Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصابو حرب السودان: أطراف مبتورة وآمال لا تنقطع

تعد حاجاتهم أكثر تعقيداً للأسر التي فقدت مصادر دخلها أثناء النزوح بسبب كلفة التنقل والعلاج والرعاية

محدودية مراكز الدعم النفسي والاجتماعي تستوجب تنفيذ التأهيل عبر الأسر (رويترز)

ملخص

"هناك كثير من المصابين في حال انتظار، وربما يكون انتظارهم طويلاً من أجل تركيب أطراف اصطناعية وأجهزة تعويضية في ظل قلة المراكز المتخصصة في هذا المجال بعدما دمرت الحرب معظمها، فضلاً عن هجرة الكوادر المتخصصة في جراحة العظام أو الإصابات، وهو ما فاقم محنة القطاع الصحي، وزاد معاناة المرضى".

يواجه مصابو الحرب المستمرة في السودان منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023 أوضاعاً جسدية ونفسية متفاقمة جراء الإصابات بالقصف والشظايا المتطايرة والمقذوفات المتفجرة أثناء المواجهات العسكرية، مما أدى إلى بتر الأطراف في مراكز صحية غير مؤهلة بعد انهيار النظام الصحي وخروج المستشفيات المتخصصة عن الخدمة وتدمير البنية التحتية لمصانع ومراكز الأطراف الاصطناعية.

ويعيش غالبية من تعرضوا للإعاقة بدور الإيواء ومناطق القتال في بيئة غير ملائمة لا تتناسب مع حاجاتهم الخاصة، وباتت حاجتهم ماسة إلى تدخلات طبية وإعادة التأهيل وتوفير الأجهزة التعويضية، فالبتر يفتح أمام الناجين رحلات طويلة في العلاج الطبيعي والدعم من الصدمات العميقة لشعورهم بتوقف الحياة وعدم القدرة على مواصلة الدراسة والعمل، فضلاً عن معدات تتيح لهم استعادة قدرتهم على الحركة والاعتماد على أنفسهم.

وتعد حاجات مصابي الحرب أكثر تعقيداً للأسر التي فقدت مصادر دخلها أثناء النزوح، إذ تصبح كلفة التنقل والعلاج والرعاية أعباء إضافية، وبحسب إحصاءات المجلس القومي لرعاية الطفولة فإن نحو 300 ألف طفل تعرضوا للبتر ويحتاج 125 ألفاً منهم إلى أطراف اصطناعية.

تجربة قاسية

تقول أمنية عثمان البالغة من العمر 13 سنة "الحرب أفقدتني ساقي اليسرى بعد الإصابة بشظايا قذيفة عشوائية سقطت قرب منزلنا في ضاحية الثورة بمدينة أم درمان، مما دفعنا إلى النزوح إلى مدينة بورتسودان لتلقي العلاج"، وأضافت "إصابتي تعد واحدة من ضمن آلاف تعرضوا لعمليات بتر الأعضاء جراء العمليات العسكرية العنيفة، وكانت تجربة قاسية عليَّ بخاصة في بدايات الإصابة، لكن مع الوقت ودعم أسرتي وصديقاتي تمكنت من تجاوز هذه المحنة".

وتابعت عثمان "الآن أتنقل برفقة أسرتي بحثاً عن العلاج والرعاية الصحية عبر كرسي لزيارة الطبيب المشرف على حالتي، فحاجتي أصبحت ماسة إلى طرف صناعي حتى أكمل مشواري الدراسي، إلى جانب الاعتماد على نفسي في الحركة".

معاناة مستمرة

وليد عبدالرحمن قال "الحرب دمرتني وذقت بسبب الإصابة مرارة العجز عن إعالة أسرتي واستكمال تعليم أبنائي الذين ما زالوا في بداية الطريق"، وأردف "المؤسف أن معظم المصابين في هذه الحرب اللعينة لم يجدوا الرعاية اللازمة بسبب انهيار المنظومة الصحية ونقص المستلزمات الطبية والتعويضية مثل الأطراف الاصطناعية والكراسي المتحركة".

وعن كيفية إصابته، قال "شاهدت طائرة حربية تحلق فوق الحي الذي أسكنه، وساعتها كنت في طريقي إلى المسجد لأداء صلاة العشاء برفقة صديقي، وبعد بضع دقائق سقطت قذيفة متفجرة على بعد ثلاثة أمتار فقط مني، فقطعت رجلي اليسرى، وأصابت اليمنى كذلك، بينما قتلت أربعة من جيراني في الحي، ولم يكن هناك سبيل لإسعافي سوى حملي على أكتاف أشخاص إلى مستشفى قريب، لتبدأ من هنا معاناتي في الحصول على العلاج، ومع نقص الرعاية الطبية اللازمة تعرض الجرح إلى التهاب، فأجريت له عمليتين جراحيتين في أوقات مختلفة، وما زلت أعاني".

كلفة عالية

أما ربة المنزل رقية موسى، وهي أم لخمسة أطفال فقالت إن "القذائف المتفجرة كانت تنهال علينا في منطقتنا بالخرطوم بحري، حيث تعرضت لإصابة بالغة، وأصبحت معاقة، إلى جانب أحد أطفالي الذي أصيب في يده اليمنى، إذ إن الإصابة جعلتني أعيش الألم والمعاناة في العلاج، وحتى اليوم لم تندمل جراحي النفسية والجسدية، فضلاً عن عدم مقدرتي على رعاية أبنائي في وقت هم في أشد الحاجة إلى اهتمامي بسبب أعمارهم الصغيرة"، وزادت "المعاناة كبيرة عندما تفقد الأم إحدى ساقيها ولا تتوقف عند الحركة فحسب، وإنما تمتد إلى كلفة العلاج والتنقل، وتوفير طرف اصطناعي، لكن من المؤسف أن ذلك يحتاج إلى وقت لحين توافرها في ظل الكلفة العالية".

انتظار طويل

يواجه النظام الصحي في السودان أزمة غير مسبوقة منذ اندلاع الصراع في البلاد، على رغم المحاولات لإعادة تشغيل بعض المرافق سواء داخل العاصمة أو المناطق الآمنة التي كانت بمنأى عن المواجهات، بعد خروج نحو 80 في المئة من المستشفيات عن الخدمة، في حين تواصل الكوادر المتبقية العمل في ظروف بالغة التعقيد.

المتخصص في الإصابات والعلاج الطبيعي، الطبيب حسام علاء الدين، أوضح أن "المدنيين عانوا مستويات عنف مروعة وهجمات متكررة من القصف العشوائي، إذ استهدفت آلة الحرب أجسادهم".

وأشار علاء الدين إلى أن "انهيار النظام الصحي فاقم معاناة المصابين، بخاصة من فقدوا أطرافهم وتعرضوا لعمليات بتر في مراكز غير مؤهلة، ومستشفيات قليلة تقدم الخدمة، إذ واجهت ضغطاً شديداً حينما جعلها المواطنون قبلة لهم في ظل إمكانات ضعيفة وجهود شباب متطوعين"، وتابع "غالبية إصابات العمليات العسكرية كانت إثر شظايا القذائف العشوائية أو أجسام متفجرة، بما فيها الألغام، بينما هناك إصابات أخرى حدثت أثناء التعذيب في المعتقلات خصوصاً سجون ’الدعم السريع‘، لكنها ليست كثيرة مقارنة بالإصابات التي استهدفت المواقع السكنية، والمؤسف أن جميع الحالات كانت تتلقى علاجات طارئة وتجرى لهم الجراحات الصغيرة، أما الإصابات الخطرة فكانت تحول إلى مدينتي شندي في ولاية نهر النيل، وبورتسودان في ولاية البحر الأحمر، ويتحمل ذوو المصابين نفقات التنقل والعلاج، بينما هناك حالات راحت ضحايا فشل تلقي الرعاية الطبية اللازمة أو عدم امتلاك ثمن الدواء".

وبين أن "هناك كثيراً من المصابين في حال انتظار، وربما يكون انتظارهم طويلاً من أجل تركيب أطراف اصطناعية وأجهزة تعويضية في ظل قلة المراكز المتخصصة في هذا المجال بعدما دمرت الحرب معظمها، فضلاً عن هجرة الكوادر المتخصصة في جراحة العظام أو الإصابات، وهو ما فاقم محنة القطاع الصحي، وزاد معاناة المرضى".

ونوه المتخصص في الإصابات والعلاج الطبيعي بأن "حالات مصابي الحرب من المدنيين في إقليمي دارفور وكردفان تبدو أكثر قسوة بسبب انعدام أبسط مقومات الرعاية الطبية للذين يعيشون تحت وتيرة القصف المكثف، لا سيما أن التحدي الأكبر حالياً هو إعادة تأهيل المستشفيات والمراكز التي دمرتها الحرب حتى يتمكن جميع المواطنين من الوصول إلى الرعاية الصحية الكافية، إلى جانب التوسع في مستشفيات الطوارئ داخل المدن".

صدمات الحرب

من جهته، أشار المعالج النفسي محمد المصطفى عبدالجواد إلى أن "الحرب أدت إلى ارتفاع كبير في معدلات الإصابة الجسدية المتمثلة في الجروح والكسور وبتر الأطراف، إضافة إلى الآثار النفسية التي أفرزتها اضطرابات ما بعد الصدمة مثل الاكتئاب والقلق والخوف على أوضاعهم الجديدة من ضياع المستقبل في شأن الدراسة أو العمل، إلى جانب استرجاع الذكريات".

وتابع عبدالجواد "هناك تفاوت نسبي في القدرة على التحمل في ظل النقص الحاد في مؤسسات الصحة النفسية والأطباء والاستشاريين النفسيين، مما أدى إلى عدم حصولهم على العلاج والدعم النفسي حتى بعد فرارهم من مناطق القتال بحثاً عن العلاج في الولايات الآمنة بغض النظر عن الكلفة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واستطرد أن "المستشفيات المتخصصة في الصحة النفسية التي عادت إلى الخدمة كمستشفى التجاني الماحي في مدينة أم درمان، يمكن أن تسهم إلى حد كبير في العلاج بعد التقييم، وخضوع الشخص الذي يعاني أثراً نفسياً نتيجة بتر أطرافه إلى علاج دوائي، بتناول مضادات الاكتئاب أو العلاج النفسي والمعرفي السلوكي اللذين يساعدان في التغلب على الآثار المترتبة على فقدان الأطراف".

وشدد المتخصص في الطب النفسي على "أهمية التدخلات وأنظمة الدعم النفسي لتلبية حاجات الأفراد المتضررين من صدمات الحرب، بخاصة في ظل التأثير الكبير للصدمة المرتبطة بالحرب".

آليات للتأهيل

بينما ترى الاختصاصية النفسية والاجتماعية أسماء جمعة أن "محدودية مراكز الدعم النفسي والاجتماعي في سياق الحرب، تستوجب تنفيذ التأهيل عبر الأسر، وذلك بتوعيتها بكيفية التعامل مع أصحاب الإعاقات الذين يعانون فقدان الثقة بالنفس والشعور بالعجز، بخاصة مع ظروف النزوح والإقامة في معسكرات الإيواء التي تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة".

وواصلت جمعة "يعد التشجيع على استقلاليتهم وتقبل التغيرات الجسدية من أنجع آليات التأهيل، فضلاً عن تكوين مجموعات دعم من خلال جمع المصابين لتبادل الخبرات وتقليل أثر العزلة النفسية والاجتماعية، خصوصاً أن المصابين يتفاوتون في قوة التحمل، وكذلك الاستعانة بفكرة الدعم من بعد عبر الهاتف بواسطة الكفاءات المهاجرة".

ولفتت الاختصاصية النفسية والاجتماعية إلى أن "هناك مجموعة من الشباب المتطوعين أدوا دوراً مؤثراً تجاه المصابين أثناء فترة الحرب، من الممكن الاستفادة من خبراتهم بتكوين فرق شبابية عبر التدريب، فضلاً عن دور المنظمات المحلية بجمع التبرعات لشراء معدات تساعدهم على الحركة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير