Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا يشتري المليارديرات الأراضي الزراعية حول العالم؟

لم تعد مجرد ركيزة أساسية لإنتاج الغذاء بل باتت تمثل أصولاً مرنة ذات إمكانات عالية في محافظ الاستثمار الحديثة

طالما كانت الأراضي الزراعية أداة تحوط جيدة ضد التضخم (بكسلز)

ملخص

مع تزايد الطلب العالمي على الغذاء، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة وارتفاع معدلات التضخم، توفر الأراضي الزراعية للمستثمرين قيمة ملموسة وإمكانية تحقيق نمو طويل الأجل. وعلى عكس أسواق الأسهم المتقلبة أو أسواق العقارات غير المتوقعة، أثبتت الأراضي الزراعية باستمرار عوائد مستقرة، مما يجعلها خياراً جذاباً للتنويع.

بما أن بيل غيتس ومعه كثير من المليارديرات يشترون الأراضي الزراعية، وكذلك تفعل الصين، فلا بد أن هذا الأمر جدير بالاهتمام والمتابعة. فعندما تتفق مراكز مختلفة القوى على أصل واحد، يجدر بنا التساؤل عن السبب. إذ لم تعد الأراضي الزراعية مجرد ركيزة أساسية لإنتاج الغذاء العالمي، بل أصبحت فئة أصول مرنة وذات إمكانات عالية في محافظ الاستثمار الحديثة.

فمع تزايد الطلب العالمي على الغذاء، ومحدودية الأراضي الصالحة للزراعة وارتفاع معدلات التضخم، توفر الأراضي الزراعية للمستثمرين قيمة ملموسة وإمكانية تحقيق نمو طويل الأجل. وعلى عكس أسواق الأسهم المتقلبة أو أسواق العقارات غير المتوقعة، أثبتت الأراضي الزراعية باستمرار عوائد مستقرة، مما يجعلها خياراً جذاباً للتنويع.

لا بدائل للغذاء

يمتلك بيل غيتس ما يقارب 270 ألف فدان من الأراضي الزراعية الأميركية وليس أسهم شركات التكنولوجيا ولا العملات الرقمية ولا الشركات الناشئة. في الوقت ذاته تستحوذ الصين باستمرار على مئات الآلاف من الأفدنة من الأراضي الزراعية الأميركية، وغالباً من خلال كيانات متعددة المستويات وهياكل طويلة الأجل. وهذا ليس من قبيل الصدفة، بل هو إستراتيجية استثمارية بعيدة المدى، فالأموال الذكية تتحرك بهدوء، وكذلك شركات التأمين وصناديق الثروة السيادية. وهذه المؤسسات لا تتبع الاتجاهات، بل تحمي رأس المال، وهي تحمي الشيء الوحيد الذي لا يمكن طباعته وهو الغذاء الذي أصبح ذا أهمية استراتيجية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان النفط في الماضي هو أداة النفوذ الأقوى، فالنفط بنى الدولار، والنفط غذّى الإمبراطوريات وحرك الأسواق، لكن للنفط الآن بدائل بينما لا توجد بدائل للغذاء. إذ يحتاج 8 مليارات شخص إلى الطعام كل يوم، وفي وقت تتضاءل مساحة الأراضي الصالحة للزراعة وتندر المياه وتتلاشى التربة السطحية وتتزعزع سلاسل التوريد، تتحول هذه الأراضي الزراعية إلى أصول منتجة لا أصول للمضاربة، فعندما تتعرض الأنظمة لضغوط لا يختبئ رأس المال الحقيقي، بل يعيد توجيه استثماراته، وينتقل إلى أصول تُدر تدفقات نقدية وتلبي الاحتياجات الإنسانية الأساسية وتصمد أمام تغيرات السياسات وتتجاوز الدورات المالية، والأراضي الزراعية تستوفي جميع هذه الشروط.

المليارديرات المستثمرون

ويُعد رجل الأعمال الصيني وانغ جينغ من أكبر المستثمرين في الأراضي الزراعية، وقد دأب وانغ على شراء مساحات شاسعة من الأراضي في أفريقيا وأميركا الجنوبية، ويخطط لاستخدامها في زراعة الغذاء لبلاده. كما يُعد الأمير السعودي الوليد بن طلال وستان كرونكي من كبار المستثمرين في الأراضي الزراعية، لا سيما لأغراض الإنتاج الغذائي.

وينطبق الأمر ذاته على جورج سوروس، المعروف بلقب "الرجل الذي أفلس بنك إنجلترا"، الذي اشترى أكثر من مليون فدان من الأراضي الزراعية في الأرجنتين. وهدفه هو إنعاش القطاع الزراعي في البلاد، إذ يؤمن بإمكانات الأرجنتين الهائلة في هذا المجال، ويأمل في مساعدتها على تحقيقها. وقد تعاون سوروس مع ثلاثة مليارديرات آخرين هم كارلوس سليم وبيل غيتس ووارن بافيت في مشروع لشراء الأراضي الزراعية يُسمى "قطار حزام الحبوب السريع"، وجمعوا نحو ملياري دولار لشراء مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية.

وانضم جيف بيزوس، مؤسس "أمازون"، إلى قائمة المليارديرات المستثمرين في الأراضي الزراعية، إذ اشترى نحو 400 ألف فدان في تكساس. حتى إن أقطاب العقارات مثل سام زيل وخورخي بيريز يشترون الأراضي الزراعية، فقد استحوذ زيل على عقارات في إنديانا وإلينوي وأيوا، بينما يستحوذ بيريز على أراض في فلوريدا.

فئة أصول جديدة

ومع استمرار الطبقة العليا في تنمية ثرواتها، يميل كثيرون إلى التركيز على فئات أصول قليلة، وفي المقام الأول الأسهم والسندات وحتى الأعمال الفنية، وعلى رغم ذلك فإن هذا التركيز يجعلهم عرضة لتقلبات السوق، لذلك بالنسبة إلى كثير من هؤلاء المليارديرات تمثل الأراضي الزراعية فئة أصول جديدة يمكن أن تساعدهم على تنويع محافظهم الاستثمارية وتُعد استثماراً أكثر استقراراً.

وتميل أسعار السلع والخدمات إلى الارتفاع بمرور الوقت، ويعود ذلك إلى التضخم الذي يؤدي إلى انخفاض القدرة الشرائية، وللتحوط ضد التضخم يختار بعض المستثمرين الاستثمار في أصول يُتوقع أن ترتفع قيمتها بمعدل يفوق معدل التضخم، وعليه لطالما كانت الأراضي الزراعية أداة تحوط جيدة ضد التضخم. إضافة إلى ذلك تتزايد ندرة الأراضي الزراعية مع نمو سكان العالم، وهناك طلب متزايد باستمرار على المحاصيل والماشية التي يمكن للمستثمرين بيعها بأسعار أعلى أو الاحتفاظ بها كأصل ملموس يُورث للأجيال المقبلة.

 

ويستثمر كثير من هؤلاء المليارديرات في الأراضي بالدول النامية، حيث الكلف أقل وفرص النمو أكبر، ويستثمرون أيضاً في الأراضي بالولايات المتحدة، حيث يتزايد الطلب على الأغذية العضوية. وبامتلاكهم الأراضي الزراعية يستطيع هؤلاء المستثمرون التحكم في إنتاج المحاصيل وضمان تحقيق أفضل عائد على استثماراتهم. إذ توفر لهم الأراضي الزراعية فرصاً لزيادة رأس المال على المدى الطويل وتحقيق تدفقات نقدية، فضلاً عن مزايا ضريبية أخرى. والأهم من ذلك، سيضمن أصحاب المليارات الحصول على الغذاء بصورة دائمة، بصرف النظر عن التضخم السكاني والطلب المتزايد على الإمدادات الغذائية، بل يعتقد البعض أن بإمكانهم الإسهام في بناء نظام غذائي أكثر استدامة من خلال الاستثمار في الأراضي الزراعية.

دليل القدرة على الصمود

ولطالما أظهرت الأراضي الزراعية أداءً قوياً ومستقراً، حتى في فترات الأزمات الاقتصادية، ففي الفترة من عام 1992 إلى 2023، حققت الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة عائداً سنوياً متوسطاً قدره 10.52 في المئة، متفوقة بذلك على عديد من فئات الأصول الرئيسة الأخرى، بما في ذلك العقارات بـ7.84 في المئة والأسهم 10.07 في المئة، والسندات 4.67 في المئة، وصناديق الاستثمار العقاري 9.21 في المئة،  والأراضي الحرجية 8.72 في المئة، والذهب 5.67 في المئة، وقد تحقق هذا الأداء بتقلبات أقل بكثير، 6.61 في المئة سنوياً فقط مقارنة بـ17.71 في المئة لمؤشر "ستاندرد أند بورز 500"، مما يدل على مرونة الأراضي الزراعية كأصل مستقر طويل الأجل.

وكذلك برزت مرونة الأراضي الزراعية بصورة خاصة خلال الأزمات، مثل الأزمة المالية عام 2008، إذ حققت عوائد إيجابية بينما تراجعت الأسواق الأخرى. وبالمثل في عام 2022 حين انخفض مؤشر "ستاندرد أند بورز 500" بأكثر من 18 في المئة وشهدت أسواق السندات أسوأ أداء لها منذ عقود، سجل مؤشر NCREIF للعقارات الزراعية عائداً بنسبة 9.60 في المئة، مدفوعاً بقوة أسواق السلع الأساسية وقيود العرض.

وكذلك أثبتت الأراضي الزراعية أنها وسيلة تحوط قوية ضد ارتفاع الأسعار خلال فترات التضخم. فمنذ بداية جائحة "كوفيد- 19" وحتى عام 2022، أظهرت عوائد الأراضي الزراعية ارتباطاً قوياً بنسبة 0.97 في المئة مع مؤشر أسعار المستهلك، مما يؤكد قدرتها على الحفاظ على قيمتها وتحقيق عوائد حتى في أوقات التقلبات الاقتصادية.

وبالنظر إلى المستقبل، لا تزال التوقعات الطويلة الأجل للأراضي الزراعية واعدة للغاية، فمع توقعات بارتفاع الطلب العالمي على الغذاء بنسبة 60 في المئة بحلول عام 2050، وانخفاض نصيب الفرد من الأراضي الصالحة للزراعة، من المتوقع أن تستمر قيمة الأراضي الزراعية في المناطق الزراعية الرئيسة بالارتفاع. وتشير تقارير وزارة الزراعة الأميركية إلى أن قيمة الأراضي الزراعية في الولايات المتحدة ارتفعت بنسبة 14.3 في المئة عام 2022 وحده، لتصل إلى مستوى قياسي بلغ 5050 دولاراً أميركياً للفدان، مع تسجيل بعض الولايات مكاسب تجاوزت 25 في المئة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات