Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

آلة العود تستهوي أصحاب الشغف بالأنغام الشرقية

رافق الفلاسفة والشعراء ووصل إلى مجده الذهبي في العصرين الأموي والعباسي

يُنسب إلى الحضارة "الأكدية" في العراق اختراع آلة العود نحو عام 2350 قبل الميلاد، ثم انتشرت لتصبح الآلة المفضلة في العصر البابلي القديم (1950-1530 قبل الميلاد). ذلك الصندوق الصوتي الذي يبعث ألحاناً قال عنه العرب سابقاً، "إذا حُرِّكت أوتاره أحدثت نغماً يبعث على النوم تارةً، وعلى البُكاء تارةً أخرى". رافقت آلة العود الفلاسفة والشعراء، ووصلت إلى مجدها الذهبي في العصرين الأموي والعباسي، لتتوارثها الأجيال بعد ذلك. تللك هي آلة العود الضاربة في القدم في حضارة الإنسان، مرّت بمراحل عدّة من التطور بشكلها وأوتارها، حتى أصبحت على ما هي عليه الآن من شكل ينتمي إلى الحاضر من دون أن تغيب عنه سمة الأصالة، ولتبقى تحظى بالاهتمام، فالعود ذو الـ11 وتراً يتصدّر الأوركسترا العربية وتخت الموسيقى العربية.

صناعة العود

في ورشته بمنطقة الصالحية في بغداد، يقضي صانع العود، ليث فؤاد، ساعات طويلة من العمل المستمر لإنتاج آلة العود. يرفض فؤاد استخدام الآلات الحديثة لصناعته، إذ يرى أن استعمال الطرق الحديثة يؤثر سلباً على جودة الصوت، فالأفضل إبقاء صناعة وتجميع العود يدوياً بعيداً من الآلات الحديثة.

يقول فؤاد، "سابقاً، كنا نستخدم في صناعة العود أخشاب الأشجار، ومنها أخشاب الجوز والسدر، وبعدها، بدأت تتطور الصناعة، وأصبحت تدخل فيها أنواع أخرى من الأخشاب، منها السيسم الهندي، وخشب الكوكوبولو"، مضيفاً، "في حال صُنع العود من خشب السيسم الهندي سيكون له صوت قوي، وسيكون متيناً، ويكون وزنه خفيفاً، أما العود الشرقي، فيفضل في صناعته استخدام أخشاب شجر الجوز، كونها تعطي العود صوتاً رخيماً".

ويستغرق ليث فؤاد، الذي ورث المهنة من والده، في صناعة العود الواحد من شهر إلى شهر ونصف الشهر للعود الخالي من "القياطين"، وفي حال وجود ما يطلق عليه "القياطين"، وهي تفصل ما بين أضلاع العود، يستمر العمل أكثر من هذه المدة.

40 عاماً في صناعة العود

تابع فؤاد، "40 عاماً من العمل الحرفي في صناعة آلة العود"، ومنذ أن بدأ العمل بمعزل عن والده عام 2008، صنع ما يقارب 430 عوداً، "العود العراقي أثبت جدارته، وأصبح مطلوباً بشكل واسع من خارج العراق، ولا سيما دول الخليج، فالعود العراقي يختلف من ناحية الصوت والجودة والديمومة".

أنواع العود

وعن أسرار صناعة العود، يقول إن هناك أحجاماً مختلفة لآلة العود، فهناك العود الشرقي، وهو على نوعين، "في الأول، يكون طول الزند أو الرقبة، 20 سنتيمتراً، شرقي طبيعي، والنوع الآخر، يكون طول الزند أو الرقبة 19 سنتيمتراً ونصف السنتيمتر، وهناك نوع يسمى، السحب، وهو على نوعين أيضاً، يكون فيه طول الزند 19 سنتيمتراً، وهي قياسات الموسيقار نصير شمة، وفي الثاني، يكون طول الزند 19 سنتيمتراً ونصف السنتيمتر، وهي قياسات العازف منير بشير".

يذكر أن قياسات مدرسة بيت العود التي تعود للموسيقار نصير شمة، ترجع  الفكرة من ورائها أن يكون العود مريحاً للطلاب الذين يتمرنون أكثر من ست ساعات، فلا يمكن التمرين ساعات طويلة على عود كبير الحجم، أما الريشة التي تُستخدم في العزف، فهناك من يفضل الريشة الطرية، وآخرون يفضلون الريشة الحادة القوية التي تمنح الصوت قوة أكبر.

التأني هو الجانب المهم في صناعة العود

ويرافق ليث فواد في ورشته ابنه الطالب في كلية الصيدلة حسين ليث الذي بدأ بتعلم صناعة العود أثناء فترة الحجر الصحي مع بداية وباء كورونا. ويقول حسين، "تكمن صعوبة صناعة العود في أنها لا يمكن أن تستند إلى كتاب إرشاد، فالنظرة للعود هي الأهم من أي قياسات مدونة". ويوضح أن صناعة العود تحتاج إلى أن يكون الإنسان مُهيَّأً ذهنياً، لأن الخطأ لا يُحتمل، فإن حدث خطأ في ربط أحد الأضلاع، فلا بد من إعادة العمل من أساسه.

تعلم العزف

الشغف الذي دفع حسين ليث لتعلم صناعة العود يعود إلى رغبته في تعلم العزف على هذه الآلة، لكنه يأمل أن يتعلم صناعة العود بالكامل، فيقول، "لا بد من إجادة 60 في المئة من الحرفة لكي يبدأ الإنسان بصناعة العود، فالخطوط التي تفصل بين ضلع وآخر فيها حرفية عالية، ومن المهم الحفاظ على سُمعة والدي، لذلك أسعى للتوازن بين الدقة والوقت".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبعد سنتين من التعلم، يجيد الآن حسين ليث صناعة الصندوق المصوّت، ويسمى أيضاً، القصعة، أو ظهر العود، ويتألف من 18 ضلعاً، وقد أنجز خلال مراحل تعلمه 60 قصعة، ويتم استيراد أوتار العواد، في الغالب، لتضاف على الآلة المصنعة يدوياً، وحتى حقيبة العود يتم تصنيعها يدوياً، وكذلك القمرة أو الشمسية التي تزيد من قوة الصوت، يتم نحتها بالطريقة اليدوية.

العصر الذهبي للعود

تأسس "بيت العود"، فرع بغداد، عام 2018، وهو أحد الفروع التي أسسها الموسيقار نصير شمة، بدءاً من بيت العود في القاهرة 1998، لتشمل بعدها مدناً عربية أخرى، منها الإسكندرية، وبغداد، والخرطوم، ومن المتوقع تأسيس "بيت العود"، في الرياض قريباً. ويوضح محمد العطار، المدير الفني لـ"بيت العود"، فرع بغداد، أن "الهدف من تدريس آلة العود الحفاظ على مدارس العود العراقية التي ابتدأت من الشريف محيي الدين حيدر إلى جميل بشير ومنير بشير ونصير شمة. ويضيف، "بيت العود يستند إلى منهج معتمد على المدارس العراقية والتركية والمصرية"، وكذلك تعليم أساليب عزف جميل بشير وسالم عبد الكريم ونصير شمة، وهي أساليب تختلف من ناحية توظيف الأصابع والريشة، ويتقن الطالب مناهج المدارس والأساليب الخاصة بالعزف والمقامات.

كثير من الجهد

لا يكفي اقتناء العود كي تجد الأصابع طريقها إلى أوتاره، فالعزف على آلة العود يحتاج إلى الجهد والدراسة والتدريب. يحدثنا الموسيقار نصير شمة عن تجربته في تأسيس "بيت العود" في القاهرة لتنتقل التجربة بعدها لعواصم عربية أخرى، "الدراسة في بيت العود تمتد إلى سنتين، وتشمل 12 درساً في الشهر الواحد، وبعد أن يكمل الطالب مدة الدراسة، يقدم ثمانية من أعماله إلى لجنة مكونة من أربعة أشخاص، وبعدها تجتمع اللجنة لتقرر الدرجة التي يستحقها الطالب، فالمدرسة تؤهل الطالب ليكون عازفاً منفرداً".

الشغف بالعود

"أشعر بالاندماج مع كل ضربة على وتر من أوتار العود"، بهذه العبارة تصف لنا هدى المأمون، الطالبة في كلية الطب البيطري، التي دفعها شغفها بالعود للالتحاق بمركز "مصطفى زاير للموسيقى". المأمون التي تهوى الألحان الشرقية تجد في العزف على العود متنفساً للتخلص من ضغط الحياة والدراسة، "لا يخلو يوم من التمرين المستمر. أتمرن أربع ساعات يومياً خلال العطلة، وأثناء الدوم أتمرن مدة ساعتين". وتطمح المأمون إلى الوصول إلى مراحل متقدمة من التعلم على العود، ويدفعها الشغف للوصول إلى مراحل التأليف الموسيقي.

ثقافة تعلم العود

يضم مركز "مصطفى زاير للموسيقى"، الذي يقع في منطقة الأعظمية ببغداد، مجموعة من الهواة من مختلف التخصصات، يجمعهم حبهم لتعلم آلة العود، وأنشئ المركز عام 2016. ويقول أستاذ مادة العود في معهد الدراسات الموسيقية ومؤسس هذا المركز، "هذا المشروع شخصي يموّل من خلال ما يدفعه الطلاب كأجور لدخول دورات تعليم الموسيقى". ويرى زاير أن العود ليس آلة للتعلم وحسب، بل لهذه الآلة جمهورها والأعمال التي تقدم من خلال العود تجد صداها عند الناس، ويرغب زاير في أن تتسع تجربته لمناطق أخرى من بغداد والمحافظات.

العود المعاصر

يتابع مصطفى زاير، "الظرف العراقي ترك أثراً موسيقياً بداخلي، وجعلني أختلف عن الآخرين، فحملت الموسيقى التي أعزفها كثيراً من أوجاع العراق، ومن أحلام وآمال الشباب". ينتمي زاير، بطريقة عزفه إلى ما يسمى العود المعاصر، الذي يذهب لأماكن موسيقية تختلف عن الكلاسيكية، "كي يصل العود إلى الجمهور، يحتاج إلى أن يقترب منه، وعليه أن يحمل الإرث والتجديد في الوقت ذاته".

محاربة التطرف

ويقول سلمان شكر (1921–2007)، العازف وأستاذ آلة العود، "هذه الآلة المؤدبة"، ويوضح أن العازف، عندما يكون متقناً أدواته، يُخرج منها أصواتاً في غاية الكمال، والتهذيب. ويضيف، "الآلات الموسيقية عندما تكون بيد موسيقى ماهر يصبح كل ما يخرج منها مؤدباً". ويكمل شمة الذي يرى أن الموسيقى تؤدي دوراً مهماً في تخليص المجتمع من التطرف، "أن نصنع موسيقياً في كل بيت، يعني أننا نقضي على التطرف والتعصب وعلى كل أشكال العنصرية والإرهاب".

وفي السياق نفسه، يرى محمد فارس، أحد الملتحقين في مركز "مصطفى زاير للموسيقى"، أن الموسيقى تؤثر في المجتمع، وهي تخلق السلام الداخلي.

لا تخلو من صعوبات

يرى سامي نسيم، وهو مؤسس فرقة بغداد للعود وأستاذ العود في معهد الدراسات الموسيقية، أن هناك إقبالاً واسعاً لتعلم العزف على العود من قبل الشباب، موضحاً أن هناك، في الوقت نفسه، صعوبات تكمن في جانبين، الأول نوعية وجودة بعض الآلات، وكذلك عدم وجود مناهج علمية ثابتة، بل تخضع للاجتهاد الشخصي للمعلمين وإرشاداتهم، والجانب الثاني يتمثل في قلة عملية الإنتاج الموسيقي، لكون الاهتمام بالغناء أكثر من الإنتاج الآلي للموسيقى، ولا سيما العود، وكل هذه عوامل تشكل عقبات لتعليم العود أو أي آلة موسيقية أخرى.

ويرى مصطفى زاير، أن ابتعاد الدولة عن دعم الثقافة يؤثر على المشهد الثقافي برُمَّته، "الدولة لا تهتم بالثقافة، كونها لا تشكل عائداً مالياً، بل قد ترى الدولة أن الثقافة تستنزف أموالها". ويرى زاير أن ما نحتاج إليه في العراق عملية تسويق الثقافة بشكل ناجح (المسرح أو العروض الموسيقية)، وكل هذا يؤثر في توفير الدعم للثقافة بشكل عام، والموسيقى بشكل خاص.

عود "السحب"

وفيما يخصّ عود "السحب"، فهو نوع من أنواع آلة العود، ابتكره صانع العود الشهير محمد فضل الجوهري، بالإضافة إلى الفنان العراقي منير بشير الذي طلب من الجوهري صناعة نوع من أنواع آلة العود يكون مُقاوماً للظروف الجوية، وتم تحويل "الفرس" الذي يربط أوتار عود "السحب" إلى ظهر العود، كي يتمكَّن العازف من سحب الأوتار باتجاه الأعلى من دون أن يكون مضطراً للضغط على وجه العود.