ملخص
حظي الاجتماع الأخير الذي بدأ في الخامس من أكتوبر الجاري باهتمام كبير لأنه عقد في وقت تتزايد فيه أنشطة حركة "طالبان الباكستانية" وتنظيم "داعش خراسان" إلى جانب الجماعات المسلحة الأخرى وسط استمرار التوترات بين باكستان وحكومة "طالبان".
انتهت أعمال الاجتماع التشاوري لـ"صيغة موسكو" في دورتها الثامنة من دون إجراء بيان مشترك من قبل الأعضاء بسبب خلافات حول تعامل حكومة أفغانستان مع ملف الإرهاب.
وأنشئت منصة "صيغة موسكو" التشاورية عام 2017 من أجل تعزيز التنسيق الإقليمي في شأن أفغانستان لتصبح مع مرور الوقت منبراً للمحادثات المباشرة بين دول المنطقة من دون تدخل القوى الغربية حول مستقبل أفغانستان.
ونشطت روسيا في الملف الأفغاني خلال الأوان الأخيرة وأصبحت الدولة الوحيدة التي تعترف بحكومة "طالبان". وترى موسكو أن استراتيجية عزل "طالبان" لم تنجح في السابق، لذا يكمن الحل في الانخراط العملي مع الإدارة الجديدة بالتعاون مع القوى الإقليمية.
وتستند استراتيجية روسيا تجاه أفغانستان إلى ثلاثة محاور رئيسة، الحد من التهديد الإرهابي القادم من أفغانستان إلى آسيا الوسطى، وتعزيز العلاقات التجارية والاقتصادية الإقليمية، وتعزيز الدور الإقليمي في مواجهة النفوذ الغربي في أفغانستان.
وحظي الاجتماع الأخير الذي بدأ في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري باهتمام كبير لأنه عقد في وقت تتزايد فيه أنشطة حركة "طالبان الباكستانية" وتنظيم "داعش خراسان" إلى جانب الجماعات المسلحة الأخرى وسط استمرار التوترات بين باكستان وحكومة "طالبان".
وبحسب التقارير، فإن الاجتماع شهد خطابات شديدة اللهجة من مندوبي باكستان وأفغانستان اللذين تبادلا الاتهامات في شأن الوقوف وراء الهجمات الإرهابية التي تتعرض لها الدولتين، إذ كرر المبعوث الباكستاني الخاص إلى أفغانستان محمد صادق خان مزاعم بلاده أن قضية الإرهاب لا تزال في صلب الأزمة الأفغانية وأن حكومة كابول لديها روابط مع الجماعات الإرهابية التي تشن هجمات شرسة على الأراضي الباكستانية.
وأضاف خان أن هذه الجماعات تستخدم أفغانستان منطلقاً لتهديد باكستان ودول أخرى في المنطقة، مشيراً إلى أن أكثر من 4700 مواطن باكستاني قتلوا خلال الأعوام الثلاثة الماضية في هجمات إرهابية مرتبطة بأفغانستان. واتهم "حكومة طالبان" بصريح العبارة بالتواطؤ في هذه الهجمات التي تستهدف أفراد الأمن والمواطنين الباكستانيين.
من جانبه أكد وزير الخارجية الأفغاني أمير خان متقي أن كابول تؤمن بحل الخلافات من خلال الحوار والدبلوماسية، معرباً عن أسفه بأن "النظام العسكري الحاكم" في باكستان، بحسب تعبيره، يتعامل مع القضايا من منظور غير سياسي ويستخدم الخطاب العسكري بدلاً من التفاهم في علاقاته مع أفغانستان. وزعم متقي أن إسلام آباد تواصل انتهاك القوانين والأعراف الدولية بقصفها أهدافاً مدنية داخل أفغانستان.
وانعكست هذه الخلافات في اختتام الاجتماع التشاوري، إذ رفضت كابول قبول صيغة البيان المشترك المقترح الذي تطرق لملف الإرهاب في أفغانستان.
أهداف كابول
تبدو "حكومة طالبان" مهتمة بالتعاون الاقتصادي مع روسيا والدول الأخرى، لكنها في حقيقة الأمر مهتمة بصورة أكبر بالتعاون الدفاعي. وفي هذا الصدد، شارك وفد عالي المستوى من وزارة الدفاع الأفغانية في مناورات المركز 2026 العسكرية الروسية بصفة فريق مراقب أو وفد ضيف. وتابع الوفد برئاسة المسؤول الأفغاني مولوي نصيب الله المناورات، وزار معرضاً للمعدات العسكرية الروسية والتقى أيضاً بممثلين عسكريين من دول مختلفة.
وتشير بعض التقارير إلى أن وفد "طالبان" أجرى أيضاً محادثات مع ممثلين من الصين والهند وأوزبكستان وطاجيكستان خلال زيارته لروسيا.
يشار إلى أن باكستان شاركت أيضاً في هذه التدريبات التي جرت بين الـ28 من سبتمبر (أيلول) الماضي والـ3 من أكتوبر الجاري في مراكز تدريب عدة تابعة للمنطقة العسكرية المركزية الروسية، أي قبل بدء الاجتماع بيومين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب بعض المصادر، فإن وجود وفد "طالبان" أثار قلق إسلام آباد في شأن سعي كابول للحصول على تقنيات قتالية جديدة مثل الطائرات المسيرة الانتحارية وأساليب التدريب المتطورة.
إضافة إلى ذلك، تواجه إدارة "طالبان" تحديات جديدة مع تجدد نشاط الجماعات المسلحة المناهضة لـ"طالبان" داخل أفغانستان. في هذا السياق، سيطرت جماعة "سباهيان مهين" لفترة وجيزة على المركز الإداري لمدينة في إقليم بدخشان قبل ثلاثة أشهر، بينما واصلت "جبهة الحرية الأفغانية" الاشتباك مع قوات "طالبان" في منطقة زيباك. وشهدت نورستان تصاعداً ملحوظاً في حدة الاشتباكات خلال الأسابيع الأخيرة، مما يشير إلى أن بعض الجماعات المناهضة لـ"طالبان" تحاول إعادة تنظيم صفوفها وإثبات وجودها.
الأمن الإقليمي
ليست باكستان وحدها التي تتحفظ على وجود معاقل للجماعات الإرهابية داخل أفغانستان، فروسيا والدول المشاركة الأخرى أيضاً تتخوف من انطلاق تهديدات أمنية من الأراضي الأفغانية.
ولعل باكستان كونها الأكثر تضرراً من الإرهاب تشدد على المسألة أكثر من الدول الأخرى، وتحاول الحفاظ على التواصل مع حكومة "طالبان" وتعالج مخاوفها الأمنية في الوقت نفسه.
لكن دولاً أخرى لديها مخاوف أمنية في شأن أفغانستان مع تفاوت طبيعة وجدية هذه المخاوف، فروسيا تخشى انتشار المتطرفين في آسيا الوسطى، والصين تنظر إلى أفغانستان في سياق شينجيانغ (إقليم حدودي صيني) ومشاريعها الاقتصادية الإقليمية، وإيران قلقة في شأن أمن الحدود والتطرف الطائفي. بينما تعطي دول آسيا الوسطى الأولوية لحماية حدودها. بل إن روسيا أوضحت قبل الاجتماع أنه سيركز على التعاون الإقليمي لمكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات.
وركز الاجتماع، إلى جانب مناقشة الأمن الإقليمي، على ضرورة إدماج كابول في منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية، وأنه لا بديل عن تطوير تعاون مبني على المنفعة المتبادلة مع أفغانستان، وجدد المجتمعون دعوتهم للمجتمع الدولي لضمان تقديم المساعدات الإنسانية بانتظام إلى الشعب الأفغاني دون تسييس.
هل فشلت باكستان؟
الخلاف الباكستاني-الأفغاني متجذر في ملفات لا يمكن حلها على منصات تشاورية، لكن إسلام آباد كانت تأمل أن اجتماع موسكو سيوفر لها سبيلاً للتعامل مع "حكومة طالبان" وتنهي حال الجمود لا سيما على الصعيد الاقتصادي إذ تتأثر كلا الدولتين بسبب إغلاق الحدود الباكستانية-الأفغانية.
إلا أن الاجتماع فشل في إحداث اختراق واقتصر على تبادل الاتهامات بين الجانبين. ليس هذا وحسب، بل إن رغبة باكستان في إجراء بيان مشترك يعكس وجهة نظرها ويطالب أفغانستان بضرورة القضاء على معاقل الجماعات الإرهابية لم تتحقق أيضاً، إذ لم يصدر أي بيان مشترك بعد الاجتماع.
نقلاً عن اندبندنت أوردو