ملخص
بينما تؤكد "سبيس إكس" أن "ستارلينك" لا يمكن استخدامها في عمليات عسكرية هجومية، بل تقتصر على الأنشطة الدفاعية أو الاستخدام من قبل عملاء مدنيين، تتيح "ستارشيلد" هذه القدرات العسكرية وتستخدم تقنيات تشفير متطورة لنقل المعلومات الحساسة، وتوفر للمستخدمين إمكان دمج أجهزة استشعار في معدات مثل الطائرات المسيّرة.
بقدر ما كشفت عنه القيود المفاجئة التي فرضت على استخدام كييف لمنظومة الأقمار الاصطناعية العسكرية "ستارشيلد" من حجم اعتماد أوكرانيا على الولايات المتحدة في حربها ضد روسيا، فإنها كشفت كذلك عن مدى قدرة واشنطن على التأثير في مسار الحروب الحديثة عبر التحكم في التكنولوجيا والبيانات الاستخباراتية الحيوية.
فمنظومة "ستارشيلد" التي تُعد النسخة العسكرية من تقنية "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس"، المملوكة للملياردير الأميركي إيلون ماسك، والمصممة خصيصاً لدعم جهود الأمن القومي الأميركي والحكومات الحليفة، تحولت منذ دخولها الخدمة عام 2022، إلى واحدة من التكنولوجيات الرائدة عالمياً في المجهود الحربي والعسكري، بما تملكه من قدرات فائقة على مراقبة مساحات واسعة من الأرض وتبادل المعلومات وتوفير الاتصالات للقوات في الميدان.
وقبل أيام، أبلغت أوكرانيا عن انخفاض في سرعة نظام "ستارشيلد" الذي تستخدمه للاتصالات الميدانية وشن الضربات في مواجهة روسيا، وعلى الإثر تبادلت كييف وواشنطن الاتهامات، ولا سيما مع إعلان ماسك أن التغييرات التي طرأت على النظام لا يمكن أن تكون صدرت إلا بأمر من البيت الأبيض، مما دفع الولايات المتحدة إلى نفي ذلك، لتزداد حدة التوترات القائمة أصلاً في العلاقات بين البلدين منذ أن رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب جزئياً العقوبات المفروضة على موسكو بسبب صفقة توريد الديزل.
ماذا نعرف عن "ستارشيلد"؟
وفق توصيف شركة "سبيس إكس"، فإن "ستارشيلد" هي النسخة الحكومية والعسكرية من منظومة "ستارلينك" التي تعتمد على تقنية الأقمار الاصطناعية في المدار الأرضي المنخفض، مع إضافات أمنية وتقنية عالية المستوى تناسب المتطلبات السرية والعسكرية.
وتركز "ستارشيلد" التي كشف عنها رسمياً في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022، على ثلاثة مجالات رئيسة، هي الاتصالات الآمنة، فتوفير اتصال عالمي مضمون للمستخدمين الحكوميين عبر معدات طرفية مخصصة، إضافة إلى مراقبة الأرض حيث إطلاق أقمار تحمل حمولات استشعار (sensors) وتسليم البيانات المعالجة مباشرة إلى المستخدم، فضلاً عما يُسمى "الحمولات المستضافة" التي تتم عبر بناء هيكل الأقمار الاصطناعية (satellite buses) لاستضافة أجهزة أو أجهزة استشعار خاصة بالعملاء الحكوميين.
وتقول صحيفة "ذا غارديان" البريطانية إن "ستارشيلد" تتولى تطوير أنظمة أقمار اصطناعية لأغراض عسكرية واستخباراتية لمصلحة وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون). وعلى رغم أن خدماتها منفصلة عن خدمة النطاق العريض التجاري لـ"ستارلينك"، فإن الحدود الفاصلة بينهما تبدو أحياناً غير واضحة.
وبينما تؤكد "سبيس إكس" أن "ستارلينك" لا يمكن استخدامها في عمليات عسكرية هجومية، بل تقتصر على الأنشطة الدفاعية أو الاستخدام من قبل عملاء مدنيين، تتيح "ستارشيلد" هذه القدرات العسكرية وتستخدم تقنيات تشفير متطورة لنقل المعلومات الحساسة، وتوفر للمستخدمين إمكان دمج أجهزة استشعار في معدات مثل الطائرات المسيّرة.
وجاءت منظومة "ستارشيلد" كتحديث للنظام التجاري، واستجابة مباشرة لطلب وكالات الاستخبارات والأمن القومي الأميركي لبناء شبكة مخصصة للأغراض العسكرية، ومحاطة بجدار سميك من السرية الحكومية، مما جعلها الذراع الفضائية الضاربة للولايات المتحدة وحلفائها.
وترتكز منظومة "ستارشيلد" على شبكة "ستارلينك" الفضائية الأوسع وبنيتها التحتية، وهي شبكة ضخمة تضم 11 ألف قمر اصطناعي أطلقتها "سبيس إكس" بقيادة ماسك إلى الفضاء منذ عام 2019، إضافة إلى الاستفادة من أقمار اصطناعية وأنظمة مخصصة، مما يزيد من قدراتها وإمكاناتها المخصصة للأمن القومي.
وبدأ الملياردير الأميركي إيلون ماسك تطوير قدرات الإنترنت الفضائي عام 2015، حين أعلن رسمياً مشروع "ستارلينك" بهدف خلق شبكة إنترنت فضائي عالمية تغطي كوكب الأرض بالكامل عبر آلاف الأقمار الاصطناعية الصغيرة، قبل أن تنجح "سبيس إكس" في مايو (أيار) من عام 2019، في إطلاق أولى المجموعات التشغيلية المكونة من 60 قمراً اصطناعياً.
ومع تسارع وتيرة الإطلاقات باستخدام صواريخ "فالكون 9" القابلة لإعادة الاستخدام، نمت الشبكة بصورة سريعة ليقترب عدد أقمارها خلال الربع الأخير من العام الحالي من عتبة 11 ألف قمر اصطناعي نشط في الفضاء. وعلى إثر هذا التطور أصبحت وزارة الدفاع الأميركية أكبر عملائها، فأنفقت مليارات الدولارات على خدمات المنظومتين معاً، واشترت أيضاً أقماراً اصطناعية مخصصة لـ"ستارشيلد"، بما في ذلك مركبات اتصالات لمهام التحذير من الصواريخ والتجسس لمكتب الاستطلاع الوطني (NRO)، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز" عام 2024.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، فإن المنظومتين "ستارلينك وستارشيلد" أصبحتا أداة اتصالات بالغة الأهمية بعد اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. وساعدت محطاتها السلطات الأوكرانية وخدمات الطوارئ والوحدات العسكرية في البقاء على اتصال على رغم الهجمات الروسية على البنية التحتية للاتصالات. فعند الخطوط الأمامية، تدعم الخدمة الاتصالات بين الوحدات العسكرية وتمكّن العمليات التي تتطلب اتصالاً مستمراً بين الطائرات المسيّرة ومشغليها، بما في ذلك المهام التي يحتاج فيها المشغلون إلى استقبال الفيديو أثناء تحليق الطائرات.
كيف تعمل "ستارشيلد"؟
على رغم أن مهام "ستارلينك" مختلفة عن مهام "ستارشيلد"، فإنهما تشتركان في جزء كبير من الأساس التكنولوجي ذاته، بما في ذلك هندسة الأقمار الاصطناعية والقدرات التقنية التي تمتلكها "سبيس إكس"، وفق ما تورد "واشنطن بوست"، مشيرة إلى أن الاختلاف بينهما يكمن في طبيعة العميل والمتطلبات الأمنية والهدف النهائي من الاستخدام.
وتستعمل منظومة "ستارشيلد" خدمات الاتصالات الآمنة بتشفير معزز ومحطات طرفية مخصصة، مع اعتمادها على كوكبة "ستارلينك" الواسعة من الأقمار الاصطناعية التي توفر لها التقنية والخبرة الهندسية والتشغيلية، وفقاً لـ"سبيس إكس".
وتُعد الأقمار الاصطناعية التي تحلق في المدار الأرضي المنخفض على ارتفاعات تراوح ما بين 540 و550 كيلومتراً فوق سطح الأرض، العمود الفقري لمنظومة "ستارلينك"، إذ يمنحها هذا الارتفاع المنخفض ميزة حاسمة تتفوق بها على الأقمار الاصطناعية التقليدية المستقرة في المدار الجغرافي الثابت (على ارتفاع 36 ألف كيلومتر)، ولا سيما تقليص زمن استجابة الإشارة (الكمون) من 600 ملّي ثانية إلى أقل من 25 ملّي ثانية.
ووفق "سبيس إكس"، تتواصل هذه الأقمار في ما بينها عبر روابط ليزرية فضائية متطورة، مما يسمح بنقل البيانات بسرعة هائلة من دون الحاجة إلى المرور بمحطات أرضية في كل خطوة، ويستقبل المستخدم النهائي الإشارة عبر هوائي صغير يوجّه نفسه آلياً نحو السماء.
وإضافة إلى الاتصالات الآمنة، تقول "سبيس إكس" إن النسخة العسكرية يمكنها أيضاً تزويد المستخدمين برصد الأرض والقدرة على دمج أجهزة استشعار أو حمولات أخرى، إذ تمتاز "ستارشيلد" بدرجة عالية من التشفير "عالية الضمان" ومقاومة للتشويش الإلكتروني النبضي، مع قدرة على استضافة ومعالجة بيانات سرية، وعزل مادي وبرمجي للحمولات الحساسة، كما أنها قادرة على إدارة منظومة معقدة من الاتصالات بين الأقمار الاصطناعية عبر روابط الليزر، مما يشكل منظومة قادرة على نقل البيانات، ويزيد المرونة في البيئات المتنازع عليها إلكترونياً ويقلل من خطر التشويش.
كما تدمج "ستارشيلد" في هياكلها حمولات عسكرية مخصصة تشمل أجهزة استشعار بصرية ورادارية عالية الدقة لمراقبة الأرض والاستطلاع المستمر، وأنظمة إنذار مبكر لرصد الصواريخ الباليستية والمجنحة الفرط صوتية، وتدير هذه الأقمار قنوات اتصال آمنة ومغلقة تماماً، مخصصة لنقل المعلومات الاستخباراتية المصنفة "سرية للغاية"، ولا يمكن لأي مستخدم مدني الوصول إليها أو الكشف عن تردداتها.
أية أهمية لها بالنسبة إلى أوكرانيا؟
أمام ما توفره أقمار "ستارلينك" الاصطناعية ومنظومة "ستارشيلد" العسكرية من خدمة اتصالات مشفرة وآمنة عالية السرعة والقدرة، باتت أوكرانيا إحدى أبرز الدول التي تعتمد على تلك الخدمة بوصفها أداة حيوية للاتصالات في ساحة المعركة، ولكفاءتها خلال حرب الطائرات المسيّرة في مواجهة روسيا، ولا سيما أن الحرب بينهما اقتربت من إتمام عامها الخامس.
ووفق ما تشير مجلة "نيوزويك" الأميركية في تحليل لها حول الاضطرابات التي طاولت الخدمة خلال الأيام الأخيرة، فإنها عكست هشاشة القدرات الأوكرانية أمام القرارات الأميركية، خصوصاً في ظل التوتر المتزايد بين ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، ولا سيما بعدما وجد مشغلو الطائرات المسيّرة الأوكرانية الأسبوع الماضي أن أجهزتهم تفقد الاتصال بمنظومة "ستارشيلد" عند تجاوز سرعة حركة معينة، مما اضطرهم إلى إبطاء طائراتهم، فأضعف قدرتها على ضرب الأهداف الروسية قبل أن تتمكن الدفاعات الروسية من إسقاطها.
وتقول المجلة الأميركية إن خدمة "ستارشيلد" تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى أوكرانيا لأنها تتيح للطائرات المسيّرة الأوكرانية، الجوية والبحرية، استهداف خطوط الإمداد ومستودعات الذخيرة ومراكز القيادة والسيطرة الروسية على مسافة تقارب 200 كيلومتر من خطوط المواجهة، حتى في ظل التشويش الإلكتروني، مشيرة إلى أن كييف لا تملك بديلاً جاهزاً عن هذه المنظومة. فأوروبا تعمل تدريجاً على تطوير قدراتها الفضائية المستقلة، لكن مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أقرت بأن القارة لا تستطيع حالياً تعويض هذه الإمكانات، داعية الدول الأوروبية إلى سد الفجوات في أسرع وقت ممكن.
وتتيح منظومة "ستارشيلد" لأوكرانيا نقل كميات كبيرة من البيانات مثل الفيديو والنصوص والمكالمات الصوتية بطريقة مشابهة للهواتف الذكية، لكن من دون البنية التحتية التي تحتاج إليها الهواتف، وإن قيود السرعة عليها "تمنع فعلياً" أي شيء متصل بالشبكة من تجاوز سرعة 100 ميل في الساعة، مما يجعل توجيه الطائرات المسيّرة أمراً صعباً بالنسبة إلى أوكرانيا.
ونقلت "نيوزويك" عن أحد العسكريين الأوكرانيين قوله إن الطائرات المسيّرة المزودة بأجهزة "ستارشيلد" أصبحت قادرة على الاحتفاظ باتصالها بالشبكة عند الحركة بسرعة تبلغ نحو 160 كيلومتراً في الساعة، أي ضعف السرعة التي كان الاتصال متاحاً عندها تقريباً في اليوم السابق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ورأى "معهد دراسات الحرب" أن إبطاء سرعة الطائرات المسيّرة المتصلة بالشبكة عند هذا الحد المنخفض نسبياً، يجعل الجهود الأوكرانية لاعتراض الطائرات الروسية المسيّرة النفاثة عديمة الجدوى تقريباً.
وقال مدير الابتكار وتقنيات البحث في المصادر المفتوحة لدى المعهد جورج باروس إن المنظومة الأميركية تشكل "العمود الفقري للاتصالات العسكرية في أوكرانيا"، وتُستخدم على نطاق واسع في القوات البحرية والبرية والجوية التابعة لكييف، موضحاً أن القيود الأميركية عليها قد تكون لها تداعيات كبيرة، لأن هذه التكنولوجيا تتيح "عمل الطائرات المسيّرة والمدفعية ومراكز القيادة ضمن شبكة واحدة آنية، حيث يتقلص الزمن بين الرصد وتنفيذ الضربة إلى الحد الأدنى".
ورأى باروس أن الطائرات الاعتراضية المزودة بخدمة "ستارلينك" تُعد أيضاً من بين أكثر الحلول الأوكرانية فاعلية في مواجهة طائرات "شاهد" الإيرانية النفاثة المسيّرة التي تستخدمها روسيا، بحسب ما نقلته عنه هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
ولا تعمل "ستارلينك" داخل روسيا، لكن الطائرات المسيّرة الأوكرانية تستطيع استخدام الأقمار الاصطناعية للتواصل مع مشغّليها أثناء تنفيذ الضربات. ولا يوجد بديل جاهز عن هذه الشبكة، في وقت تحلق طائرات "شاهد" بسرعات تتجاوز 198 ميلاً في الساعة، مما يعني أن القيود التي فُرضت على الخدمة بالنسبة إلى أوكرانيا تجعل ملاحقة المسيّرات الروسية واعتراضها شبه مستحيلين.
ومن دون المعلومات الاستخباراتية الأميركية، يقول مراقبون إن أوكرانيا قد تواجه صعوبة أكبر في رصد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيّرة والتصدي لها، ولا سيما تلك التي تستهدف البنية التحتية للطاقة التي دأبت موسكو على مهاجمتها أثناء فصول الشتاء الماضية.
وتبادلت كييف وواشنطن الاتهامات خلال الأيام الأخيرة حول تعطيل الخدمة عن أوكرانيا، مما نفاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، مستبعداً أن يكون البيت الأبيض قد أمر بتقييد الخدمة، فيما نقلت وكالة "رويترز" عن مسؤولين أميركيين ومسؤول غربي، لم تكشف عن هوياتهم، أن "البنتاغون" تلقى رسالة من داخل البيت الأبيض تطلب فرض قيود على استخدام المنظومة العسكرية في أوكرانيا.
وعلى رغم عودة الخدمة جزئياً، لكن الواقعة سلطت الضوء على مكامن الضعف الناتجة من اعتماد أوكرانيا على تكنولوجيا تسيطر عليها شركات أميركية وتخضع لقرارات إدارة ترمب، مما يمنحه أداة ضغط محتملة بينما يدفع كييف نحو إجراء مفاوضات مع موسكو لإنهاء الحرب.