ملخص
بعد أدائه المبهر في فيلم "الأرجنتين 1985" الذي صدر عام 2022، يعود الممثل الأرجنتيني المخضرم ريكاردو دارين بفيلم جديد بعنوان "لنترك الأمر هنا" أو (Lo dejamos acá) في دور معالج نفساني يسأم الطرق التقليدية للعلاج، فيلجأ إلى ما يعده وسائل عملية ومباشرة للوصول إلى نتائج سريعة.
يتخذ الفيلم عنواناً بالإنجليزية هو (Therapy Done Right) أو "العلاج على أصوله". وقد بدأ عرضه على منصة "نتفليكس" منذ الـ16 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، بعد أن شارك في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي، الشهر الماضي.
ولدى إعرابه عن فقدان أمله بالعلاج التقليدي، يرفض الطبيب النفساني الذي يؤدي دور أوليسيس فيرون، خلال حفلة لتكريم مسيرته المهنية، الجائزة المقدمة إليه، معلناً أنه مل مما يصفه بأكاذيب مهنته وإخفاقاتها. ورغم أن هذا الموقف يضمر اضطراباً في شخصية المعالج النفساني لا تفصح عنه البدايات، إلا أن تجاوزاته وتدخلاته في الشؤون الشخصية لمرضاه، والتفكير والتدبير نيابة عنهم، يؤدي إلى مأزق أخلاقي بخصوص تحول السعي لمساعدة الآخر إلى محاولة للسيطرة عليه، مما يطرح السؤال حول النوايا الحسنة، وهل هي كفيلة وحدها لتبرير تجاوز الحدود وانتهاك الخصوصية؟
سؤال عن السلطة
قد يقود الأمر إلى سؤال عن السلطة بصورها كافة التي تزعم التفكير نيابة عن الأفراد من أجل مصلحتهم، وهذا يتجلى في الأسرة والمدرسة والعمل والفضاء السياسي والديني.
في غمرة مساعيه الحثيثة لفعل ما يراه العلاج الأنسب (أو العلاج على أصوله)، يدخل عيادة الطبيب النفساني كاتب مشهور يجسده الممثل العريق دييغو بيريتي (بدور مارتين بوشار) يشكو من انقطاع الإلهام، وعطب التعبير، مما ألجأه إلى الكحول الذي أدى إسرافه فيه إلى مشكلات صحية واجتماعية.
هذا اللقاء يمثل العمود الفقري للفيلم (98 دقيقة) الذي أخرجه إيرنان غولدفرِيد، وكتبه إيمانويل دييث. ومن خلال حوارات متدفقة وساحرة تعبر الشخصيتان عن إحباطات وخوف وفراغ نفسي وعاطفي، لكنهما يبقيان يرتديان أقنعة الواقع التي تمنحهما الحيوية وشهوة الحضور، والسيطرة على الحياة، ومن ثم إمكان تصريف خيبة الأمل.
لا تكتب على الورق
وبعد موافقته على قبوله مريضاً يتولى الإشراف على علاجه، يشترط الطبيب على الكاتب، أن يكتب مباشرة على الكمبيوتر، لا على الورق، كما كان يفعل، وأن تُعقد الجلسة المقبلة في منزله. وفي تلك اللحظة تبدأ حرارة الفيلم تتصاعد إلى درجة الغليان. بيد أن ذلك لا يتحقق ضمن مسار السرد الطبيعي، لذا يلجأ المخرج إلى صبغ الأداءات بروح الكوميديا السوداء، مضفياً على التطور الدرامي المسبوك روحاً من ألفريد هتشكوك الذي يحضر بقوة من خلال وجوه عدة تمتزج فيها السخرية بالتوقعات الغامضة.
ومن بين الخيارات التي يلجأ إليها المعالج النفساني لفتح قنوات التعبير المنسدة لدى الكاتب هو أن يتسلل ليلاً إلى منزله بعد أن يكون غارقاً في نوم الثمالة، فيستبدل ما كتبه الروائي بنص آخر من كتابة الطبيب، حتى يكتمل الكتاب ويُنشر وينال تقريضاً من النقاد باعتباره أهم ما أنجز الكاتب، والأكثر مبيعاً.
وكجزء من مهمته في التدخل في الشؤون الخاصة لمرضاه، يشرع الطبيب في التلصص على الكاتب من خلال منزل مهجور مجاور لمنزله، وهنا نستعيد المشهد ذاته لفيلم هتشكوك "النافذة الخلفية" (Rear Window) الذي أنتج عام 1954، ويتناول، كما تقول "ويكيبيديا" مصور (يؤدي دوره الممثل جيمس ستيوارت) يعاني كسراً في ساقه، فيمضي يومه في المنزل يشاهد جيرانه من خلال النوافذ، وفي يوم وبينما هو يراقب يظن أنه رأى جريمة قتل. وهو مشهد يتكرر في الفيلم الأرجنتيني بصورة مطابقة، بحيث يهرع الطبيب بعد ظنه أن الكاتب قد انتحر، فيفتح المنزل، ليجده واقفاً كالطود في وجهه، مقرعاً إياه لدخوله وامتلاكه مفاتيح المنزل من دون إذنه، مما يقود إلى اشتباك بين الاثنين يؤدي إلى وقوع الكاتب على طرف الطاولة، فيما راحت الدماء تنزف من رأسه.
سينما هتشكوك
وعلى منوال سينما هتشكوك، تتوالى الأحداث بسرعة، يتسلل الطبيب إلى المريض (الذي لم يمت) ويحقنه بما يعيده إلى الواقع، ثم يحذره بألا يفشي سر أنه كتب روايته الأخيرة، فيتفق الرجلان على الكتمان ومواصلة الخداع. ثم يأتي مشهد لاحق يجسد تسجيل لقطة من فيلم مقتبس عن الرواية التي صدق الكاتب أنها ملكه ومن ثمرات إبداعه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن الفيلم يقع في حيرة النهايات، لأن المخرج أهدر وقتاً طويلاً في الجدل البيزنطي بين الطبيب والكاتب، إلى أن تصنيف العمل في إطار الكوميديا السوداء يشفع له بمساحة من الحركة للعب في فسحة الخيال والفانتازيا ودراما الإثارة والتشويق. ولعل ذلك لا يعبر عن نقصان فني بمقدار ما هو انعكاس لاضطراب الشخصيات وتمزقاتها.
مثلت الموسيقى التصويرية، من تأليف روكي بانيوس، رافعة أساسية في الفيلم، وبدا طابعها الكلاسيكي كأنه يناجي مناخات هوليوود القديمة. وسجلت الموسيقى أوركسترا براتيسلافا السيمفونية بقيادة ديفيد هيرناندو ريكو.
كأنه أداء على مسرح
ومن عناصر الفيلم القوية أداء الشخصيتين. ففي بعض المحطات ظهرتا كأنهما تقدمان دوريهما على المسرح، حيث قوة الارتجال تفيض من الحركة والحوار، وكان لهذه الحرية التي تركها المخرج لممثليه (أنتونيا بنغوتشيا، وإينيس إفرون، وأندريا بوليتي) أثر في سلاسة التعبير.
ولاحظت تعليقات على الفيلم أنه يتعدى التأثر بسينما هتشكوك، بل هناك تقاطعات أيضاً مع مسلسل (Shrinking) الذي أخرجه بيل لورانس وجيسون سيغل وبريت جولدستين، وعرضته قناة "أبل تي في" عام 2023، ويحكي عن معالج نفسي يخرق الحواجز الأخلاقية ويخبر مرضاه برأيه الشخصي عن حياتهم وما يجب عليهم فعله.
وعلى رغم الملاحظات الناقدة للفيلم، وبعضها أعطاه درجات تقدير مقبولة، فإنه يمثل إضافة نوعية للسينما الأرجنتينية، فهو يزاوج بين طموح شباك التذاكر، والرغبة في تقديم دراما توقر العقل وتمتحن الأسئلة الوجودية.
ومهما يكن من أمر فيلم (Lo dejamos acá) إلا أنه يقدم نجمين كبيرين يطغيان بحضورهما الآسر على سائر مكونات العمل، وهذا أمر يحتمل وجهتي نظر، وربما شاء المخرج أن يكون الطبيب النفساني المضطرب الذي لا يستطيع إقامة علاقة ودودة مع ابنته، والكاتب المعطوب الغارق في نرجسيته وهذيانه، عنواناً لحالة أو مرحلة أو ظاهرة إنسانية يجري فيها طحن الكائن حتى ليكاد يفقد شجنه وهويته وصلاحية أدواته في العلاج وترميم النفوس وإمتاع الآخرين. الطبيب والمريض فاقدان للغبطة ومتواطئان على سرقة الحقيقة وتزييفها. إنه فيلم عن الضياع واستحالة السكينة، إذاً "لنترك الأمر هنا".