ملخص
يؤدي توظيف الحوثيين إلى زيادة تعقيد هذه المعضلة. فإذا استمرت تهديدات الملاحة في البحر الأحمر بالتزامن مع أزمة هرمز، فمن المحتمل أن ترتفع الحاجة الدولية إلى تسوية شاملة تشمل أمن الممرات البحرية، لكن النتيجة المقابلة تظل ممكنة، إذ يدفع استمرار الهجمات الولايات المتحدة وشركاءها إلى توسيع نطاق الرد العسكري وتعزيز التنسيق مع القوى الإقليمية المتضررة والضغط على مصادر التسليح والتمويل والدعم.
لا يمكن فهم إستراتيجية إيران البحرية والإقليمية من دون التوقف عند الحوثيين في اليمن الذين يمثلون أحد أهم عناصر شبكة علاقاتها مع الفاعلين المسلحين من غير الدول، فموقع اليمن المطل على البحر الأحمر وخليج عدن وقربه من مضيق باب المندب، يمنحان الحوثيين قدرة على التأثير في ممر بحري حيوي يصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس.
وتتمثل القيمة الإستراتيجية للحوثيين بالنسبة إلى طهران في أنهم يضيفون إلى معادلة المواجهة ساحة ضغط مختلفة جغرافياً ووظيفياً عن ساحة الخليج، فبينما يتركز الضغط المرتبط بمضيق هرمز على المدخل البحري للخليج وصادرات الطاقة، يتيح التهديد الحوثي للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب التأثير في مسارات التجارة بين آسيا وأوروبا، وفي حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس، فضلاً عن تهديد طرق تصدير النفط التي تعتمد عليها بعض دول الخليج.
وبذلك، تصبح المنطقة أمام معادلة أمنية متعددة الجبهات، فحماية الملاحة في الخليج لا تكفي وحدها إذا ظلت حركة السفن في البحر الأحمر معرضة للتهديد، كما أن تأمين أحد الممرين لا يضمن استقرار الآخر. وتزيد هذه المعادلة من كلفة الانتشار البحري والدفاع عن البنية التحتية للطاقة، وتفرض على الولايات المتحدة ودول المنطقة توزيع الموارد والانتباه بين أكثر من ساحة.
ما الهدف الإيراني من توظيف الحوثيين؟
يمكن تحديد الأهداف الإستراتيجية الإيرانية المحتملة في هذا المجال عبر أربعة مستويات مترابطة:
أولاً، توسيع نطاق الردع، إذ تسعى إيران إلى إفهام خصومها أن توجيه ضربة إليها أو تشديد الضغط عليها قد لا يظل محصوراً داخل أراضيها أو في الخليج، فوجود حليف مسلح قادر على تهديد الملاحة في البحر الأحمر يوسع جغرافياً الأخطار المحتملة ويجعل حسابات التصعيد أكثر تعقيداً. والمقصود هنا ليس بالضرورة خوض حرب شاملة على كل الجبهات، وإنما امتلاك خيارات إضافية يمكن تفعيلها أو التلويح بها وفق تطور المواجهة.
ثانياً، رفع كلفة الضغط على إيران، إذا استطاعت طهران ربط استمرار الضغط العسكري والاقتصادي عليها باحتمال اضطراب الملاحة في أكثر من ممر بحري، فإنها تحاول نقل جزء من كلفة المواجهة إلى الأسواق العالمية وإلى الدول التي تعتمد على استقرار التجارة والطاقة، وبهذا المعنى يصبح أمن الممرات البحرية جزءاً من معادلة التفاوض، وليس مجرد نتيجة جانبية للحرب.
ثالثاً، ممارسة الضغط على الخصوم الإقليميين، لا يقتصر أثر التحرك الحوثي على الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يمتد إلى السعودية ودول أخرى في المنطقة بهدف رفع مستوى الأخطار الأمنية والاقتصادية، ومن الممكن أن يؤثر في حسابات هذه الدول تجاه استمرار الحرب أو الدخول في ترتيبات إقليمية جديدة، وهنا تتقاطع مصالح إيران في توسيع الضغط مع مصالح الحوثيين الطامحين إلى تعزيز موقعهم العسكري والسياسي داخل اليمن.
رابعاً، تعزيز النفوذ التفاوضي من دون تحمل جميع كلف المواجهة المباشرة، إذ يتيح وجود حلفاء مسلحين لطهران تنويع أدواتها وإبقاء الضغط قائماً في ساحات مختلفة، مع بقاء مساحة للإنكار السياسي أو لتفاوت مستويات التدخل.
من هرمز إلى باب المندب: معادلة الضغط المتعدد
تتضح أهمية هذا التوظيف عند النظر إلى مضيقي هرمز وباب المندب على أنهما نقطتا اختناق بحريتان متكاملتان من الناحية الجغرافية، وإن اختلفت طبيعة النفوذ الإيراني المباشر في كل منهما. فهرمز يقع في قلب معادلة الخليج وصادرات الطاقة، بينما يشكل باب المندب المدخل الجنوبي للبحر الأحمر والطريق المؤدي إلى قناة السويس، مما لا يعني أن طهران تستطيع التحكم في الممرين بالطريقة نفسها، أو أن تهديد أحدهما يؤدي تلقائياً إلى إغلاق الآخر. لكن الجمع بين الضغط الإيراني في الخليج وتهديد الحوثيين البحر الأحمر يمكن أن يخلق أثراً تراكمياً مثل ارتفاع كلف النقل والتأمين وإعادة توجيه السفن وتأخر سلاسل الإمداد وزيادة الضغوط على الدول التي تعتمد على هذه المسارات.
شبكة الحلفاء: من الدفاع المتقدم إلى الضغط الإقليمي
تعكس هذه المقاربة تحولاً في الوظيفة الإستراتيجية لشبكة الحلفاء التي بنتها إيران على مدى عقود، إذ ارتبطت هذه الشبكة، في جانب منها، بمفهوم "الدفاع المتقدم"، أي محاولة إبعاد التهديد من الأراضي الإيرانية وخلق قدرة على الرد من ساحات إقليمية متعددة، لكن الحروب والتغيرات التي شهدتها المنطقة أظهرت أن الاعتماد على الحلفاء لا يضمن بالضرورة منع الهجمات أو تجنب المواجهة المباشرة.
وخلال المرحلة الراهنة، يبدو أن قيمة هذه الشبكة تتجاوز مفهوم الدفاع التقليدي إلى استخدامها في توزيع الضغط ورفع كلفة خيارات الخصم. فكل ساحة تتيح نوعاً مختلفاً من التأثير، إذ إن الصواريخ والطائرات المسيّرة تخلق تهديداً عسكرياً، والممرات البحرية تمنح قدرة على التأثير الاقتصادي، بينما يوفر الوجود السياسي والعسكري للحلفاء عمقاً إقليمياً يحدّ من قدرة الخصوم على التعامل مع إيران باعتبارها هدفاً معزولاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتسعى طهران إلى ربط أية تسوية محتملة بترتيبات أوسع من وقف إطلاق النار، فهي تريد تخفيف الضغط الاقتصادي والعسكري وإعادة فتح مسارات التجارة والحصول على ضمانات تحول دون تجدد الهجمات، مع الحفاظ على ما تُعده أوراق قوة ضرورية لمنع تكرار الحرب.
في المقابل، قد ترى واشنطن أن فتح المجال أمام إيران للاحتفاظ بأدوات ضغطها من دون قيود سيجعل أي اتفاق هشاً ويمنح طهران قدرة على إعادة إنتاج الأزمة مستقبلاً. وهنا يتبلور جوهر المأزق التفاوضي، فإيران تريد تحويل قدرتها على فرض الكلفة إلى ضمانات سياسية، بينما تريد واشنطن تقليص هذه القدرة قبل تقديم تنازلات مستدامة.
ويؤدي توظيف الحوثيين إلى زيادة تعقيد هذه المعضلة، فإذا استمرت تهديدات الملاحة في البحر الأحمر بالتزامن مع أزمة هرمز، فمن المحتمل أن ترتفع الحاجة الدولية إلى تسوية شاملة تشمل أمن الممرات البحرية، لكن النتيجة المقابلة تظل ممكنة، إذ يدفع استمرار الهجمات الولايات المتحدة وشركاءها إلى توسيع نطاق الرد العسكري وتعزيز التنسيق مع القوى الإقليمية المتضررة والضغط على مصادر التسليح والتمويل والدعم.
كما أن التهديد المستمر للملاحة يضعف ربما فرص بناء الثقة اللازمة لأي اتفاق، فالتسوية لا تُقاس فقط بما تتضمنه من تعهدات، بل بمدى القدرة على التحقق من تنفيذها ومنع استغلال الهدنة لإعادة بناء القدرات العسكرية استعداداً لجولة جديدة.
هل تنجح إستراتيجية الضغط المتعدد؟
تمنح الجغرافيا إيران فرصاً، فموقعها على مضيق هرمز وعلاقاتها مع قوى مسلحة في المنطقة وقدرة بعض حلفائها على التأثير في ممرات بحرية أخرى، كلها عناصر يمكن أن تعوض حتى لو بصورة جزئية اختلال ميزان القوة العسكرية التقليدي.
لكن تحويل هذه العناصر إلى مكاسب سياسية مستدامة يتطلب أكثر من القدرة على تعطيل الملاحة أو رفع كلفة المواجهة، فهناك فرق بين إرباك الخصم وإجباره على تقديم تنازلات، وبين امتلاك نفوذ موقت والقدرة على بناء نظام إقليمي أكثر استقراراً. ومن الممكن أن تنجح إستراتيجية الضغط في دفع الأطراف إلى التفاوض، لكنها لا تضمن أن تكون نتائج التفاوض متوافقة مع الأهداف الإيرانية.
كما أن اتساع نطاق التهديدات قد يدفع الدول العربية المتضررة إلى تنسيق سياساتها الأمنية بصورة أكبر ويعزز حضور القوى الدولية في الممرات البحرية ويزيد عزلة الأطراف التي تستخدم التجارة العالمية وسيلة للضغط. وفي حالة الحوثيين، من المحتمل أن يؤدي التصعيد إلى استدعاء ردود عسكرية جديدة، بما يضعف فرص التسوية السياسية.
وبالنسبة إلى مصر، تفرض هذه التطورات ضرورة التعامل مع أمن البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً للأمن القومي والاقتصادي، فاضطراب باب المندب لا يتوقف عند حدود اليمن أو الخليج، بل يمكن أن ينعكس على حركة الملاحة في قناة السويس وكلف التجارة وأمن الطاقة، وعلى قدرة الدول المطلة على البحر الأحمر على حماية مصالحها من دون الانجرار إلى مواجهة إقليمية أوسع.
والمعضلة الحقيقية أمام طهران لا تتمثل في إثبات قدرتها على فتح جبهات إضافية، بل في تحديد ما إذا كانت هذه القدرة ستقود إلى تسوية تمنع تكرار الحرب، أو ستؤسس لدورة جديدة من التصعيد المتبادل، فإستراتيجية الردع ربما تنجح في رفع كلفة الحرب، لكنها لا تنتج السلام تلقائياً، إذ يتطلب الاستقرار قواعد واضحة وضمانات متبادلة واحترام حرية الملاحة ومساراً سياسياً يعالج أسباب الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارة أدواته.