Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مالكوم كير... أميركي أحب بيروت وقتلته صراعاتها

يمثل الكتاب "غوصاً شاملاً ومثيراً في ذلك العقد الوحشي الذي أعاد تشكيل الشرق الأوسط كله"  

حمل الكتاب عنوان "أفضل أنواع الأميركيين: قصة حقيقية لاغتيال وحرب وتداعي أميركا في الشرق الأوسط" (اندبندنت عربية)

ملخص

أندرو كير "كان يعمل موظفاً صغيراً في مجلس الأمن الوطني خلال إدارة بيل كلينتون، وبالصدفة المحضة عثر على وثيقة كشفت بعض المعلومات الحاسمة عن اغتيال أبيه".

في الـ18 من يناير (كانون الثاني) عام 1984، وصل مالكوم كير رئيس الجامعة الأميركية في بيروت إلى مقر عمله، وما كاد يصل إليه حتى عاجله شخصان مسلحان برصاصات من الخلف لقي إثرها مصرعه. كان لبنان آنذاك في غمار حرب أهلية فـ"لم يجر تحقيق حقيقي" في الاغتيال، ولكن بعد أربعة عقود تأتي الصحافية كيم غطاس المعنية بتغطية شؤون الشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأميركية لحساب (بي بي سي) والمشاركة بانتظام في النشر بمجلة "ذي أتلانتيك" وصحيفة "ذي فايننشال تايمز"، بكتاب جديد يحقق في تلك الجريمة. صدر الكتاب حديثاً بعنوان (أفضل أنواع الأميركيين: قصة حقيقية لاغتيال وحرب وتداعي أميركا في الشرق الأوسط).

في 470 صفحة، تحاول كيم غطاس، كما يكتب ناشر الكتاب، حل لغز جريمة الاغتيال، فتنسج حكاية أسرة أميركية تشابكت مع حكايات أمراء الحرب وصناع السلام في لبنان، ورهائن لدى "حزب الله"، وعناصر من الحرس الثوري الإيراني، ورؤساء أميركيين من ريغان حتى ترمب، فضلاً عن قصة بيروت التي أصبحت نقطة انطلاق سياسات وأشخاص صاغوا الشرق الأوسط على مدى عقود. "وبفضل أسلوبها الذي يتسم بالدقة والوضوح وبراعة السرد، تقدم غطاس ملحمة إنسانية عميقة وآسرة، في كتاب لا غنى عنه لفهم صراعات المنطقة التي لا تزال مستمرة في تشكيل عالمنا اليوم".

يصف ناشر الكتاب لحظة اغتيال مالكوم كير بأنها جاءت في أعقاب تفجير ثكنات القوات البحرية الأميركية في لبنان، وحرب العصابات الفلسطينية، والاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليكون، أي الاغتيال، "محض عنوان صادم آخر في مدينة مزقتها فوضى تسعة أعوام من الحرب، وظل السؤال عمن قتل مالكوم كير هاجساً يستولي على أسرته بعد أربعة عقود".

يبدأ الكتاب برسالة إلكترونية، إذ تقول كيم غطاس في حوار أجراه معها سكوت سيمون لإذاعة "أميركا الوطنية"، الـ10 من أكتوبر (تشرين الأول) 2026-، إن "آن كير، أرملة مالكوم كير، كانت قد قرأت كتابي السابق، فبعثت إلي تسألني عن بحثي لذلك الكتاب الذي تجري بعض أحداثه في عقد الثمانينيات من القرن الماضي، وعما لو أنني قد صادفت خلال ذلك البحث أي تفاصيل جديدة عن اغتيال مالكوم. وأصابتني الرسالة بالدهشة، فقد كنت أظن أن القضية مغلقة. وكانت كذلك بالفعل من بعض الأوجه، لكنها لم تكن مغلقة من أوجه أخرى كثيرة. فقد كانت ثمة أسئلة عدة عالقة، ومنها: لماذا اغتيل مالكوم أصلاً؟".

يوشك عنوان مقالة كرستوفر دي بلايغ لاستعراض الكتاب (نيويورك تايمز، الـ12 من أكتوبر 2026) أن يقدم إجابة محتملة لهذا السؤال، ولكنها إجابة تثير الفضول بدلاً من أن تشبعه: "الأستاذ الذي عرف أكثر مما ينبغي فانتهى به المطاف ميتاً".

يتساءل دي بلايغ في مستهل مقالته عن السبب الذي جعل "إيران عام 1984 تدفع وكلاءها في لبنان إلى قتل مالكوم كير، رئيس الجامعة الأميركية في بيروت، لدى وصوله إلى الحرم الجامعي القائم أعلى مرتفع تداعبه الشمس ويجسد سحر المدينة وفتنتها. لقد كان كير فريداً بين الأميركيين بإتقانه اللغة العربية وتعاطفه العميق مع الفلسطينيين، فجعله ذلك هدفاً، لأنه لم يكن يتوافق مع الصورة التي رسمتها طهران للأميركيين بوصفهم أنصاراً لإسرائيل يؤيدونها تأييداً أعمى، دونما نقاش أو تفكير".

ويستدل دي بلايغ على طرحه هذا بقول كيم غطاس في كتابها إنه "لم يكن ثمة مجال لأشخاص بارزين يكونون بناة للجسور"، في بلد مزقه الاحتلال الإسرائيلي والحرب الأهلية.

ثم يضيف دي بلايغ سبباً آخر غير بناء الجسور، فـ"بعيداً من دوره التعليمي، كان كير يجري في هدوء تحقيقاً في اختفاء صديقه ديفيد دودج، الذي كان بدوره من البارزين في الجامعة الأميركية في بيروت، واقتيد قسراً عام 1982 إلى سيارة نقلته في نهاية المطاف إلى طهران. كذلك كان سعي كير وراء الروابط الخفية بين إيران ونظام حافظ الأسد الدكتاتوري وجماعات لبنانية مسلحة من قبيل ’حركة أمل‘ و’حزب الله‘ سبباً آخر وراء موته".

"كيم غطاس صحافية لبنانية مخضرمة تستعمل مصادر باللغات الإنجليزية والعربية والفرنسية والفارسية، فهي من ثم مؤهلة تماماً لكشف العلاقات الآثمة بين الأيديولوجيا والمصلحة والخيانة التي قضت على لبنان بنصف قرن من الاضطرابات، والتي يحدث دورياً وبعنف مذهل أن تلفت أنظار العالم إلى هذه البقعة الصغيرة في شرق البحر الأبيض المتوسط".

في حوارها مع الإذاعة الأميركية تصف غطاس شكل لبنان في ذلك الوقت: "كانت بيروت في ثمانينيات القرن الماضي، حينما كان مالكوم كير رئيساً للجامعة الأميركية في بيروت، مسرحاً لأجندات متصارعة تتصادم بعنف. فالإسرائيليون كانوا قد غزوا لبنان في عام 1982 لطرد المقاتلين الفلسطينيين، وكان ياسر عرفات رئيس ’منظمة التحرير الفلسطينية‘ آنذاك، يستعمل لبنان منصة للهجمات على إسرائيل، فكان يعيث هو ورجاله في جنوب لبنان مطلقين الصواريخ على شمال إسرائيل. وفيما كانت الدبابات الإسرائيلية تتقدم باتجاه لبنان، أرسل الإيرانيون مئات من أفراد حرسهم الثوري إلى سوريا ولبنان لمقاتلة إسرائيل على الأرض اللبنانية".

"ثم حدث بعد شهر من ذلك أن أرسلت إدارة ريغان قوات البحرية الأميركية (المارينز) إلى لبنان للإشراف على خروج المقاتلين الفلسطينيين للانتقال إلى تونس، فتضافرت كل تلك الأحداث وكل أولئك اللاعبين الذين تقابلوا على الأرض اللبنانية، ليشهد الجميع لحظات كارثية".

يزيد دي بلايغ من تعقيد هذه الصورة بسؤاله: "ما الرابط بين اختطاف دودج وبين باحث فرنسي يدعى ميشيل سورا انتهى اختطافه بوفاته في الأسر عام 1986، وبـ63 شخصاً، معظمهم لبنانيون، لقوا مصرعهم في انفجار سيارة مفخخة دمرت السفارة الأميركية في عام 1983؟ يتبين أن هؤلاء جميعاً كانوا من جملة ضحايا عماد مغنية الذي لقي هو نفسه مصرعه عام 2008 في انفجار سيارة مفخخة، أيضاً، في دمشق وأقيمت تكريماً له جنازة هائلة في بيروت".

"على رغم كل ما كان عليه مغنية من قسوة وجسارة، فإنه لم يكن أكثر من عميل، ومثلما توضح غطاس، فقد كان يعمل لحساب دبلوماسيين إيرانيين في دمشق. والأمر الذي يرتقي بالكتاب من محض مسرد بأعمال وحشية إلى استكشاف عميق للعنف السياسي، هو الاهتمام الذي توليه غطاس للتقاطع بين من كانوا ينفذون القتل والاختطاف والموت ومن كانوا يسيطرون عليهم وهم مختفون في متاهة الطرقات وجالسون على الكراسي المذهبة الفخمة".

تقول كيم غطاس إن مالكوم كير كان محباً لبيروت "يشعر فيها وكأنه في وطنه، فقد ولد فيها لأبوين أميركيين، هما ستانلي وإلزا كير، وكانا ينتميان إلى تراث طويل من الأميركيين المعروفين بالمستعربين الذين يتكلمون العربية ويحبون المنطقة العربية ويعيشون فيها. ومالكوم كير من أولئك الأميركيين الذين وقعوا في غرام المنطقة لكنهم أيضاً كانوا ينتقدونها، فلم يكن حبه لها حباً أعمى".

"شعر كير أن من واجبه قيادة الجامعة في تلك المرحلة العصيبة.

إذ وصل في عام 1982، وفي أثناء قيادته، كان يشعر بأنه في وطنه، ويعتز بما يمثله من صورة لأميركا.

لكن في المقابل كان هناك من يرى أن "أفضل الأميركيين هو الأميركي الميت"، وللأسف لا تزال هذه النظرة قائمة لدى بعضهم حتى اليوم.

لكنني أشعر أن هناك أيضاً أشخاصاً لا يزالون يحاولون العثور على أرضية مشتركة وسط كل ذلك".

يكتب دي بلايغ أنه من النادر لمكان صغير شأن لبنان أن يكون صانعاً للتاريخ، "لكنه بالأحرى مسرح يمثل الآخرون أدوارهم عليه. ومن أولئك الممثلين زعيم ’منظمة التحرير الفلسطينية‘ ياسر عرفات الذي اتخذ من البلد مركز عملياته إلى حين طرده منه هو ومنظمته عام 1982. كذلك أن دخلاء آخرين، أبرزهم عملاء وزعماء سياسيون من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وسوريا والاتحاد السوفياتي، كانوا، على حد تعبير غطاس، يسعون وراء مصالح متعارضة باستعمال قوات وميليشيات ونقود ونفوذ".

ومنهم أيضاً حافظ الأسد الذي يرى دي بلايغ أن أحداً لا يضاهيه في تجسيد تناقضات تلك الحقبة، بكونه "الحاكم القوي والعلماني والمتحالف في الوقت ذاته مع المتطرفين الشيعة الإيرانيين، والانتهازي الذي استمتع بشكر ريغان له على تحرير رهائن طائرة ’تي دبليو آيه‘، على رغم أن خاطفيهم كانوا أصلاً عناصر تابعة للدولة السورية".

ومن أبطال الكتاب أيضاً كير وسورا اللذان "رفض كلاهما إيمان إيران بأن الصراع قدر قدره الله، ورفضا أيضاً نقد إدوارد سعيد اللاذع الشهير للمستشرقين في كتابه الشهير (الاستشراق). وشأن كير، كان سورا رجلاً ’بريئاً‘ يسعى إلى سد الفجوات القائمة بين الحضارات، كما تكتب غطاس".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يكتب دي بلايغ أنه على رغم اتساع نطاق عدسة كيم غطاس بحيث يظهر فيه كثير من الفاعلين، من الرئيس الأميركي إلى طهران وحليفتها سوريا، فإن أحداً من أولئك جميعاً "لا يستحق الثناء، فالرئيس الأميركي رونالد ريغان أعلن رفضه التفاوض مع إرهابيين، لكنه سمح بصفقات سلاح سرية لطهران، راجياً من ذلك ضمان إطلاق سراح الرهائن الأميركيين، وهو رجاء كان يخيب في العادة، أما إيران وحليفتها سوريا فتعمقتا أكثر وأكثر في أحشاء الحياة السياسية اللبنانية".

"وهناك بالطبع الدولة اليهودية التي تضمنت ألاعيبها المزدوجة تسليح عدوها الإيراني، وقيامها في عام 1982 بغزو لبنان، ليدوم الاحتلال 18 عاماً، وليكون سابقة لكل التدخلات التالية، كذلك عملت إسرائيل وخصمها ’حزب الله‘ في تواطؤ شيطاني على بقاء مؤسسات الدولة اللبنانية في حالة ضعف مزمن".

في حواره مع غطاس يقول سكوت سيمون إن عائلة كير عائلة ذات إنجازات كبيرة، فآن كير لا تزال تمارس التدريس وهي في التسعينيات من عمرها، وستيف كير بطل من أبطال دوري كرة السلة الأميركي، وسوزان كير مستشارة منتخبة في إحدى مقاطعات المملكة المتحدة، ويشير إلى أهم أفراد هذه العائلة بالنسبة لكتاب (أفضل أنواع الأميركيين)، وهو أندرو كير الذي عمل في الأمن الوطني في الأمم المتحدة، و"صادف في أثناء عمله شيئاً مدهشاً في مطلع التسعينيات، أليس كذلك؟" تجيب كيم غطاس قائلة إن أندرو "كان يعمل موظفاً صغيراً في مجلس الأمن الوطني خلال إدارة بيل كلينتون، وبالصدفة المحضة عثر على وثيقة كشفت بعض المعلومات الحاسمة عن اغتيال أبيه، وهذا في واقع الأمر أكثر ما أصابني بالذهول في هذه القصة".

"لقد حل علي حلول الصدمة أن هذه الوثيقة كانت موجودة ولم تحصل عليها أسرة كير قط، إذ كانت مصنفة ضمن الوثائق السرية، التي لا يمكن الكشف عنها. ولكنها تفضي إلى رحلة اكتشاف وتأمل لما جرى، وتعيد فتح جراح، وتفضي في نهاية المطاف إلى سعي إلى تحقيق العدالة، لكنها عدالة منقوصة لأن أحداً لا يدان فعلاً، ولا أحد يمثل أمام المحكمة فعلاً".

يصف دي بلايغ تأملات غطاس بـ"الثاقبة"، ويسرد منها أن "طرد عرفات من لبنان ترك فراغاً في البلد الذي أحبه وخربه في آن واحد"، وأن "قرار إسرائيل بإمداد إيران بمقادير متواضعة من الأسلحة خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي ليس غريباً بالقدر الذي يبدو عليه، إذ كان في الدولة اليهودية دائماً فصيل صغير، ولكنه راسخ، يتوق إلى استعادة إيران ’صديقاً وشريكاً استراتيجياً‘ كما كان الحال في عهد الشاه".

"وبكونها من سكان بيروت، وقد صرخت من المفاجأة حينما اهتزت شبابيك شقتها بسبب غارات إسرائيل المستمرة التي قتلت حسن نصر الله في عام 2024، فإنها تشارك بوضوح الباحث الفرنسي سورا خيبة أمله حينما تبين له أن خاطفيه الشيعة ’ما عادوا بلبنانيين حقيقيين‘ بعدما صاروا على حد تعبيره ’معتنقين لأيديولوجية إيران الغريبة عن لبنان‘".

وفضلاً عن هذه التأملات، تمنح كيم غطاس قراءها، وسط الأهوال التي يرصدها الكتاب، بحسب ما يكتب دي بلايغ، "صوراً فاتنة"، منها مثلاً "حسن نصر الله في شبابه، قبل أن يصبح زعيم ’حزب الله‘ مرهوب الجانب، وهو على رأس وفد للعب تنس الطاولة في إيران"، وصوراً لـ"ركاب طائرة تي دبليو آيه المختطفة وهم متفرقون في أنحاء مدينة بيروت المسلمة يقضون وقتهم في مشاهدة مسلسل دالاس".

يشير استعراض "ذي بابليشرز ويكلي" الوجيز للكتاب إلى أن حكومة الولايات المتحدة لم تظهر أي تعاطف مع أسرة مالكوم كير إثر الاغتيال، مستدلاً على ذلك بأن "دونالد رامسفيلد، مبعوث الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، كان في بيروت عند الاغتيال ولم يزر أسرة كير"، ويشير إلى ما هو أهم من ذلك، أي إلى الوثيقة السرية التي عثر عليها أندرو كير، أكبر أبناء مالكوم، "التي حددت قتلة أبيه وداعميهم من إيران"، غير أن الاستعراض يأخذ على الكتاب أن سرده يفقد "بعض الزخم" بسبب توسع غطاس في نطاقها، لكنه يشهد للكتاب بأن هذا التوسع نفسه هو الذي يقدم نظرة شاملة شديدة الطموح للعقود الأربعة الماضية، كاشفاً عن جذور تمتد حتى ثمانينيات القرن الماضي لصراعات لا تزال قائمة إلى اليوم، سواء الصراع على النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران، أو عجز أميركا عن كبح جموح إسرائيل، ليمثل الكتاب "غوصاً شاملاً ومثيراً في ذلك العقد الوحشي الذي أعاد تشكيل الشرق الأوسط كله".

العنوان: THE BEST KIND OF AMERICAN: A True Story of Murder, War, and America’s Undoing in the Middle East

تأليف: Kim Ghattas

الناشر: Holt

اقرأ المزيد

المزيد من كتب