Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العمل عن بعد في ميزان التونسيين

خطوة مهمة لمواكبة التطورات التكنولوجية والتحولات العالمية لكنه يترك تساؤلات حول العلاقات الاجتماعية

العمل عن بعد يجسد تحولاً اجتماعياً كبيراً في العلاقات الشغلية وبنية المؤسسة (غيتي)

ملخص

يرى مراقبون ضرورة تحديد طبيعة العمل عن بعد، سواء كان كلياً أو جزئياً، بما يضمن استمرار التواصل بين الأجراء والمؤسسات، ويحافظ على التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، ويحد من أخطار العزلة المهنية.

فتح حديث وزير الشؤون الاجتماعية في تونس عن جاهزية مشروع قانون العمل عن بعد وعمل وزارته على إدخال تعديلات تشريعية ضرورية ترتبط بالثورة التكنولوجية وتطور الاقتصاد الرقمي، الباب أمام تساؤلات كثيرة في الأوساط العمالية والاجتماعية.

هناك من يرى أن مشروع القانون خطوة نحو تحديث تنظيم العمل وتحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة وحقوق العامل، وآخرون يرون أن التحديات القانونية والاجتماعية والتكنولوجية قد تعوّق تطبيقه على أرض الواقع.

خطوة مهمة لمواكبة التطورات

في هذا السياق، قال المتخصص في الحماية الاجتماعية بدر السماوي خلال حديث إلى "اندبندنت عربية" إن مشروع قانون العمل عن بعد تأخر، لكنه يظل خطوة مهمة لمواكبة التطورات التكنولوجية والتحولات التي تشهدها أنماط العمل عالمياً، في إطار الثورة الصناعية الرابعة، موضحاً أن مشروع القانون الجديد يشمل فقط القطاع الخاص، بحسب تصريح وزارة الشؤون الاجتماعية، نظراً لأنه تحدث عن تعديل مجلة الشغل التي تخص هذا القطاع، في المقابل فإن القطاع العمومي تنظمه أوامر وقوانين أساسية للمؤسسات.

وأشار إلى أن العمل عن بعد يمكن أن يسهم في تخفيف الأعباء المادية عن المؤسسات وتوفير مرونة أكبر للأجراء، بخاصة من خلال التوفيق بين الحياة المهنية والعائلية، والاستجابة لتطلعات الأجيال الجديدة، شرط أن يقوم على إطار قانوني واضح يضمن حقوق جميع الأطراف.

وبيّن أن النصوص المنظمة للعمل عن بعد في القطاع العمومي لا تعكس بالضرورة تصوراً شاملاً لهذا النمط من العمل، مشيراً إلى أن الأمر الرئاسي رقم 310 لعام 2022 المتعلق بتنظيم العمل عن بعد لفائدة أعوان الدولة والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية ذات الصبغة الإدارية، حصر هذا الإمكان في ظروف استثنائية وخاصة، من بينها بعد مقر السكن من العمل وبعض الحالات الصحية والاجتماعية والنساء الحوامل.

وشدد على ضرورة أن يحدد مشروع القانون الخاص بالقطاع الخاص المهن التي يمكن أن يشملها العمل عن بعد، حتى لا تبقى المسألة خاضعة للاجتهاد مع ضمان ظروف عمل آمنة وصحية، وتوفير التجهيزات اللازمة للأجراء، على غرار ما هو معمول به داخل مقار المؤسسات.

كذلك، أثار السماوي إشكالية مراقبة ظروف العمل داخل المنازل، في ظل احترام حرمة المسكن، متسائلاً عن الآليات القانونية التي ستمكن متفقدي الشغل من التثبت من مدى احترام شروط السلامة والصحة المهنية.

ولفت إلى أهمية تحديد طبيعة العمل عن بعد، سواء كان كلياً أو جزئياً، بما يضمن استمرار التواصل بين الأجراء والمؤسسات، ويحافظ على التوازن بين الحياة المهنية والشخصية، ويحد من أخطار العزلة المهنية.

وفي ما يتعلق بالحقوق الاجتماعية والنقابية، أكد السماوي ضرورة ضمان الحقوق المكتسبة وتوضيح كيفية ممارسة العمل النقابي والتفاوض الجماعي في ظل تباعد الأجراء من مقار المؤسسات، إضافة إلى معالجة وضعية العاملين عن بعد لفائدة مؤسسات أجنبية، بخاصة على مستوى تحديد صفتهم المهنية وضمان تغطيتهم الاجتماعية.

وختم بدر السماوي بالتشديد على ضرورة أن يكون مشروع القانون متلائماً مع الاتفاقات الدولية، محذراً من أن يبقى مجرد نص تشريعي من دون تنفيذ فعلي، على غرار بعض الآليات والصناديق الاجتماعية التي استُحدثت بمقتضى نصوص قانونية ولم تدخل حيز التطبيق إلى حد الآن، وشدد أيضاً على أهمية التشاور مع أصحاب المؤسسات قبل إصدار القانون لضمان قابلية تطبيقه على أرض الواقع.

في سياق متصل، قال رئيس جمعية متفقدي الشغل حاتم الهلال إن سلطة الإشراف بصدد إعداد قانون ينظم العمل عن بعد، موضحاً أن الجمعية قدمت كثيراً من التوصيات، أهمها إصلاح مجلة الشغل والتنصيص على مبدأ المساواة في الحقوق مع العاملين داخل مقار العمل، وأيضاً تكريس الحق في بيئة عمل رقمية آمنة ومراجعة النظام القانوني المتعلق بحوادث الشغل والأمراض المهنية، وتشجيع الاستثمار في المهارات الرقمية من خلال تطوير برامج التكوين المهني والتكوين المستمر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكشف عن أن متفقدي الشغل أصبحوا يفكرون في طريقة تجعلهم يقومون بالزيارات التفقدية بواسطة التكنولوجيا، موضحاً أنه يجري حالياً إعداد منصة إلكترونية بهدف الاستغناء عن المعاملات الورقية. وأشار إلى أنه من المنتظر أن تدخل هذه المنصة حيز الاستغلال مع بداية يناير (كانون الثاني) عام 2027.

العزلة الاجتماعية

من جانب آخر، أكدت الباحثة في علم الاجتماع صابرين الجلاصي خلال تصريح خاص أن العمل عن بعد يمكن أن يسهم في تعزيز الروابط الأسرية، من خلال استثمار الوقت الذي يهدر خلال التنقل في تنمية العلاقة بين الزوجين وتقوية التواصل مع الأبناء، بما يسهم في بناء علاقات أسرية أكثر إيجابية.

وفي المقابل، حذرت الجلاصي من أن غياب الوعي بكيفية التعايش مع هذه الوضعية المهنية الجديدة قد يؤدي إلى الرتابة والروتين والعزلة الاجتماعية، مما قد يؤثر سلباً في الصحة النفسية والعلاقات الزوجية، وصولاً إلى الانفصال أو ما يُعرف بـ"الطلاق الصامت".

وشددت على ضرورة تطوير ثقافة الترفيه والمحافظة على التوازن بين الحياة المهنية والحياة الخاصة، من خلال تخصيص وقت للأنشطة الاجتماعية والخروج مع الأصدقاء والعائلة، وعدم الاستسلام للعزلة داخل الفضاء الرقمي.

واقترحت الجلاصي اتباع تجارب بلدان أخرى التي تعتمد تخصيص يومين فقط في الأسبوع للعمل عن بعد وبقية الأسبوع يمكن التحول إلى مقر العمل حتى لا يفقد الشخص علاقاته في الشغل وحتى خارجه.

وختمت بالتأكيد على أن العمل الافتراضي أصبح ضرورة تفرضها التحولات التكنولوجية، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن العلاقات الإنسانية المباشرة، داعية إلى تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والفضاء الاجتماعي الواقعي.

تداخل الحياة المهنية والعائلية

من جانبه رأى الباحث في علم الاجتماع طارق السعيدي أن العمل عن بعد يجسد تحولاً اجتماعياً كبيراً في العلاقات الشغلية وبنية المؤسسة، إذ يقطع مع النموذج التقليدي القائم على الحضور اليومي وساعات العمل المحددة، ويفتح المجال أمام أنماط جديدة من التعاقد والإنتاج، موضحاً أن هذا التحول يوفر للعامل إيجابيات، من بينها تثمين المجهود الفردي وتحسين الأجر وتعزيز الاستقلالية وتحقيق التوازن العائلي، لكنه يطرح في المقابل تحديات تتعلق بتداخل الحياة المهنية والعائلية، وارتفاع كلف الإنتاج والطاقة التي يتحملها العامل، فضلاً عن عدم استقرار العلاقة المهنية.

وبالنسبة إلى المؤسسة، أشار إلى أن العمل عن بعد يتيح مرونة أكبر في إدارة الموارد البشرية وتخفيف الأعباء والكلف الاجتماعية، غير أنه قد يواجه صعوبات تتعلق باستمرارية الإنتاج وتوحيد معايير الجودة، بخاصة عند حدوث اضطرابات في الكهرباء أو الماء أو الإنترنت.

وختم السعيدي بالتأكيد على أننا نشهد تغييراً اجتماعياً كبيراً ينتقل بالعلاقات الشغلية من السياقات التقليدية إلى أنماط جديدة، تتوزع فيها المكاسب والخسائر بصورة متفاوتة بين العامل والمؤسسة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات