ملخص
قبل نحو 100 عام طرح المفكر الألماني ماكس فيبر مفهوم احتكار الدولة للقوة المطلقة واستخدامها ضمن احتكار العنف المشروع، وكان ذلك خلال محاضرته التي حملت اسم "السياسة باعتبارها مهنة"، وخلال تلك المحاضرة وما لحقها من شروحات وتفسيرات ركّز العالم على أن وجود السلاح بأي صيغة خارج أيدي الدولة ينذر بعواقب وخيمة ما لم يخضع لمنظومة قانونية محددة.
أكد وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني أخيراً بصورة قطعية تمكّن السلطة السورية من حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما كرره مسؤولون سوريون آخرون في تصريحات مختلفة خلال الفترات الماضية. لكنّ الحقيقة التي يدركها السوريون جيّداً على الأرض أنّ الواقع مختلف ومناقض تماماً للكلام الرسمي، وبصورة فجّة وواضحة وفاضحة. ولعلّ أبرز ما يستدلّ عليه في ذلك أحداث المدن الشرقية في سوريا خلال الأيام الماضية، والهجوم المدني المسلح من قرى المضيق على بلدة السقيلبية المسيحية في ريف حماة، وهو حدث بات متكرراً في المنطقة هناك، إضافة إلى الانتهاكات اليومية المستمرة، وأحداث كثيرة أخرى مرتبطة.
في خضم كلّ ذلك أعادت وزارة الداخلية السورية فتح باب ترخيص السلاح الفردي للمدنيين، ضمن خطوة تبدو تنظيمية بالمطلق، لكنّها وفق الأحداث المستمرة في سوريا تبدو، بحسب مراقبين، تشريعاً واضحاً لاستمرار حمل السلاح في أيدي أفراد وفصائل وعشائر ومجتمعات محلية غير منظمين في صفوف الجهات العسكرية أو الأمنية أو الشرطية.
قبل نحو 100 عام طرح المفكر الألماني ماكس فيبر مفهوم احتكار الدولة للقوة المطلقة واستخدامها ضمن احتكار العنف المشروع، وكان ذلك خلال محاضرته التي حملت اسم "السياسة باعتبارها مهنة"، وخلال تلك المحاضرة وما لحقها من شروحات وتفسيرات ركّز العالم على أن وجود السلاح بأي صيغة خارج أيدي الدولة ينذر بعواقب وخيمة ما لم يخضع لمنظومة قانونية محددة.
المتخصص الأمني مصلح مسالمة، يقول إن "إعادة فتح التراخيص أمام المدنيين يعني إعادة تشريع التفلت في وقت تبحث الدولة، كما يفترض، عن حصر للسلاح لا تمدد له، قوننة الأمر لا تليق بمرحلة ما بعد الحرب ولا تسهم في الحد من انتشاره إطلاقه، بل العكس، هناك مئات آلاف الأسلحة الفردية والمتوسطة بين أيدي الأفراد اليوم، وتحديداً لدى العشائر بحسب معلوماتنا، وهذه كارثة لأنّ هذا سلاح غير منظم، والأخطر من كل ذلك حين ننظر إلى قرار وزارة الداخلية بعين أكثر اتساعاً، فهل هي عملية إدارية بحتة أم انتقائية تتأثر بالعامل السياسي والمناطقي والطائفي والعشائري؟".
شروط الترخيص
بيّنت وزارة الداخلية أنّ السماح بحمل السلاح عبر ترخيصه يتم حصراً عبر الجهات المختصة التابعة لها وأفرعها في المحافظات، ولا يعتد بأي وثيقة أخرى تصدر عن أي جهة أخرى تسمح بحيازة وحمل السلاح لأي شخص، وفي المعنى الرسمي هو إجراء تقليدي عالمي وليس محلياً، فموطن الاختصاص هنا هو وزارة الداخلية بصفتها جهة تحمل التوصيف الأمني والمدني في آن.
الوزارة طالبت حاملي السلاح بالتقدم بوثائق محددة لإصدار تراخيص الحيازة، من بينها وثيقة "غير محكوم" (سجل فيش جنائي)، صورة ورقية مطبوعة للسلاح المراد ترخيصه لكل من وجهي السلاح موضح فيها رقم السلاح وبلد المنشأ، صورة هوية صاحب الطلب وصورتان شخصيتان، إضافة إلى وجود سجل تجاري مصدق أصولاً، وهو ما بدا إلى حدٍّ ما غريباً في ملف ترخيص الأسلحة. والمفارقة هنا تكمن في أمرين: الأول أنّ استخراج السجل التجاري بحدّ ذاته ليس أمراً معقداً أو صعباً في سوريا، بل قد يكون متاحاً بسهولة كبيرة، والآخر أنّ العادة في حمل السلاح عموماً جرت خلاف ذلك تاريخياً، إذ كان الحصول على السلاح يقتضي التقدم بطلب رسمي عبر فرع الأمن الجنائي، ومنه إلى فرع الأمن السياسي ثمّ وزارة الداخلية، وفي حال تمّت الموافقة يتم توجيه صاحب الطلب إلى مؤسسة "غوتا" ليقوم بشراء السلاح من هناك، وقد يبدو تجاوز ملف مؤسسة بيع السلاح المصادر "غوتا" أمراً مفهوماً على اعتبار أنّ الحرب السورية تركت في كل منزل سلاحاً.
يرى المحامي منصور زينة أنّ "السلاح في حال الترخيص لا يكون ملكية خاصة منفصلة، بل يتحول بمجرد ترخيصه قانوناً من واقع قائم إلى موضع قانوني مشرّع، وفتح باب الترخيص بهذه الطريقة المعلنة طبيعي نظراً إلى ملايين الأسلحة المجهولة التي دخلت إلى سوريا طوال أعوام الحرب ووصلت إلى أيدي المدنيين والعسكريين، المهم بعد كلّ ذلك هو كيف ستتعامل الدولة مع السلاح بعد ترخيصه واكتسابه الصفة القانونية، وماذا حول ماضي السلاح نفسه بعد تحويله من غير شرعي إلى شرعي يتمتع بحماية قانونية عالية المستوى والاعتراف؟".
مستحقو الترخيص
يشرح القاضي السابق فاضل زهران، أنّ "ملف ترخيص السلاح يحوّل الأمر من حيازة مادية تقع ضمن تصنيف أمر واقع إلى تصنيفه كوضع قانوني تبيحه الدولة وتكفل ما يترتب عليه من شروط وضعية مكتملة الأركان وفق القوانين والأنظمة والتشريعات والدساتير والتعديلات المرتبطة بالشأن ذاته، وقرار إعادة إحياء ملف التراخيص يؤكد هنا أنّ مجرد امتلاك السلاح لأعوام مهما طالت لا يجعله شرعياً ما لم يتم تنظيمه قانوناً، بل يحتاج إلى المرور عبر جملة واسعة من التنظيمات المشروطة بالموافقات المختصة، وهنا لا نسأل إن كانت الدولة تسعى إلى تنظيم هذه الفوضى العارمة في تفلت السلاح، بل نتجاوز ذلك إلى وضع أكثر تعقيداً يدور حول من الذي ستعده الدولة صاحب الحق في حمل السلاح؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول المحامي المتخصص في حقوق الإنسان عابد الجوراني "دارت أحاديث لا حصر لها في أوساط الحقوقيين والقضاة والمجتمع المدني وجهات أخرى حول توقيت المرسوم، وبدا الأمر مقلقاً إن كان سيتم التعامل معه من زاوية العدالة الانتقالية نفسها، لا نريد أن يصبح السلاح أداة امتياز وقوة لفئة بوجه أخرى ضمن كفالة دستورية تؤسس لكوارث مقبلة، والمجتمع السوري قلق ومضطرب وخائف وغير متجانس الآن، وهناك شرائح كاملة منزوعة السلاح وممنوعة من تملكه، مقابل شرائح أخرى تستحوذ كل السلاح، وهذه كارثة فعلية، نرى الآن أنّ القضية لا ترتبط بالحماية الذاتية بل بإثبات التميز وفرض القوة".
وتابع "ليس من الحق أن نقول إما أن يكون السلاح للجميع أو لا أحد، فهذا تشريع علني للفوضى، والأجدر أن نقول إنّ سحب السلاح من الجميع هو الوسيلة الوحيدة لحماية المواطنين بأكملهم، هناك وزارتا دفاع وداخلية وأجهزة مختصة، والسلاح يجب أن يكون هناك حصراً، وبدء منح التراخيص سيخلق شروخاً إضافية في المجتمع، وسيكون السؤال: من الذي تراه السلطة جديراً بثقتها لحمل السلاح؟ وفي ذلك انتقاء وابتعاد عن فئات لمصلحة أخرى. من جديد، الحل هو مصادرة كل سلاح مدني في هذه المرحلة الشديدة التعقيد".
مرحلة الأسد
عام 2022 أصدر الرئيس السابق بشار الأسد القانون رقم 14 الذي يقتضي بتعديل المرسوم التشريعي رقم 51 لعام 2001 المتعلق بالأسلحة والذخائر بهدف ضبط فوضى انتشاره، إذ كانت البلاد حينها تعجّ بمختلف صنوف أنواع الأسلحة وفق نسبة انتشار لم تكن متوقعة في أي حال من الأحوال، وقتها كان كل شخص تقريباً يمتلك سلاحاً، سواء على ضفة مؤيديه أو معارضيه، وشمل القرار بالدرجة الأولى المدنيين في المدن التي كانت قواته تسيطر عليها وهي معظم المدن السورية، وشمل ضمناً كلّ معارضيه الذي أجروا تسويات ومصالحات في أعوام سابقة واحتفظوا بسلاحهم.
القانون شدد العقوبة على حاملي السلاح من غير ترخيص، لكنّه في الوقت ذاته جاء بتفصيل قانوني شديد الغرابة بحسب قراءات حقوقية حينها، وهي السماح لكلّ حامل سلاح بترخيص سلاحه فقط مقابل إبلاغ السلطات (أفرع الأمن الجنائي في المحافظات) بنوعية السلاح الذي يملكه، ومن ثم تعفيه السلطات من التصريح بطريقة تملكّه أو نوعه أو أي شيء مرتبط به بما في ذلك ماضي السلاح نفسه واستخداماته السابقة، مما فتح الباب أمام ترخيص عدد هائل من الأسلحة، ومن كان لا يملك سلاحاً عمد إلى شرائه من السوق السوداء أو دول الجوار لترخيصه فوراً من دون مساءلة، مستفيداً من مدة القانون المقررة لنحو تسعة أشهر تقريباً. أما بالنسبة إلى الأسلحة التي لا يتيح القانون بأي حال ترخيصها، كتلك الممنوعة تماماً أو التي تتجاوز الاستخدام الفردي، فقد أعفي حاملوها من أي عقوبة شرط تسليمها للجهات المعنية.
عن تلك الفترة يقول العقيد المتقاعد من الشرطة أكرم لـ"اندبندنت عربية"، "حين وصلت إلينا التعليمات التنفيذية لتطبيق القانون من وزارة الداخلية فوجئنا كقوى شرطية معنية بالتنفيذ، رأينا ببساطة أنّ القانون هو استسلام للسلاح وشرعنة له بدلاً من مكافحته، سواء كان بأيدي مناصري السلطة أم أصحاب التسويات، فكلما كثر زادت الجريمة وزادت مسؤولياتنا ومهماتنا وتعقدت، لم نفهم من أشار على الأسد بذلك حينها، وهذا ما تهامسنا به بيننا كضباط بصوت خافت للغاية، لقد وضع فجأة قانوناً يسمح لكل من هو فوق الـ18 سنة بتملك السلاح الذي يرغبه، وفجأة انهالت علينا آلاف وآلاف الطلبات للترخيص منذ الأيام الأولى، ولم يكن في يدنا الرفض أو المساءلة، نحن فقط نرفع الطلبات ونوع السلاح، حتى كان من الممنوع أن نسأل أي شيء عن تاريخ هذا السلاح وكيفية وصوله إلى يد حامله، وبالفعل فوجئنا بأسلحة فردية غريبة جداً وغير متداولة في نطاقنا".
حيّان اسم مستعار لشرطي خدم في فرع الأمن الجنائي بحلب، وكان معنياً بمتابعة ملف الترخيص في فرعه، يقول "99 في المئة من الأسلحة الفردية كانت قابلة للترخيص، وفي الوقت ذاته تسلمنا أسلحة متوسطة وقنابل وغيرها وأشياء غير قابلة للترخيص مع منع مساءلة مقدمها، الأسد حينها أغلق أهم باب تخصصي أمام الداخلية لمكافحة السلاح ومعرفة كيفية ازدياد وجوده بعد هدوء جبهات البلاد بعد 2018، فجأة شعرنا أنّه يريد الفوضى، وأن يكون السلاح مع الجميع من دون رادع، كان ممنوعاً أن نوجه سؤالاً واحداً لصاحب أي سلاح من أي خلفية، والآن نقرأ عن قوانين مشابهة ولكنها تختلف في أنها ستعتمد انتقائية فجّة في منح الترخيص بناء على خانة الهوية في الغالب".
البدء عكسياً
يعتقد المحلل العسكري مصطفى جنّود أنّ "الداخلية تسير في قرارها عكس المنطق، لأنّ البلاد خرجت من حرب ضارية كان السلاح عنوانها، فهي لم تسحب السلاح تماماً وبالكامل وتعيد السماح بحيازته لمدنيين وفق قواعد غير صارمة كان معمولاً بها قبل الحرب أساساً، فبعد الحرب ازداد السلاح كثيراً عن أعوام الحرب نفسها، لأنّ مدنيين استولوا على مستودعات سلاح بأكملها ومواقع عسكرية في أيام سقوط النظام، والسلاح المتفلت اليوم هو أكبر عقبة في وجه السلطة الجديدة، وتنظيم حيازته إن بدا أمراً إدارياً تنظيمياً لكنّه سيحملها عواقب كبيرة غداً، لأنّها ستسمح بجريمة منظمة شرعية تحمّل القضاء مسؤوليات جسيمة أمام سلاح مسموح وحالات جريمة ممنوعة، وبين الاثنين يضيع مفهوم التقاضي في مجتمع يعيش حالاً ثأرية عميقة".
"هل سيكون منح التراخيص بعين واحدة؟"، يسأل أستاذ علم الاجتماع محسن رمضان منطلقاً من نظريات علم السياسة والاجتماع والأمن القائلة إن الدولة مسؤولة أمام جميع مواطنيها عن تحقيق الأمن والعدل والمساواة والمواطنة المستقرة في ما بينهم، ويقول "هناك أصول ذاكرة ماضوية لدى السلطة تربط الساحل كاملاً ونصف حمص وحماة بالفلول، وشرق سوريا بالانفصاليين، والجنوب بالخونة، فهل هؤلاء يسمح لهم بحيازة سلاح مرخص، أم أنّ القانون مفصل على مقاس جمهور السلطة؟ تلك قضية وطنية خطرة".
ويكمل "حتى الآن لا توجد أي معلومة مطلقة تقول إنّ الوزارة ستتعامل مع الأمر على أساس مناطقي أو طائفي، لكننا نتحدث من منطلق ما هو واقع ومفترض، لغة الإقصاء والتخوين وعدم الاطمئنان للآخر، لا نريد عودة حقبة الأسد، لا نريد أن نقتل بسبب خلاف على طابور بنزين أو خبز أو غاز أو تجاوز مروري، لا نريد رؤية سلاح غير مقترن ببزة عسكرية ملتزمة بقوانين صارمة، لا نريد قوياً وضعيفاً، والقانون ليس في وقته ولا مكانه، من الخطأ تنظيم السلاح بهذه الطريقة بسبب كثافته، الحل أولاً بحصره وسحبه، والأعقد في الأمر، هل العشائر ستسلم وتصرح عن سلاحها؟ العشائر التي كانت توالي الأسد لم تفعل ذلك، هذا عرف تقليدي تاريخي لديهم".
السلاح كامتياز
هناك فجوة عميقة وقائمة بين القوانين والمراد تطبيقه والواقع على الأرض، الاختبار الآن في الكيفية، فهل ستسمح السلطة لشخص لا يناسب توجهاتها بحمل سلاح حتى لو استوفى شروط الترخيص؟ أم أنّ الموضوع سيغيب في تجهيل إداري عميق بين النص القانوني والتطبيق؟ وهذا يعني، إذا حصل، أنّه سيحول الرخصة نفسها من أداة قوية لتنظيم السلاح وحصره إلى إعادة توزيع الحق في الحصول عليه بناء على من تراهم السلطة أقرب إليها، بحسب متابعين للشأن السوري.
المتخصص في شؤون النزاعات المسلحة عبدالقادر حميد، يقول "هناك فئات لن تجرؤ أساساً على التقدم لطلب الحصول على رخصة سلاح، أو القول إنّ لديها سلاحاً أساساً لو كان لديها، وهذا مستبعد في مناطق جغرافية كاملة خلاف مناطق أخرى تماماً، لذا سيكون السلاح امتيازاً من الدولة لحامله بالثقة المطلقة به وبالطريقة التي سيستخدمه بها، وبين شخص مسموح له بحمل السلاح وآخر لا، ويمكن هنا بدلاً من تقليص الفوضى إعادة إنتاجها بصورة مضاعفة، ولم تخبرنا تجارب التاريخ الحديث في الدول التي عاشت حروباً مشابهة أنّه بعد تلك الحروب سمحت الحكومات لشعوبها بتملك السلاح على قواعد انتقائية تعيد توصيف الحرب من جديد على قاعدة قوة الغالب والمنتصر، الدولة ما لم تكن حيادية تجاه رعاياها فإنّها تكون قد اصطفت فعلاً في طرف بعيد".