكيف تقبل الجامعات طلاباً وافدين بمجاميع متدنية لا تتساوى مع نظرائهم من الطلبة المصريين؟ وهل سيكون الوافد سفيراً حسناً لمهنة الطب في الخارج إذا حصل على شهادة من كلية طب مصرية؟ وكيف سيحصل الطالب المصري على فرصته في ظل مزاحمة الوافدين والتوسع في إنشاء جامعات وكليات بلا مستشفيات للتعليم والتدريب، بخاصة بعد تغيير نظام الدراسة لخمسة أعوام دراسية وعامين امتياز؟ مؤكداً أن أزمة مهنة الطب الحالية لا تقف عند حد التوسع في قبول الوافدين، لكن هناك أيضاً جامعات وكليات أجنبية جديدة لا تشترط حداً أدنى لمجاميع القبول لدراسة الطب فيها.

 

يُشار إلى أن رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي كان عقّب ضمن فعاليات منتدى مصر 2026 على تلك القضية، موضحاً أن نسبة الطلاب الأجانب في الجامعات المصرية تقل عن ستة في المئة، معتبراً أنها نسبة محدودة، ويجب العمل على تطوير الجامعات وتحسينها لاستقطاب أعداد أكبر من الطلاب الوافدين، لتعزيز مكانة مصر إقليمياً ودولياً ودعم قوتها الناعمة وترسيخ علاقات جيدة بين مصر والدول الأخرى، وتعزيز حضورها وتأثيرها في المستوى الدولي.

استثمار مربح أم انتقاص لحقوق المصريين؟

في المقابل، يرى عميد كلية الطب في جامعة أسيوط الدكتور علاء عطية أن التوسع في أعداد الطلاب الوافدين بالجامعات المصرية المعتمدة "خطوة إيجابية لرفع تصنيفها وتعزيز مكانتها عالمياً وزيادة التنافسية"، إضافة إلى تعزيز الموارد الاقتصادية للجامعات بجلب مزيد من العملة الصعبة، إذ تصل رسوم التحاق الوافد الأجنبي بكلية الطب في مصر إلى 7 آلاف دولار في العام الدراسي الواحد، باستثناء السودانيين يدفعون 30 في المئة فقط من كلفة تلك الرسوم أي ما يعادل نحو 2100 دولار.

لكن في المقابل أيضاً يرفض أحمد بحلس ربط زيادة أعداد الطلاب الوافدين برفع تصنيف الجامعات المصرية، واصفاً إياه بأنه "أمر غير دقيق"، ومبرراً رؤيته بأن أكبر خمسة تصنيفات لتقييم الجامعات ومدى ارتباطها بنسب الوافدين، تبين له أن تلك النسب تقتصر على تصنيفين فقط يشترطان وجود طلاب وأعضاء هيئة تدريس من الأجانب، تعطي جزءاً صغيراً من النقاط فقط من المجموع الإجمالي للتصنيف، وباقي الدرجات مصنفة على الأبحاث ودوريات النشر العملية والأبحاث والأداء الأكاديمي.

وفي السياق ذاته، وحول تلك النقطة ومدى جوهريتها في ملف الوافدين ومدى إسهامها في تصنيف الجامعات المصرية، تقدمت النائبة هايدي المغازي بطلب إحاطة لرئيس الوزراء ووزير التعليم العالي، شككت خلاله في كفاية الاستناد إلى التصنيف الدولي لتبرير هذه السياسة، مؤكدة أن جذب الطلاب من الخارج هدف يمكن العمل على تحقيقه، لكن لا ينبغي أن يأتي على حساب معايير القبول الأكاديمي، بخاصة في كليات الطب التي تتطلب مستوى علمياً يؤهل الطلاب لممارسة المهنة بكفاءة.

 

كذلك تقدمت البرلمانية مها عبدالناصر في سبتمبر (أيلول) الماضي بطلب إحاطة أكدت خلاله أن "التعليم الجامعي ليس سلعة عادية، وأن المقعد الجامعي ليس منتجاً تجارياً يمكن تخصيصه ببساطة لمن يدفع أكثر، والجامعة المصرية ليست سوقاً لبيع المقاعد الدراسية، والطالب المصري لا يجوز أن يتحول إلى الطرف الذي يتحمل كلفة تسويق التعليم المصري خارجياً"، مطالبة بضرورة إعادة النظر في فلسفة التعامل مع ملف الطلاب الوافدين.

وكان وزير التعليم العالي السابق الدكتور خالد عبدالغفار أعلن خلال تصريحات تلفزيونية في يونيو (حزيران) عام 2022 أن الطالب الوافد أياً كانت جنسيته يدفع في كلية الطب 7 آلاف دولار وأقل كلية نظرية تكلف 6 آلاف دولار، وأن حصيلة دراسة الطلاب الوافدين تتجاوز 403 ملايين دولار (8 مليارات جنيه)، إضافة إلى المدخول من السياحة التعليمية التي استفاد منها المجتمع المصري، جازماً "عمر ما طالب وافد هياخد مكان طالب مصري".

ويعود ويؤكد عميد كلية الطب في جامعة أسيوط الدكتور علاء عطية، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أنه لا يمانع التوسع في أعداد الوافدين، لكن شرط توفير مستشفيات مجهزة للتدريب والتعليم وليس "تكديس الأعداد" فقط، متمنياً أن تكون هناك اختبارات قدرات للمتقدمين لكليات الطب، فضلاً عن شهادة الثانوية العامة، للتأكد من مدى جاهزية الطالب للدراسة، بخاصة أنها تحتاج إلى تفرغ كامل ومجهود كبير أشبه بـ"معركة" يخوضها الطالب منذ التحاقه حتى تخرجه فيها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومطلع الشهر الجاري، أعلن عبدالغفار خلال تصريحات صحافية أن عدد الأطباء الذين كانت تستهدف الدولة تخريجهم سنوياً في حدود 6 أو 7 آلاف طبيب، بينما وصل حالياً إلى 15 أو 16 ألف طبيب سنوياً، ومن المتوقع أن يرتفع إلى نحو 28 أو 30 ألف طبيب سنوياً بعد اكتمال الكليات الجديدة.

من جانبه قال نائب رئيس جامعة القاهرة لشؤون الدراسات العليا والبحوث الدكتور محمود السعيد في منشور عبر حسابه الشخصي على "فيسبوك"، "غير صحيح أن الطالب الوافد يأخذ مكان الطالب المصري في الجامعات المصرية، فهذا الادعاء يتعارض مع آلية القبول المعمول بها في مصر، فالتحاق الطالب المصري بالجامعات الحكومية يجري من خلال مكتب التنسيق الذي يحدد أعداد المقبولين وفقاً للقواعد والضوابط المنظمة للقبول، ولا يرتبط مطلقاً بعدد الطلاب الوافدين".

وتقر وزارة التعليم العالي قواعد وضوابط ومسارات قبول الطلاب الوافدين في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية عبر الإدارة المركزية لشؤون الوافدين، ومن خلال التقديم الإلكتروني في منصة "أدرس في مصر"، فيما تتحدد فرصة قبول الطالب الوافد بالشهادة الحاصل عليها والتخصص المطلوب وقواعد المعادلة والقبول المطبقة على حاله، فضلاً عن متطلبات الجامعة والبرنامج الدراسي، وتختلف الحدود الدنيا للتنسيق من الجامعات الحكومية إلى الجامعات الخاصة والأهلية.

وأوضح السعيد أن زيادة أعداد الطلاب الوافدين خلال الأعوام الأخيرة لم يؤدِّ إلى انخفاض أعداد الطلاب المصريين، بل استمرت أعداد الطلاب المصريين في الزيادة تبعاً لزيادة عدد طلاب الثانوية العامة، كما أن نسبة الطلاب الوافدين من إجمال الطلاب الدارسين في مؤسسات التعليم العالي المصرية، بما فيها جامعة الأزهر لا تزال محدودة، مقارنة بالنسب في كثير من دول العالم، فهي لا تتجاوز نحو خمسة في المئة من إجمال 4 ملايين طالب جامعي، مستشهداً بأمثلة، ففي أستراليا النسبة تقترب من 30 في المئة وكندا 25 في المئة والمملكة المتحدة 23 في المئة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات