ملخص
يعمل الجيش على تطوير جيل جديد من الأقمار الاصطناعية التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء المستمرة ومن المتوقع إطلاق أول قمر اصطناعي خلال الأشهر المقبلة على متن صاروخ "فولكان".
استطاع الجيش الأميركي الحفاظ على مسار محدد لمهماته العسكرية بشقّيها المعلن عنه والسرّي التي كان ينفذها عبر شركات الفضاء الأميركي بشقّيه العام والخاص. وجاء ذلك بالتزامن مع نشأة الفضاء الأميركي منذ سبعينيات القرن الماضي. فاستمر نشاط الجيش في إطلاق حمولاته السرية إلى الفضاء حتى يومنا هذا على رغم مرور الفضاء الأميركي بتقلبات شديدة وكثيرة. وخلال هذه الفترة الطويلة، بدأ الجيش نشاطه في مجال إطلاق الأقمار الاصطناعية عبر شركات الفضاء الحكومية مثل "ناسا" وشركات فضاء قديمة أهمها شركة "يونايتد لانش ألاينس". ثم نقل الجيش نشاطه السرّي إلى شركات أخرى، وجاء ذلك مطلع الألفية الثانية مع بزوغ فجر الفضاء الأميركي الخاص ممثلاً بشركة "سبيس إكس" وشركات أخرى مثل "بلو أوريجن". ويعمل الجيش الأميركي حالياً على تطوير جيل جديد من الأقمار الاصطناعية، ويستعد لإطلاق أولها خلال الأشهر الـ12 المقبلة على متن صاروخ "فولكان" التابع لشركة "بوينغ".
حمولة سرّية
في أواخر عام 1970 انطلق صاروخ "تيتان 3 سي" وكانت على متنه أول حمولة سرّية للغاية لمصلحة الجيش الأميركي. ثم أسندت القوات الجوية مهماتها لـ"سبيس إكس" عام 2005. وأعلنت القوات الفضائية أخيراً التقاعد الرسمي للبرنامج أوائل سبتمبر (أيلول) من العام الحالي. وعانت رحلات الفضاء السرية الخاصة بالجيش الأميركي من تغيرات جذرية خلال نصف قرن من الزمن. وعلى رغم ذلك، استمرت الأقمار الاصطناعية التابعة لبرامج رصد الصواريخ النووية في التحليق إلى الفضاء حتى عام 2007. وفي 2011 بدأ إطلاق جيل جديد من أقمار الأشعة تحت الحمراء، لكنه توقف الشهر الماضي بعد مناورة مدارية أخيرة.
تطوير الحمولات
مع تقدم الفضاء الأميركي تطورت حمولات الجيش من الأقمار الاصطناعية. وفي البداية (سبعينيات القرن الماضي) كان القمر الاصطناعي الأميركي العسكري قادراً على حمل 2000 كاشف للأشعة تحت الحمراء، وبلغ وزن القمر طنّاً مترياً واحداً. وبعد التسعينيات حوى كل قمر اصطناعي 6000 كاشف للأشعة تحت الحمراء، فيما بلغت كتلة القمر نحو 2.5 طن. ومن المتوقع أن يكون الجيل الأخير من هذه الاقمار والذي سيطلق خلال أشهر عدة، أكثر تطوراً من ناحية الكم والنوع. أما الكاشف، فهو نوع من الراصدات العسكرية التي توضع في مدارات أرضية منخفضة وتكون مهمتها رصد إطلاق الرؤوس الحربية النووية على البلاد. وفي هذا السياق ذكر موقع القيادة الفضائية الأميركية أن كوكبة الجيش الأميركي من الأقمار القديمة التي كانت تسمى اختصاراً "دي أس بي" (DSP)، جرى استبدالها تدريجاً بمنظومة أحدث وهي "أس بي آي آر أس" (SBIRS) التي دخلت الخدمة منذ عام 2011، فيما سيكون البديل الجديد لهاتين المنظومتين هو منظومة "أن جي- أوبير" (NG-OPIR) وهي منظومة "توفر حساسية أعلى وقدرة على الكشف عن تهديدات أصغر وأكثر خفاء".
برنامج أحدث
كتب الصحافي إريك بيرغر تحت عنوان "الجيش الأميركي ينهي برنامجاً طويل الأمد لرصد إطلاق الصواريخ النووية"، وأكد ضمن مقالة نشرت في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري أن "برنامجاً أحدث بدأ العمل منذ عام 2011، ومن المتوقع إطلاق الجيل التالي منه خلال 12 شهراً"، مضيفاً أن "مجال رحلات الفضاء شهد تغيرات جذرية منذ ذلك الحين"، إذ توقف استخدام "تيتان 3 سي" عام 1982 بعد عشرات عمليات الإطلاق. واستمرت صواريخ "تيتان" المختلفة في الإطلاق من مجمع الإطلاق الفضائي 40 حتى عام 2005، "حين سلّمت القوات الجوية الأميركية خلال عملية تنافسية عارضتها بشدة شركة "يونايتد لانش ألاينس"، منصة الإطلاق إلى شركة ناشئة صغيرة وغير معروفة تدعى "سبيس إكس". وفي السياق ذاته، أعلنت القوات الفضائية الأميركية حديثاً أن آخر قمرين اصطناعيين باقيين من "برنامج دعم الدفاع" ويفترض أنهما "دي أس بي- 20" و"دي أس بي- 22" شاركا في مناورة مدارية أخيرة في أوائل سبتمبر الماضي. وأظهرت عمليات تتبع مدارية مستقلة أن هذين القمرين رفعا مداريهما لاحقاً ببضع مئات من الكيلومترات، وهي خطوة تُجرى عادة للتخلص من مثل هذه الأقمار في مدارات خارج مدار الأرض.
منذ 1970 – 2005
تُعد الفترة ما بين عام 1970 و2005 فترة النشاط الأولى لهذه المهمات السرّية، إذ شهد مجال رحلات الفضاء الأميركي خلالها وبعدها تغيرات جذرية. وكان أهم تلك التغيرات ظهور شركات الفضاء الأميركي الخاص العملاقة مثل "سبيس إكس" و"بلو أوريجن"، فتوقف استخدام صاروخ "تيتان 3 سي" عام 1982 بعد عشرات عمليات الإطلاق السرّية، فيما استمرت الأقمار الاصطناعية التابعة لـ"برنامج دعم الدفاع الجوي" في التحليق إلى الفضاء حتى عام 2007. وعام 2011 بدأ الجيش بإطلاق جيل جديد من أقمار الأشعة تحت الحمراء. وخلال الشهر الماضي، أعلنت القوات الفضائية الأميركية أن آخر قمرين اصطناعيين باقيين من "برنامج دعم الدفاع" شاركا في مناورة مدارية في أوائل سبتمبر. كذلك أكد بيان القوات الفضائية أن هذا "يمثل التقاعد الرسمي للبرنامج". أما الجيل الجديد من الأقمار الاصطناعية الذي يعمل الجيش على تطويره، فهو جيل من "الأقمار التي تعمل بالأشعة تحت الحمراء المستمرة".
حمولات غير محددة
"الحمولات غير المحددة" هي التسمية التي أطلقها خبراء الفضاء على الحمولات السرية التي كان يطلقها الجيش الأميركي على متن صواريخ الفضاء منذ أكثر من نصف قرن. ووفقاً لبيرغر، فإنه "حتى الشهر الماضي، كان بعضها لا يزال يُستخدم عملياً"، فيما كشفت الحكومة الأميركية لاحقاً عن أن الحمولة السرية للغاية التي أُطلقت في نوفمبر (تشرن الثاني) عام 1970 كانت قمراً اصطناعياً تابعاً لـ"برنامج دعم الدفاع". وكانت الدفعة الأولى من هذه الأقمار الاصطناعية التي أُطلقت بين عامي 1970 و1973، تزن نحو طن متري واحد، ويحمل كل منها قرابة 2000 كاشف للأشعة تحت الحمراء. أيضاً كانت هذه الأقمار بمثابة "تلسكوبات بالغة الحساسية"، ووُضع كل قمر منها في مدار متزامن مع الأرض. ولفترة من الزمن، كانت هذه الأقمار من بين أهم الأقمار الاصطناعية التي أطلقتها الولايات المتحدة، إذ استُخدمت "لرصد إطلاق الرؤوس الحربية النووية على البلاد". ونتيجة لذلك، أصبح "برنامج دعم الدفاع" أحد العناصر الأساسية للقوة الفضائية العسكرية الأميركية طوال أعوام الحرب الباردة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مراقبة الكرة الأرضية
حولت الأقمار الاصطناعية الأولى التي أطلقها الجيش الأميركي عمليات الرصد التجريبية بالأشعة تحت الحمراء إلى برنامج تشغيلي يراقب الكرة الأرضية باستمرار لرصد عمليات إطلاق الصواريخ النووية، إذ صممت هذه الأقمار في البداية لتحديد الصواريخ الباليستية العابرة للقارات السوفياتية، وكانت ضرورية للردع النووي حينها. وفي وقت لاحق، أصبحت مفيدة أيضاً للجيش خلال الحروب التقليدية، وتولت مهمات مثل رصد عمليات إطلاق صواريخ "سكود" العراقية. ومع مرور الوقت، أضاف الجيش إلى كوكبة هذه الأقمار كمّاً ونوعاً، مما حسّن أداءها ووسع قدراتها باستمرار، إذ حوى كل قمر اصطناعي لاحقاً أكثر من 6000 كاشف للأشعة تحت الحمراء، وبلغت كتلته نحو 2.5 طن. واستمرت الأقمار الاصطناعية التابعة لبرنامج "دعم الدفاع" في التحليق إلى الفضاء حتى عام 2007. وكان أحدها أُطلق على متن المكوك الفضائي "أتلانتس" عام 1991.
حراس صامتون
لأكثر من 55 عاماً، ظلت هذه الأقمار الاصطناعية التابعة للجيش الأميركي تحلق كحراس صامتين للأجواء الأميركية، واستمر ذلك حتى الشهر الماضي.
وفي السياق ذاته قال العقيد براندون دافنبورت وهو قائد مهمة "دلتا 4" في القوات الفضائية الأميركية "كانت كوكبة أقمار برنامج دعم الدفاع (DSP) أساسية للدفاع عن أمتنا. وشكّل هذان القمران الاصطناعيان الأخيران تتويجاً لأكثر من نصف قرن من الإنذار المبكر الفضائي". وأكد دافنبورت أن "كوكبة DSP ضمنت الردع النووي خلال الحرب الباردة"، وأنها حمت القوات المقاتلة الأميركية التي كانت منتشرة خلال حرب الخليج، واستمرت في العمل حتى إحالتها إلى التقاعد الشهر الماضي".
برنامجان للاستبدال
تميز "برنامج دعم الدفاع" (DSP) بعمره الطويل الملحوظ، إذ بدأ البرنامج عندما كانت هذه الراصدات لا تزال بدائية وتجريبية، وكان تصنيع الأقمار الاصطناعية حينها يعتمد بصورة كبيرة على مركبات فضائية مصممة خصيصاً لهذا الغرض. لذلك امتد إطلاقها عبر مجموعة متنوعة من الصواريخ، بدءاً من صواريخ "تيتان" المختلفة وصولاً إلى برنامج "دلتا 4" الثقيل، وحتى مكوك الفضاء التابع لـ"ناسا" "سبيس شاتل" (Space Shuttle) ، وهو واحد من أكثر المركبات الفضائية شهرة في التاريخ، لأنه أول نظام فضائي قابل لإعادة الاستخدام جزئياً، واستخدمته "ناسا" بين 1981 و2011 لتنفيذ مهمات علمية وعسكرية، ولبناء محطة الفضاء الدولية. وعام 2011، بدأ الجيش بإطلاق جيل جديد من أقمار الأشعة تحت الحمراء، يعرف باسم "نظام الأشعة تحت الحمراء الفضائي". ولأن هذه الأقمار مزودة بمستشعرات أفضل، فإنها تستطيع عموماً رصد الأحداث الأقل سطوعاً وتوفير وقت إنذار أطول.